فيه من البيان؛ فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، وإنه (١) بكل حرف نور يوم القيامة" (٢).
٦٠ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية.
قال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي - ﷺ -، فقال الآخر: لا (٣)، بل انطلق إلى وثن بني فلان. فأنزل الله هذه الآية.
وقال الشعبي: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمد. وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين؛ لأنه علم أنهم لا يقبلون الرشوة، ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود؛ لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة، ويميلون في الحكم، فاختلفا، ثم اتفقا على أن يأتيا كاهنًا (٤) في جهينة، فيتحاكما إليه، فأنزل الله هذه الآية.
_________________
(١) في (ت): ليعطي.
(٢) [١١٩٤] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف جدًّا، فيه مؤمل سيئ الحفظ، وعبيد الله متروك، وفيه أيضًا: ابن سهلويه لم أجده. التخريج: أخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٧٥٧، والطبراني في "المعجم الكبير" ٢٠/ ٢٥ (٥٢٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٢/ ٤٨٥ (٢٤٧٨) من طريق مؤمل عن عبيد الله عن أبي المليح عن معقل، به.
(٣) ساقطة من (م)، (ت). والأثر ذكر بمعناه في "البحر المحيط" لأبي حيان ٣/ ٢٩٢.
(٤) في (ت): راهبًا. =
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
وقال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر؛ كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: أنطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي (٣) كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الطاغوت- فأبى اليهودي أن يخاصمه (٤) إلا إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله - ﷺ -، فاختصما إليه، فقضى رسول الله - ﷺ - لليهودي، فلما خرجا من عنده، لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب. فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم (٥) إليك، وتعلق بي، فجئت معه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويدكما، حتى أخرج إليكما. فدخل عمر البيت، فأخذ السيف، واشتمل عليه، ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق، حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء (٦) رسوله. وهرب اليهودي، فنزلت هذه الآية،
_________________
(١) = وأثر الشعبي أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٥٢، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣١٩ نسبته لابن المنذر.
(٢) متهم بالكذب، ورمي بالرفض.
(٣) ضعيف، يرسل.
(٤) في (ت): إلى.
(٥) في (ت): يحاكمه.
(٦) في (ت): يخاصمني.
(٧) زيادة من (م)، (ت).
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
وقال جبريل -﵇-: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق (١).
وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا، ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلًا من بني النضير، قتل به، وأخذ ديته مائة وسق تمرًا، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة لم يقتل به، وأعطى ديته: ستين وسقًا من تمرٍ، وكانت النضير -وهم حلفاء الأوس، أكثر وأشرف من بني قريظة- وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإسلام، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فاختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم، ولا تقتلوا منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقا -والوسق ستون صاعًا- وديتنا مائة وسق، فنحن نعطيكم ذلك فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية؛ لأنكم كثرتم وقللنا؛ فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا ودينكم واحد، وليس لكم علينا فضل. فقالت النضير: لا، بل نحن على ما كنا
_________________
(١) الحكم على الإسناد: فيه الكلبي متهم بالكذب. التخريج: ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٦٦) وقد تقدم مرارًا أن الكلبي لا يحتج به، وذكر الطبري أثرًا عن قتادة، قريبًا من أثر ابن عباس هذا، بدون ذكر ما حدث من عمر ﵁. انظر: "جامع البيان" للطبري ٥/ ١٥٣، "زاد المسير" لابن الجوزي ٢/ ١١٩، "الدر المنثور" للسيوطي ٢/ ٣٢٢. =
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
عليه، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي. فقال المسلمون من الفريقين: لا، بل إلى النبي - ﷺ -، فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة، ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة -يعني: الخطر (١) - فقالوا: لك عشرة أوسق. قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف إن نفَّرت (٢) النضيري قتلتني قريظة، أو أنفر قريظة قتلتني النضير. فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤)، فدعا النبي - ﷺ - كاهن أسلم إلى الإسلام، فأبى، وانصرف، فقال النبي - ﷺ - لابنيه: "أدركا أباكما فرداه، فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبدًا"، فأدركاه، فلم
_________________
(١) = وذكر الحكيم الترمذي القصة كاملة في "نوادر الأصول" (ص ٥٩).
(٢) يعني: المال الذي جعل رهنا بين المتراهنين، يقال: أخطر المال -أي: جعله خطرًا بين المتراهنين. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٢٥١ (خطر)، وانظر: تعليق الأستاذ محمود شاكر ﵀ في "جامع البيان" للطبري ٨/ ٥١١، قال: وسماه اللقمة، مجازًا.
(٣) أي: حكمت له بالغلبة، وهو من المنافرة، وهى: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلًا. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٩/ ٢٢٦ (نفر).
(٤) البقرة: ١٧٨.
(٥) المائدة: ٤٥. أخرج هذا القدر الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٥٣، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٩١، وذكر القصة كاملة الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٦٦ - ١٦٧).
[ ١٠ / ٤٥٥ ]