أعرابي بعدما دفنا رسول الله - ﷺ - بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي - ﷺ -، وحثى على رأسه من ترابه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فما (١) وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ وقد ظلمت نفسي، وجئتك؛ لتستغفر لي، فنودي من القبر: أنه قد غفر لك (٢).
٦٥ - قوله -﷿-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾
نزلت في الزبير بن العوام، وخصمه، واختلف في اسمه، فقال الصالحي: ثعلبة بن حاطب (٣)، وقال الآخرون: حاطب بن أبي
_________________
(١) = انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٨/ ١٩٩، "الثقات" لابن حبان ٥/ ٤١، "تهذيب الكمال" للمزي ٣٣/ ٤١٢، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٨١٦٧).
(٢) في (م): فيما، وفي (ت): كما.
(٣) [١١٩٥] الحكم على الإسناد: إسناده مليء بالمجاهيل الذين لم أجدهم، وقد تكلم على هذا الأثر المختلق شيخ الإسلام ابن تيمية في "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" (ص ١٤٩ - ١٥٠) وابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (ص ٢١٢) وحكما عليه بالوضع والبطلان. التخريج: لم أجد من خرج هذا الأثر في المصادر المعتمدة، وقد ذكره القرطبي لابن مهران الأصبهاني ٥/ ٢٦٥ بدون إسناد.
(٤) بدري أنصاري، شهد بدرًا، وهو غير ثعلبة بن أبي حاطب، الذي ذكره ابن إسحاق في "السيرة" ٤/ ١٨٦ فيمن بنى مسجد الضرار، واختلف العلماء في نفاقه، وإيمانه. انظر: "الإصابة" لابن حجر ٢/ ١٩، ولم أتبين من هو الصالحي.
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
بلتعة (١)، وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله - ﷺ - في شراج (٢) الحرة، كانا يسقيان به النخل، فقال رسول الله - ﷺ -: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب الرجل، وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟
فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء
_________________
(١) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٩٤ عن سعيد بن المسيب ما يفيد بأنه حاطب بن أبي بلتعة. قال ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٤٤: وإسناده قوي، مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير فيكون موصولًا، وعلى هذا فيؤول قوله من الأنصار على إرادة المعنى الأعم. فائدة: نقل ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٤٤ عن التوربشتي شارح "المصابيح" أنه قال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة، التي هي المدح، ولو شاركهم في النسب، بل هي زلة من الشيطان، تمكن بها منه عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. وهذا كلام حسن. ولكن تبقى نسبة الرجل إلى الأنصار في الحديث مانعة من كون المراد بالرجل: حاطبًا؛ لأنه مهاجري، وليس أنصاريا، فلذلك ذهب ابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ٤٥٦، وابن عطية في "المحرر الوجيز" ٢/ ٧٥، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٦٧ إلى أن الصحيح أنه أنصاري غير معين ولا مسمى. والعلم عند الله تعالى.
(٢) بكسر الشين والجيم، جمع شرج، وهو مسيل الماء، وإنما أضيفت إلى: الحرة؛ لكونه فيها، والحرة: مجتمع أحجار سود، ولها عدة مواضع في المدينة، والمشهور منها: حرة واقم، وهي الحرة الشرقية، وحرة ليلى، وحرة النار، والحرة الغربية. انظر: "وفاء الوفاء" للسمهودي ٤/ ٦٥ وما بعدها، وانظر كلام ابن حجر عنها في "فتح الباري" ٥/ ٤٤.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
حتى يرجع إلى الجدر، واستوف حقك، ثم أرسل إلى جارك" (١).
وكان رسول الله - ﷺ - أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله - ﷺ - استوعب للزبير حقه في صريح الحكم.
ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا بلتعة؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء! يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله! لقد أذنبنا ذنبًا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة منه، فقال: فاقتلوا أنفسكم، فقتلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا، حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله، إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وليه شدقه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقال مجاهد، والشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق، واليهودي، اللذين اختصما إلى عمر بن الخطاب.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشرب والمساقاة، باب سَكْرِ النهار (٢٣٥٩ - ٢٣٦٠)، وفي مواضع أخرى (٢٣٦١ - ٢٣٦٢ - ٢٠٧٨ - ٤٥٨٥) ومسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه (٢٣٥٧)، وأبو داود، كتاب الأقضية، باب من القضاء (٣٦٣٧) وغيرهم من طريق الزهري عن عروة عن أبيه. وقوله: فلما أحفظ -أي: أغضب. وقوله: (ثم خرجا، فمرا على المقداد) من زبادات الثعلبي، وليس لها إسناد، كما قال ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٤٤، ورد هذه الزيادة؛ لأجل ما فيها من تعريض بحاطب، وهو بدري، ﵁. وحق لها أن ترد.
[ ١٠ / ٤٦١ ]
وقد مضت القصة (١).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا﴾ يعني: ليس الأمر كما يزعمون: أنهم مؤمنون، ثم لا يرضون بحكمك، ويصدون عنك، ثم استأنف القسم، فقال ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿لَا﴾ صلة، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي: يجعلونك حكمًا ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلف، واختلط من أمورهم، والتبس عليهم حكمه، ومنه: الشجر؛ لاختلاف أغصانه، ويقال لعصيّ الهودج: شجار؛ لتداخل بعضها في بعض (٢)، قال الشاعر:
نفسي فداؤك، والرماح شواجر والقوم في ضنك اللقاء قيامُ (٣)
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أي: ضيقًا، وشكًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ومنه قيل للشجر الملتف، الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وحرجة، جمعه: حراج (٤).
وقال الضحاك: إثمًا (٥)، يأثمون بإنكارهم ما قضيت، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: يخضعوا، وينقادوا لأمرك انقيادًا.
_________________
(١) أخرج قوليهما الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٥٩.
(٢) انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٣٩٤ (شجر).
(٣) البيت ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٦٦. وأحراج، وحرجات.
(٤) انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٢/ ٢٣٤ (حرج).
(٥) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٦.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]