فجعل يقول في شعره:
قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارعِ
وأدركت ثأري واضطجعت موسدًا وكنت إلى الأوثان أول راجعِ (١)
فنزلت فيه:
٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
بكفره وارتداده عن الإسلام.
ذكر حكم الآية:
اختلف الناس في حكم هذه الآية، فقالت الخوارج والمعتزلة: إنها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمنًا، وهذا الوعيد لاحق به (٢).
_________________
(١) أخرج القصة ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٢٧ من رواية سعيد ابن جبير، وأخرجها البيهقي في "شعب الإيمان" ١/ ٢٧٧ (٢٩٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ولا يخفى ما في هذا الطريق، وأخرجها الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢١٧ من رواية عكرمة، والقصة في "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٣٠٥، "تاريخ الرسل والملوك" للطبري ٢/ ٦٠٨ - ٦٠٩، وأخرجها الطبراني في "المعجم الأوسط" ٦/ ٣٤٢ (٦٥٧٧) مختصرة، من حديث أنس بن مالك، في قصة مقيس يوم فتح مكة.
(٢) بناء على أصلهم في حكم مرتكب الكبيرة، وأنه في الآخرة في النار. انظر: "مقالات الإسلاميين" ٢/ ١٦٧.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
وقالت المرجئة (١): إنها نزلت في كافر قتل مؤمنا، فأما المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنه لا يدخل النار.
وقالت طائفة من أصحاب الحديث: إنها نزلت في مؤمن قتل مؤمنًا، والوعيد عليه ثابت، إلا أن يتوب، أو يستغفر.
وقالت طائفة منهم: كل مؤمن قتل مؤمنًا فهو خالد في النار غير مؤبد ويخرج منها بشفاعة الشافعين.
وزعمت فرقة ألا توبة لمن قتل مؤمنًا متعمدًا.
وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه لا يكفر بفعله، ولا يخرج به من الإيمان، إلا إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة، فأما إذا لم يفعله على جهة الاستحلال والديانة، فإن أُقيد ممن قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائبًا من ذلك، ولم يكن مقادًا ممن قتل، كانت التوبة أيضًا كفارة له، وإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا قود، فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وأرضى خصمه بما شاء، وإن شاء عذبه على فعله، ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعده بإيمانه، إذ الله تعالى لا يخلف له وعدًا، وترك المجازاة بالوعيد
_________________
(١) هي إحدى الفرق الكلامية، المنتسبة إلى الإسلام، انحرفت كثيرًا في الإيمان، فمنهم من عده قولًا، واعتقادًا فقط، ومنهم من قصره على القول فقط، واكتفى متأخروهم في تعريفه بأنه التصديق فقط، وغلاتهم الذين قالوا: إنه المعرفة فقط، وقد تأثرت فرق كثيرة بهم. انظر: "الإيمان" لابن تيمية، "موسوعة الأديان والمذاهب" ٢/ ١١٥٣ - ١١٥٥. وانظر مقالة المرجئة في "مقالات الإِسلاميين" ١/ ٢٣١.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
يكون تفضلًا، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، والدليل على أن المؤمن لا يصير بقتل المؤمن كافرًا، ولا خارجًا به من الإيمان أن الله تعالى حين ذكر (١) البخاري القصاص سمى القاتل مؤمنًا بقوله (٢) سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، والقصاص لا يكون إلا في قتل العمد، فسماهم مؤمنين، وآخى بينهم بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾، ولم يرد إلا أخوة الإيمان، والكافر لا يكون أخًا للمؤمن، ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولا يلحق ذلك الكفار، ثم أوجب على المعتدين (٣) بعد ذلك عذابًا أليمًا بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) ولم يوقع عليه (٥) الغضب، ولا التخليد في النار، ولا يسمى هذا العذاب نارًا، والعذاب قد يكون نارًا، وقد يكون غيرها في الدنيا، ألا ترى إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٦) يعني: القتل والأسر، والدليل عليه أيضًا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٧) فخاطب القاتلين بما خاطب المصلين، فلو كان القتل
_________________
(١) بعدها في (م): آيات.
(٢) في (ت): فقال.
(٣) في (م): المتعمدين.
(٤) البقرة: ١٧٨.
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) التوبة: ١٤.
(٧) المائدة: ٦.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
يخرجهم عن الإيمان جاز مخاطبتهم به، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (١)، واقتتال الطائفتين كان على العمد لا على الخطأ.
والدليل عليه أيضًا ما روي عن النبي -ﷺ-: أنه كان يبايع أصحابه على: ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعلى ما في القرآن من بيعة النساء، ثم يقول بعد ذلك: "فمن فعل من ذلك شيئًا فأقيم عليه الحد، فهو كفارة له، (ومن ستر عليه) (٢) فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" (٣).
ولو كان القاتل خارجًا عن الإسلام لم يكن لقول النبي -ﷺ- معنى.
وروي أن مؤمنًا قتل مؤمنًا متعمدًا على عهد رسول الله -ﷺ- فلم يأمر القاتل بالإيمان من فعله، ولو كان كفرًا، أو خروجًا عن الإيمان لأمره أولًا بالإيمان، وقال لطالب الدم: "أتعفو؟ " قال: لا. ثم قال: "أتأخذ الدية؟ " قال: لا. فأمر بقتله، ثم أعاد عليه مرتين، أو ثلاثًا، حتى قبل الدية (٤).
_________________
(١) الحجرات: ٩.
(٢) في (ت): سبق عليه الموت.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب (٨١)، ومسلم في كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (١٧٠٩)، والبغوي في "شرح السنة" ١/ ٦٠ - ٦١، وفي "معالم التنزيل" ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، وأحمد في "المسند" ٥/ ٣٢٣ (٢٢٧٥٤) من حديث عبادة بن الصامت.
(٤) سيأتي هذا الحديث بسند المصنف.
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
ولم يحكم على القاتل بالكفر، ولو كان ذلك كفرًا لبينه رسول الله -ﷺ-، لأن ذلك كان ردة، يحرم (١) بها أهله عليه، ولم يجز على الرسول -ﷺ- الإغفال عنه؛ لأنه الناصح الشفيق، المبعوث بالتأديب والتعليم.
وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ثلاثة من أصل الإسلام (٢): الكف عمن قال لا إله إلا الله (٣)، لا نكفره بذنب، والجهاد ماض (٤) منذ بعثني الله تعالى إلى أن تقوم الساعة، والإيمان بالأقدار" (٥).
ودليل آخر على أن القاتل لا يصير كافرًا بالقتل، وهو: أن الكفر هو الجحود والإباء، والشرك إضافة والقاتل لم يجحد، ولم باب قبول الفرض (٦)، ولا أضاف إلى الله سبحانه شريكًا، فلو جاز أن يكون كافرًا من لم يأت بالكفر لجاز أن يكون مؤمنًا من لم يأت بالإيمان، حذو القذة بالقذة (٧).
_________________
(١) بعدها في (ت): على القاتل.
(٢) في (م): الإيمان.
(٣) بعدها في (ت): محمد رسول الله.
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) في (ت): بالقدر. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الشهيد يُشفع (٢٥٣٢)، وأبو يعلى في "المسند" ٧/ ٢٨٧ (٢٣١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٩/ ١٥٦، وفي "الاعتقاد" (ص ٢٤٣ - ٢٤٤) من طريق أبي معاوية، ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي نشبة، عن أنس بن مالك، وأوله: "ثلاثة من أصل الإيمان". ويزيد مجهول وهو آفة الحديث. لكن مفردات هذا الحديث قد صحت من طرق أخرى، وهو بهذا السيادتى لا يثبت.
(٦) في (ت): الفرائض.
(٧) بعدها في (ت): فاعلم.
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
فإن تعلقت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية، وقالوا: إن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا يبقى في النار مؤبدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يقال لهم: إن هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمنًا متعمدًا وقد ذكرنا القصة فيه، وسياق الآية (١)، ورواية (٢) المفسرين تدل عليه، على أنا إن سلمنا أنها نزلت في مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا فإنا نقول لهم: لم (٣) قلتم إن الخلود هو التأبيد؟ ! خبرونا (٤) عن قول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٥) فما معنى الخلد ها هنا في الدنيا؟ أفتقولون: إنه أراد به التأبيد، والدنيا تزول وتفنى؟ ومثله قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، ومثله قوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ (٦) إنما يعني: في الدنيا، أفتقولون: إنه أراد به التأبيد؟
فإن قالوا: لا. ولا بد منه، فيقال لهم: فقد ثبت أن معنى الخلود غير معنى التأبيد، وكذلك تقول العرب: لأخلدن فلانا في السجن. أفتقولون: إنه أراد به التأبيد، والسجن ينقطع ويفنى؟ وكذلك المسجون إما (٧) أن يموت، أو يخرج منه (٨).
_________________
(١) بعدها في (ت): يدل عليه.
(٢) في (م)، (ت): وروايات.
(٣) في (ت): إذا.
(٤) في (ت): فأخبرونا.
(٥) الأنبياء: ٣٤.
(٦) الهمزة: ٣.
(٧) في (م): إنما.
(٨) في (ت): عنه.
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
فإن قالوا: إن الله -﷿- لما قال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، دل على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على من كان كافرًا، أو خارجًا من الإيمان، قلنا: إن هذه الآية لا توجب عليه الغضب، لأن معناها: فجزاؤه جهنم، وجزاؤه أن يغضب (١) عليه، ويلعنه، وما ذكره الله (من شيء) (٢) وجعله جزاء لشيء، فليس يكون ذلك واجبًا، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، وكم من محارب لله ورسوله لم يحل به شيء من هذه المعاني إلى أن فارق الدنيا، وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤) ولم يقل: أجزي بكل سيئة سيئة مثلها، ولو كان المعنيان في ذلك سواء، لم يكن إذًا لقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥) معنى، فكذلك هاهنا، ولو كان كذلك على معنى الوجوب، كان كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ (٦)، ووجدنا في لغة العرب أنه (٧) إذا قال القائل: جزاؤه كذا، ثم لم يجازه لم يكن كاذبًا، وإذا قال: أجزيه (٨)، ولم يفعل كان كاذبًا، فعلم أن بينهما
_________________
(١) بعدها في (ت): الله.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ت).
(٣) المائدة: ٣٣.
(٤) الشورى: ٤٥.
(٥) الشورى: ٣٠.
(٦) الأنبياء: ٢٩.
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) بعدها في (ت): كذا.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
فرقًا واضحًا (١).
يدل على صحة هذا التأويل: ما روى العلاء بن المسيب (٢)، عن عاصم بن أبي النجود (٣)، عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٤).
وروى شعبة (٥)، عن سيار (٦) عن أبي صالح (٧) قال: هي جزاؤه، إن جازاه.
_________________
(١) يدل عليه أن عمرو بن عبيد -من رؤوس المعتزلة- جاء إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فقال له أبو عمرو: من المعجمة أُتيت، يا أبا عثمان، إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًا، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذمًا، ثم أنشد بيتا لعامر بن الطفيل، وهو: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أخرج القصة اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" ٦/ ١٠٨١ (٢٠٣٠)، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ١٠٠ - ١٠١، وغيرهما.
(٢) ثقة، ربما وهم.
(٣) صدوق له أوهام، حجة في القراءة.
(٤) أخرج الأثر ابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٢/ ٣٥٢، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٢٨ من طريق الضحاك عن ابن عباس.
(٥) ابن الحجاج، ثقة، حافظ، متقن.
(٦) كذا في النسخ، والذي في "جامع البيان" للطبري ٥/ ٢١٧: يسار، وهو خطأ وقد وجدت أن شعبة قد روى عن سيار أبي الحكم، وسيار بن سلامة، فلم يتبين لي من هو المراد هنا، وكلاهما ثقة. والأثر أخرجه الطبري -كما سبق- ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٥٣ لابن المنذر.
(٧) باذام، ضعيف يرسل.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
[١١٩٦] أخبرني أبو ذر بن أبي الحسين بن (١) أبي القاسم (٢) المذكر (٣)، أنبأ أبو القاسم علي بن المؤمل (٤)، ثنا محمد (٥) بن يونس الكديمي (٦)، ثنا محمد بن جامع العطار (٧)، ثنا (العلاء) بن ميمون (٨)، عن الحجاج الأسود (٩)،
_________________
(١) في (ت): عن.
(٢) في (ت): اليسر.
(٣) لم أجده.
(٤) علي بن المؤمل بن الحسن بن عيسى بن ماسرجسي أبو القاسم الماسرجسي النيسابوري، كان يضرب به المثل في العقل والورع، أثنى عليه الحاكم في "تاريخ نيسابور" ومات سنة (٣٤٩ هـ). انظر: "الأنساب" للسمعاني ١٢/ ٣٣، "تاريخ الإِسلام" للذهبي ٢٥/ ٤٢٥.
(٥) بعدها في (ت): علي.
(٦) محمد بن يونس بن موسى الكديمي السلمي، متروك.
(٧) محمد بن جامع البصري، أبو عبد الله العطار، روى عن حماد بن زيد، ومعتمر، وعنه أبو يعلى، والكديمي، ضعفه أبو حاتم، وابن عدي، وأبو يعلى. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٣، "الكامل" لابن عدي ٦/ ٢٧٠، "ميزان الاعتدال" للذهبي ٣/ ٤٩٨.
(٨) في النسخ: المعلى والصواب: العلاء، هو ابن ميمون، روى عن الحجاج، وعنه العطار قال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به. انظر: "الضعفاء" للعقيلي ٣/ ٣٤٦، "ميزان الاعتدال" للذهبي ٣/ ١٠٥.
(٩) في (ت): والأسود. وهو حجاج بن أبي زياد الأسود، يعرف بزق العسل، وثقه أحمد، وابن معين، وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٣/ ١٦٠، "لسان الميزان" لابن حجر ٢/ ١٧٥. وهو غير حجاج بن الأسود، الذي يروي عن ثابت البناني، فإن هذا نكرة، كما قاله الذهبي في "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٦٠.
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
عن محمد بن سيرين (١)، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- في قوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: "هو جزاؤه إن جازاه" (٢).
فإن قيل: إن قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ من الأفعال الماضية، ومتى قلتم: إن المراد منه فجزاؤه ذلك -إن جازاه- كان من الأفعال المستقبلة؟
يقال لهم: قد يرد الخطاب بلفظ (٣) الماضي، والمراد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٤)، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ (٥)، ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ (٦)، وكل ذلك يكون مستقبلًا، وقد يرد بلفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
_________________
(١) ثقة، ثبت.
(٢) [١١٩٦] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف جدًّا، آفته العلاء ضعيف، والكديمي متروك، والعطار ضعيف، وأبو ذر لم أجده. التخريج: أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٣٨ (٥٨١٩)، والعقيلي في "الضعفاء" ٣/ ٣٤٦ والطبراني في "المعجم الأوسط" ٨/ ٢٧٠ (٨٦٠٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" ٢/ ٢٨١، والبيهقي في "شعب الإيمان" ١/ ٢٧٨ من طريق العلاء بن ميمون عن حجاج، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة .. به.
(٣) في (ت): باللفظ.
(٤) الزمر: ٦٨.
(٥) الكهف: ٤٧.
(٦) ق: ٢٣.
[ ١٠ / ٥٣١ ]
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١)، والمعنى: إلا أن آمنوا، ومثله كثير، والله أعلم.
وقد قيل في تأويل هذه الآية: إن هذا الوعيد لمن قتل مؤمنًا متعمدًا مستحلًا لقتله، وأما قول من زعم أنه لا توبة له فإنه خارج عن الكتاب والسنة، وذلك أن الله تعالى عم الذنوب جميعًا، وأمر بالتوبة منها، فقال -﷿-: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، ونحوها من الآيات، ولم يفصل بين ذنب وذنب، فإذا كان الله تعالى قابلًا للتوبة من الكفر، فقبول التوبة من القتل أولى، وقال (٣) الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٤)، وقال إخوة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ثم قال: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (٥) يعنون: بالتوبة.
وسئل النبي -ﷺ-: أمن كل ذنب تقبل التوبة؟ قال: "نعم" (٦).
فإن قيل: فما تقولون في الأخبار التي وردت (٧) أن القاتل لا توبة
_________________
(١) البروج: ٨.
(٢) النور: ٣١.
(٣) في (ت): وقد قال.
(٤) الفرقان: ٦٨ - ٧٠.
(٥) يوسف: ٩.
(٦) الحديث لم أجده بهذا السياق، لكن ثبتت أحاديث في بيان سعة رحمة الله وأنه يغفر الذنوب، منها حديث أبي ذر المشهور في "صحيح مسلم" في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (٢٥٧٧) وغيره، وفيه قوله: "فاستغفروني أغفر لكم"، وغير ذلك، ويدلس على هذا الأصل قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]
(٧) في (ت)، (م): رويت.
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
له (١). قيل: تأويلها -إن صح الخبر بها- على أنه إذا لم يره ذنبًا، ولم يستغفر الله منه، يدل عليه:
ما حدث خالد بن الدهقان (٢)، ثنا ابن أبي زكريا (٣) قال: سمعت أم الدرداء (٤) تقول: سمعت أبا الدرداء (٥) يقول: سمعت الرسول -ﷺ-، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدًا".
_________________
(١) ورد ذلك عن ابن عباس، من طرق عنه، وبألفاظ مختلفة. انظر: "جامع البيان" للطبري ٥/ ٢١٨ - ٢٢١، وكذلك ورد عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وابن مسعود. المصدر السابق.
(٢) خالد بن دهقان القرشي، ولاء، أبو المغيرة الدمشقي. روى عن: هانئ بن كلثوم، والغساني، وعبد الله بن أبي زكريا. وعنه: الأوزاعي، ومحمد بن شعيب. وثقة أبو زرعة، وقال أبو مسهر: كان غير متهم، وقال ابن حجر: مقبول. يعني عند المتابعة، وإلا فهو ضعيف، وتعقب في "التحرير" ابنَ حجر بأنه ثقة. انظر: "تحرير التقريب" ١/ ٣٤٢. وانظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر ٣/ ٧٦، "تقريب التهذيب" لابن حجر (١٦٢٦).
(٣) عبد الله بن أبي زكريا، أبو يحيى الخزاعي. سمع من أم الدرداء، وغيرها. وعنه: خالد بن دهقان، والأوزاعي، وغيرهما. كان إمامًا، ثقة، عابدًا، توفي سنة (١١٧ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٥/ ٢٨٦، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٣٣٢٤).
(٤) هي الصغرى، هجيمة، وقيل: جهيمة، الأوصابية، ثقة، فقيهة.
(٥) صحابي، مشهور.
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
قال خالد [بن] دهقان: فقال هانئ بن كلثوم (١): سمعت محمود (٢) ابن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت (٣)، عن النبي -ﷺ- قال: "من قتل مؤمنًا ثم أغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا".
قال خالد: فسألت يحيى بن يحيى الغساني (٤) عن قوله: "اغتبط بقتله"، قال: هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم (٥) ويرى أنه على هدى، ولا يستغفر الله منه أبدًا (٦).
_________________
(١) عابد، ثقة.
(٢) في (ت): محمد، وهو خطأ، والصواب محمود. وهو ابن الربيع بن سراقة، أبو محمد الخزرجي الأنصاري، صحابي، صغير.
(٣) صحابي، مشهور.
(٤) يحيى بن أبي زكريا يحيى الغساني، أبو مروان الواسطي. روى عن: هشام بن عروة، وهشام بن حسان. وعنه: ابن دهقان، وعبد الوهاب التمار. قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وضعفه أبو داود، وقال ابن حجر: ضعيف. توفي سنة (١٨٨ هـ). انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر ١١/ ١٨٥، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٧٥٥٠). والغساني: بفتح الغين، والسين مع تشديدها، نسبة إلى غسان، وهي قبيلة نزلت الشام عند ماء يسمى غسان فشربوا منه، فنسبوا إليه. انظر: "الأنساب" للسمعانى ٤/ ٢٩٥.
(٥) بعدها في (ت): الآخر. وانظر: تفسير اغتبط في "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٣٣٩.
(٦) [*] الحكم على الإسناد: إسناد الحديثين -حديث أبي الدرداء، وعبادة- صحيح. وخالد بن دهقان الصواب أنه ثقة. =
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
وروى سفيان (١)، عن أبي حصين (٢)، عن سعيد بن جبير (٣)، عن عباس قال: لا أعلم للقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله تعالى (٤).
_________________
(١) = التخريج: الحديث أخرجه بهذا السياق: أبو داود في كتاب الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٠)، (٤٢٧١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨/ ٢١ من طريق محمد بن شعيب عن خالد الدهقان عن ابن أبي زكريا عن أم الدرداء به، وفيه ذكر حديث عبادة، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ١٣/ ٣١٨ (٥٩٨٠)، والطبراني في "المعجم الأوسط" ٩/ ٩٥ (٩٢٢٩) عن محمد بن شعيب .. به، إلا أنهما لم يذكرا كلام خالد بعد الحديث، ولا حديث عبادة. وقوله: "كل ذنب عسى الله أن يغفره". له شاهد من طريق صفوان بن عيسى، ثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- .. فذكره بلفظه، أخرجه أحمد في "المسند"٤/ ٩٩ (١٦٩٠٧)، والطبراني في "مسند الشاميين" ١/ ٢٨٥ (٤٩٧)، وفي "المعجم الأوسط" ٥/ ٢١٩ (٥١٣٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" ٢/ ٢٨٤ (٣٤٤٦)، والحاكم في "المستدرك" ٤/ ٣٩١ وصححه، وتمام في "فوائده" ١/ ٢٦٥ (٦٤٥).
(٢) الثوري، ثقة، حافظ، إمام، حجة، كان ربما دلس.
(٣) بفتح الحاء، وكسر الصاد، عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي، ثقة، ثبت، سني، وربما دلس.
(٤) ثقة، ثبت، فقيه.
(٥) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: الأثر أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٦٧ عن سفيان به، ومن الطريق نفسه أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٢٠، والإسناد صحيح.
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
وروى أبو الأشهب (١)، عن سليمان بن علي الربعي (٢)، عن الحسن (٣): أنه قرأ هذه الآية ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤) فقلت: يا أبا سعيد، أهي علينا كما كانت علي بني إسرائيل؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم عليه (٥) من دمائنا.
فإن قيل: فما تقولون فيما روى سفيان (٦)، عن المغيرة بن
_________________
(١) جعفر بن حيان السعدي، البصري، روى عن الربعي، والحسن، وأبي رجاء، وعنه ابن المبارك، وأبو نعيم، وابن عليه، كان ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري ٢/ ١٨٩، "تهذيب الكمال" للمزي ٥/ ٢٢، "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٧/ ٢٨٦، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٩٣٥).
(٢) أبو عكاشة الأزدي، البصري، روى عن أنس، والحسن، وعنه ابن المبارك، وحماد بن زيد، وأبو الأشهب، وثقه ابن معين وغيره. انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري ٤/ ٢٦، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٤/ ١٣١، "تهذيب الكمال" للمزي ١٢/ ٤٧، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٢٥٩٧). والربعي بفتح الراء مع التشديد، وفتح الباء، وكسر العين، نسبة إلى ربيعة بن نزار، وسليمان من ربعة الأزد، كما قال السمعاني في "الأنساب" ٣/ ٤٣.
(٣) البصري، ثقة، فقيه، كان يرسل كثيرًا ويدلس.
(٤) المائدة: ٣٢.
(٥) ساقطة من (ت). والأثر أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٦/ ٢٠٤، وسنده صحيح.
(٦) الثوري، ثقة، حافظ، إمام، حجة وكان ربما دلس.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
النعمان (١)، عن سعيد بن جبير (٢)، عن ابن عباس، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: ما نسخها شيء (٣).
وروى حجاج (٤)، عن ابن جريج (٥) قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة (٦) أنه سأل سعيد بن جبير (٧): هل لمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا.
_________________
(١) المغيرة بن النعمان النخعي. روى عن: سعيد، وأبي الزبير. وعنه: شعبة، والثوري. وثقه ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والعجلي، والحافظ. انظر: "معرفة الثقات" للعجلي "تهذيب التهذيب" لابن حجر ١١/ ٢٤٢، "تقريب التهذيب" لابن حجر (٦٨٥٢).
(٢) ثقة، ثبت، فقيه.
(٣) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٤٥٩٠)، ومسلم في كتاب التفسير، باب في تحريم الخمر (٣٠٢٣)، وأبو داود في كتاب الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٥) مختصرًا، والنسائي في "التفسير" ١/ ٣٩٧ (١٣٥) كلهم من طريق شعبة عن المغيرة به، إلا أبا داود فمن طريق سفيان، كما هو عند الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢١٩، ومن طريقه نقل المصنف.
(٤) حجاج بن محمد المصيصي، أبو محمَّد الأعور، ثقة، ثبت، اختلط في آخر عمره.
(٥) ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل.
(٦) القاسم بن نافع -وقيل يسار- المخزومي -ولاء- أبو عاصم القارئ. روى عن سعيد، وعكرمة. وعنه ابن جريج، وشعبة. وثقه ابن معين، والنسائي، والعجلي في "معرفة الثقات" (١٤٩٤). وانظر: "التاريخ الكبير" للبخاري ٧/ ١٦٧، "تهذيب الكمال" للمزي ٢٣/ ٣٣٨.
(٧) ثقة، ثبت، فقيه.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
قال: فقرأت عليه (١) الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ قال سعيد: فقرأتها على ابن عباس، كما قرأتها علي، فقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية، التي في سورة النساء (٢).
وروى أبو الزناد (٣)، عن خارجة بن زيد (٤)، عن أبيه زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عجبنا من لينها، فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية، فنسخت الغليظة اللينة. (٥)
_________________
(١) بعدها في (م)، (ت): هذه.
(٢) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٤٧٦٢)، ومسلم في كتاب التفسير (٣٠٢٣)، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢١٩ عن سعيد بن جبير به.
(٣) عبد الله بن ذكوان، ثقة، فقيه.
(٤) خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أبو زيد المدني، ثقة، فقيه، مات سنة (١٠٠ هـ) وقيل: قبلها. انظر: "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٣/ ٣٧٤، "تهذيب الكمال" للمزي ٨/ ٨، "تقريب التهذيب" لابن حجر (١٦١٩).
(٥) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. =
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
ويقال: إن الغليظة نزلت بعد اللينة بستة أشهر (١)، فنقول، وبالله التوفيق: إن قول المفسرين، واختلافهم في الآيتين -أيهما أنزلت قبل- وقولهم: إن إحداهما ناسخة، والأخرى منسوخة، فلا فائدة فيه، إذ ليس سبيلهما سبيل الناسخ والمنسوخ؛ لأن النسخ لا يقع في الأخبار، وإنما يكون في الأحكام، والآيتان جميعًا خبران، فإن تكن الآية التي في سورة (٢) النساء أنزلت أولًا، فإنها مجملة لم يستوف حكمها بالنص، وفسر حكمها في الآية التي في الفرقان، وإن كانت الآية (١) التي في الفرقان أنزلت متقدمة، ثم أنزلت التي في النساء
_________________
(١) = التخريج: أخرجه بهذا اللفظ: الطبراني في "المعجم الكبير" ٥/ ١٤٩ (٤٩٠٥)، ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٥١ إلى ابن مردويه. وأخرجه الطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٢٠ بلفظ مقارب، إلا أن أبا الزناد قال: سمعت رجلًا يحدث عن خارجة بن زيد قال: سمعت أباك يقول فذكره. وقد جاء التصريح باسم هذا الرجل المبهم عند ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٢٧، والطبراني في "المعجم الكبير" ٥/ ١٤٩ (٤٩٠٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٧/ ٥٨، واسمه مجالد بن عوف، قال ابن حجر في "تقريب التهذيب" (٦٤٧٩): صدوق. وكذلك صرح باسمه عند أبي داود في كتاب الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٢)، والنسائي في كتاب تحريم الدم، -تعظيم الدم ٧/ ٨٧، وأخرجه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٢١٧ (٣٨٣) بسنده، وفيه أن أبا الزناد سمع من خارجة بلا واسطة، وهذه فائدة مهمة، وأخرجه -بالإبهام- عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٦٨، وسعيد بن منصور في "سننه" ٤/ ١٣٢١ (٦٦٧).
(٢) هذه رواية عن زيد أيضًا، أخرجها عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ١/ ١٦٨، والطبري في "جامع البيان" ٥/ ٢٢٠.
(٣) من (ت).
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
آخرًا (١) فإنه استغنى (٢) بتفسير ما في الفرقان عن إعادة تفسيرها في التي في النساء، فاعلم.
وأما قول من زعم: إن من وافى القيامة (وهو مرتكب) (٣) للكبائر، وهو مؤمن، لم يضره ذلك، فإنه راد لكتاب الله -﷿-، لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلم يطلق المغفرة لما دون الشرك (٤)، بل رده إلى المشيئة، ليعلم أن منه ما يكون مغفورًا، ومنه ما يكون صاحبه به (٥) معذبًا، ثم يخرج من النار، فلا يؤبد فيها، ويؤيد ذلك قصة الشفاعة (٦)، وغيرها، فدلت هذه الدلائل على بطلان قول الوعيدية، والمرجئة، وصحة قولنا، فهذا حكم الآية، والله أعلم (٧).
* * *
_________________
(١) من (ت).
(٢) في (ت): يستغنى.
(٣) في (ت): ممن ارتكب.
(٤) من (م)، (ت).
(٥) في (ت): بعد.
(٦) حديث الشفاعة الطويل.
(٧) ما ذكر المصنف ﵀ من أن المؤمن إذا قتل عمدًا -بغير حق- فله التوبة، ولا يكفر بذنبه ذلك -إذا لم يستحله- فإن تاب في الدنيا فإن الله يتوب عليه، وإن مات ولم يتب فهو إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة بعد ذلك، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وكل الأدلة الشرعية تؤيد هذا وتعضده. وانظر: -زيادة في البيان- "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الحنفي ٢/ ٥٢٤، "شرح أصول الاعتقاد" للالكائي ٦/ ١٠٥٢ وما بعدها، "مجموع الفتاوى" لابن تيمية ٣/ ٣٧٤، ٧/ ٥٠١، ١١/ ١٨٤ - ١٨٥، "مدارج السالكين" لابن القيم ١/ ٤٢٤.
[ ١٠ / ٥٤٠ ]