وقيل: إن ذلك في القوم الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، فخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم، فهذا بأس قد كفه الله عن المؤمنين.
وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى الذين دخلوا في الجزية، وتركوا المحاربة، فكف (١) بأسهم عن المؤمنين، إذ صاروا بأداء الجزية صاغرين.
٨٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾
فيحسن القول في الناس، ويسعى في إصلاح ذات البين ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ أي: حظ ﴿مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ فيسيء القول في الناس، ويمشي بينهم بالنميمة والغيبة، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس، وقتادة: الكفل: الإثم والوزر (٢).
وقال الفراء وأبو عبيدة: الكفل: الحظ والنصيب (٣).
وقال مجاهد: شفاعة حسنة، وشفاعة سيئة، هي: شفاعة الناس
_________________
(١) في (ت): فقد كف الله، وقد نقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٩٤ الاعتراض، والأوجه التي ذكرها المصنف. والذي يظهر أن الله تعالى وعد بالنصر على الكافرين، بشرائط، فإذا تحققت في المؤمنين جاءهم النصر من الله تعالى، فكف بأس الكافرين مقيد بأسباب النصر التي منها الإيمان والتوكل وأخذ العدة، وغير ذلك، والله أعلم.
(٢) أخرج قول قتادة: الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٨٥، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠١٩.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٨٠، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١٣٥، ومعنى هذا القول: الحظ والنصيب من الإثم والوزر.
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
بعضهم لبعض (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣) عن ابن عباس: ﴿مُقِيتًا﴾ أي: مقتدرا، مجازيا بالحسنة والسيئة (٤).
يقال: أقات على الشيء -أي: اقتدر عليه (٥).
قال الشاعر:
وذي ضِغْن كففْت النفسَ عنه وكنتُ على مساءته مُقيتا
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٨٦، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ١٠١٣، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥ لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) متهم بالكذب، ورمي بالرفض.
(٣) ضعيف، يرسل.
(٤) الحكم على الإسناد: الكلبي متهم بالكذب. التخريج: أخرج قول ابن عباس: الطبراني في "المعجم الكبير" ١٠/ ٢٥٣، ضمن مسائل نافع الأزرق لابن عباس. وطريق الكلبي لا يعتمد عليها، كما هو معلوم.
(٥) انظر: "لسان العرب" لابن منظور (قوت)، والبيت الآتي ينسب للزبير بن عبد المطلب، كما في المصدر السابق وفي "مسائل نافع لابن عباس" -كما عند الطبراني- نسب البيت إلى النابغة، مرفوع القافية: مقيت، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٦ إلى أحيحة بن الجلاح الأنصاري، وفي "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام (ص ٢٤٣) أنه لأبي قيس بن رفاعة.
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
وقال مجاهد: شاهدًا (١).
وقال قتادة: حفيظًا (٢).
والمقيت: الشاهد للشيء، الحافظ له.
قال الشاعر (٣):
ليت شعري وأَشْعُرَنَّ إذا ما قرَّبوها مطوية ودُعِيتُ
ألِيَ الفضلُ أم علَيَّ إذا حُو سبت؟ ! إني على الحساب مقيتُ
وقال الفراء: المقيت: المقدر، الذي يعطي كل رجل قوته (٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٨٧، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٢٠.
(٢) نسبه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠١٩ له. وقد ورد عن ابن عباس، أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٨٧، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠١٩.
(٣) البيتان للسموأل بن عادي اليهودي، وهما في "ديوانه" (ص ١٣، ١٤)، وفي "الأصمعيات" للأصمعي (ص ٨٥)، وذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١٣٥. وقوله: وأشعرن، استفهام، معناه: وهل أشعرن. وقوله: مطوية، في رواية أخرى: منشورة. والمصنف ذكر هذين البيتين؛ ليستشهد بقوله مقيت، على معنى: الشاهد للشيء، والحافظ له، وقد رجح الطبري في "جامع البيان" ٨/ ٥٨٥ أن معنى مقيت في البيت: فإني على الحساب موقوف، وقد جود ذلك الأستاذ محمود شاكر ﵀ في تعليقه على "جامع البيان" للطبري.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٢٨٠.
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (١)، ويقيت، ثم نزل بقوم بخلوا برد السلام.
_________________
(١) أخرجه معمر كما في "المصنف" لعبد الرزاق ١١/ ٣٨٤، وأحمد في "المسند" ٢/ ١٦٠ (٦٤٩٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" ٥/ ٣٧٤ (٩١٧٧)، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (١٦٩٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" ٧/ ١٣٥، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٥٧٥، والشهاب في "مسنده" ٢/ ٣٠٣ (١٤١١)، والطيالسي في "مسنده" ٢/ ٣٠١ (٢٢٨١)، والطبراني في "المعجم الأوسط" ٤/ ٣٣٣ (٤٣٥٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧/ ٤٦٧، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ١٠/ ٥١ (١٢٤٠) والبيهقي في "شعب الإيمان" ٦/ ٤١٢ (٨٧٠٩)، كلهم من طرق عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله ابن عمرو مرفوعًا، بمثله. وأبو إسحاق: هو الهمداني، ثقة، ووهب بن جابر: هو الخيواني، مقبول، كما في "تقريب التهذيب" لابن حجر (ص ١٠٤٣)، وهذا يعني: عند المتابعة، وإلا، فهو ضعيف. وللحديث شاهد بهذا اللفظ عند الطبراني في "المعجم الكبير" ٢/ ٣٨٢ (١٣٤١٤) من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به، ورجاله كلهم ثقات، إلا ما كان من إسماعيل، فإن روايته عن غير الشاميين فيها مقال، لكنها تصلح في المتابعات، والشواهد، وهذا منها. وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" ١/ ١٥٥ (٢٥١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، ثنا ابن ثوبان عمن سمع نافعًا يحدث عن ابن عمر: فذكره. وفي إسناده انقطاع، لكنه صالح للاعتبار، فالحديث بهذا اللفظ يرتقي إلى درجة الحسن، إن شاء الله. وقد أخرج مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم (٩٦٦)، وأحمد في "المسند" ٢/ ١٦٠ (٦٤٩٥)، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ١٠/ ٥٢ (٤٢٤١)، عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته". وقوله: (ويقيت ثم نزل بقوم بخلوا برد السلام)، لم أفهم المراد منها.
[ ١٠ / ٤٩٩ ]