عباده بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز أن يثني على نفسه بما لم يفعله، فدل ذلك على بطلان قولهم. والله أعلم.
ثم علمهم مباشرة الحروب فقال:
٧١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
من عدوكم -أي: عدتكم، وآلتكم من السلاح، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، والحِذْر والحَذَر واحد (١): كالمِثْل، والمَثَل، والعِدل والعَدَل، والشِّبْه، والشَّبَه.
﴿فَانْفِرُوا﴾ أي: أخرجوا ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: سرايا متفرقين، سرية بعد سرية، وجماعة بعد جماعة، والثبات: الجماعات في تفرقة، واحدها: ثبة.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين كلكم مع نبيكم، واستدل أهل القدر بهذه الآية، بقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقالوا: لولا أن الحذر
_________________
(١) = البصري، وقد خالف الحسن في مسائل عقائدية، ثم اعتزل حلقة الحسن، وهذه الفرقة تعظم العقل جدًّا، وتقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وفي الدنيا هو في منزلة بين المنزلتين، وتقول: إن العبد هو الفاعل بقدرته، فنفوا قدر الله وإرادته. وتسمى أيضًا بالواصلية، والعدلية، والقدرية، ولهم أفراخ، وأذناب، في عصرنا ممن تسموا بالعقلانيين، والمتنورين، والعصرانيين. انظر: في معتقداتهم وآرائهم: "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ١/ ٢٣٥، "الفرق بين الفرق" للبغدادي (ص ٧٨)، "الموسوعة الميسرة"، نشر الندوة العالمية ١/ ٦٩.
(٢) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصبهاني (ص ٢٢٣).
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
يمنع عنهم مكائد (١) الأعداء ما كان لأمره إياهم بالحذر معنى، فيقال لهم: الأئتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم؛ لأنه به يسلمون من معصية الله تعالى؛ لأن المعصية ترك ما أمروا، وإتيان ما نهوا (٢)، وليس في الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئًا، وهو كقول النبي - ﷺ - للرجل: "اعقل، وتوكل" (٣). والمراد منه: طمأنينة النفس، لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر، والدليل على ذلك: أن الله تعالى أثنى على أصحاب محمد - ﷺ - بقوله حاكيًا عنهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٤) وأمر بذلك رسول الله - ﷺ -، فلو كان يصيبهم غير ما قضى الله تعالى عليهم لما كان لهذا معنى (٥).
_________________
(١) في (ت): مكايدة.
(٢) في (م): والانتهاء، وفي (ت): وانتهاؤهم.
(٣) الحديث أخرجه الترمذي كتاب صفة القيامة، باب (٢٥١٧) من طريق يحيى بن سعيد عن المغيرة عن أنس به. وقال الترمذي: حديث غريب من حديث أنس، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأشار إلى الطريق الآتية. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٢/ ٥١٠ (٧١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" ٢/ ٢١٥ (٩٧٠) من طريق جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه به، وفي لفظ لابن أبي عاصم: "بل قيدها، وتوكل". وحسن إسناده الألباني في "صحيح سنن الترمذي" ٢/ ٣٠٩.
(٤) التوبة: ٥١.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ٥/ ٢٧٤. ويفهم من رد المصنف نفي تأثير الحذر مطلقًا، وليس الأمر كذلك، بل إن الحذر =
[ ١٠ / ٤٦٩ ]