قال الحسن، ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر، وعمار، وابن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله - ﷺوهم القليل- والله، لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: "إن من أمتي لرجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" (١).
قال الله -﷿-: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ما يؤمرون به ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، تحقيقًا وتصديقًا؛ لإيمانهم.
٦٧ - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾
ثوابًا وافرًا.
٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾
أي: إلى صراط مستقيم.
٦٩ - قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في ثوبان، مولى رسول الله - ﷺ - (٢)، وكان شديد
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٦٠، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٩٥، وزاد السيوطي في نسبته في "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٥ إلى ابن المنذر من طريق أبي إسحاق السبيعي، والحسن البصري، مرسلًا.
(٢) أبو عبد الله: كان من سبي الحجاز، فاشتراه النبي - ﷺ -، ثم أعتقه، فلازم النبي - ﷺ -، وحفظ عنه علما كثيرًا، وطال عمره، واشتهر ذكره، وشهد فتح مصر، وسكن حمص، وبها مات سنة (٥٤ هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٧/ ٤٠٠، "حلية الأولياء" لأبي نعيم ١/ ١٨٠، "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٣/ ١٥.
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
الحب لرسول الله - ﷺ -، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، ونحل جسمه، ويعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله - ﷺ -: "يا ثوبان، ما غير لونك؟ " فقال: يا رسول الله، ما بي من مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أني لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبدا. فأنزل الله -﷿- هذه الآية (١)، ثم قال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأبويه، وأهله، وولده، والناس أجمعين" (٢).
_________________
(١) الأثر من رواية الكلبي، كما ذكر ذلك الواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٦٨ - ١٦٩)، وقد أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٦٣ عن رجل من الأنصار، بسياق آخر. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٥ عن ابن عباس أثرًا شبيهًا بالذي ذكره المصنف، ونسبه إلى ابن مردويه، من طريق الشعبي. وأخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ٨/ ١٢٥ عن عائشة، بنحوه. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٧ رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة.
(٢) الحديث أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان (١٥) ولفظه: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين"، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد (٤٤) وأحمد في "المسند" ٣/ ١٧٧ (١٢٨١٤)، وأبو يعلى في "مسنده" ٥/ ٣٨٧ (٣٠٤٩) وغيرهم. وصنيع المصنف يوهم أن النبي - ﷺ - قال الحديث بعد مقولة ثوبان، وهذا ليس بجيد، بل هما حديثان منفصلان.
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
وقال قتادة، ومسروق بن الأجدع: قال أصحاب محمد - ﷺ -: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك؛ فإنا لا نراك إلا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا؛ بفضلك، فلا نراك، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ (١)، في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾: وهم أفاضل أصحاب محمد - ﷺ -، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ يعني: صالحي أمة محمد - ﷺ -.
وقال عكرمة: النبيون -هاهنا: محمد - ﷺ -، والصديقون: أبو بكر الصديق - ﵁ -، والشهداء: عمر، وعثمان، وعلى، ﵃، والصالحون: سائر الصحابة (٢)، رضوان الله عليهم أجمعين.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يعني: رفقاء في الجنة، كما تقول: نعم الرفقاء هم، والعرب تضع الواحد في معنى الجمع كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣) أي: أطفالًا، وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤) أي: الأدبار، وقال: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (٥).
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٦٣، عن قتادة، ومسروق، وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٩٩٧ أثر مسروق، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٢٥ نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٤٧.
(٣) غافر: ٦٧.
(٤) القمر: ٤٥.
(٥) الشورى: ٤٥.
[ ١٠ / ٤٦٦ ]