الْكَاذِبِينَ﴾ يعني: الزوج.
٩ - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (١)
قرأ نافع: ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾ مثل سمع الله (٢) على الفعل (٣).
وقرأ الباقون على الاسم (٤).
١٠ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف يعني: لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم، ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة (٥).
_________________
(١) = "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ١٣٤٦، "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٢٩٦.
(٢) انظر: القراءات في ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ انظر: "السبعة" (٤٥٣)، "التيسير" (١٣١)، "النشر" ٢/ ٣٣٠، "الإتحاف" ٢/ ٢٩٣.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٤٥٣)، "التيسير" للداني (١٣١)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣٠، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٣.
(٤) فغضب فعل ماض ولفظ الجلالة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر (أنْ) وأهل العربية يستقبحون أن تلي المخففة الفعل حتَّى يفصل بينها وبين الفعل بشيء، لكن قد جاء في الدعاء بغير فصل قوله تعالى: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] ونافع حمله على ذلك. انظر: "الحجة" لابن خالويه (٢٦٠)، "معاني القراءات" للأزهري ٢/ ٢٠٢، "الحجة" لابن زنجلة (٤٩٦)، "الموضح في القراءات" لابن أبي مريم ٢/ ٩٠٩، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي ٢/ ١٣٤، "شرح الهداية" ٢/ ٤٤٠.
(٥) انظر: المراجع السابقة.
(٦) حذف الجواب؛ لأنَّه معلوم المعنى وكل ما كان معلوم الجواب فإن العرب تكتفي بترك جوابه. =
[ ١٩ / ٦٠ ]
فأمَّا سبب نزول الآية:
فروى عكرمة (١) عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ قال سعد بن عبادة (٢): يا رسول الله (٣) لو أتيت لكاع (٤)، وقد تفخذها رجلٌ لم (٥) يكن لي أن أهيجه (٦) ولا أحركه حتَّى آتي بأربعة شهداء. فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتَّى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلتُ ما رأيتُ إن في ظهري لثمانين جلدة. فقال رسول الله - ﷺ -: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ " قالوا: لا تلمه يا رسول الله، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلَّا بكرًا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد بن عبادة - ﵁ -: يا رسول الله بأبي وأمي والله إنِّي لأعرف أنها من الله وأنها حق،
_________________
(١) = انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٤٧، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٣، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٧، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ٨٦.
(٢) ثقة ثبت عالم بالتفسير.
(٣) صحابي مشهور.
(٤) من (م)، (ح).
(٥) اللُّكعُ عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم وأكثر ما يقع في النداء، والمراد هنا زوجته. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ٢٦٨، "لسان العرب" لابن منظور ٨/ ٣٢٢.
(٦) في الأصل: ألم.
(٧) في (ح): أهجه.
[ ١٩ / ٦١ ]
ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك. فقال رسول الله - ﷺ -: "فإن الله تعالى يأبى إلَّا ذلك" فقال: صدق الله ورسوله، فلم يلبثوا إلَّا يسيرًا حتَّى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أميَّة من حديقة له، فرأى رجلًا مع امرأته يزني بها فأمسك حتَّى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - ﷺ - وهو جالس مع أصحابه، فقال يا رسول الله: إنِّي جئت إلى (١) أهلي عشاء فوجدت رجلًا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله - ﷺ - ما أتاه به وثقل عليه جدًّا حتَّى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال - ﵁ -: والله يا رسول الله إنِّي لأرى الكراهية (٢) في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إنِّي لصادق، وما قلت إلَّا حقًّا، وإني لأرجو أن يجعل الله تعالى لي (٣) فرجًا. فهمَّ رسول الله - ﷺ - بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيُجْلد هلال وتبطل شهادته (٤). فإنَّه لكذلك ورسول الله - ﷺ - يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتَّى فرغ، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات. فقال رسول الله - ﷺ -: "أبشر يا هلال فإن الله -﷿- قد جعل
_________________
(١) من (م)، (ح).
(٢) في (م): الكراهة.
(٣) من (ح).
(٤) وبطلان شهادة القاذف محمول على أنَّه إذا لم يتب من القذف كما سبق.
[ ١٩ / ٦٢ ]
لك (١) فرجًا" فقال: قد (٢) كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله - ﷺ -: "أرسلوا إليها" فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله - ﷺ - قيل لها: فَكَذَّبت. فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الله تعالى يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمي لقد صدقت وما قلت إلَّا حقًا، فقال رسول الله: "لاعنوا بينهما". فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فقال له عند الخامسة: "يا هلال اتق الله فإن عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة وإن عذاب الله أشد من عذاب النَّاس، وإن هذِه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب". فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله - ﷺ - فشهد الخامسة: أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: "اشهدي". فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. فقال لها عند الخامسة ووقفها: "اتقي الله، فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب النَّاس (٣) " فتلكأت (٤) ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
_________________
(١) من (ح).
(٢) من (ح).
(٣) في الأصل: الله. وهو خطأ، والتصويب من (م)، (ح).
(٤) أي: توقفت وتباطأت أن تقولها. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ٢٦٨.
[ ١٩ / ٦٣ ]
ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما، وقضى أن الولد لها، ولا يُدْعى لأب، ولا يُرمى ولدها. ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه". قال: فجاءت به غلامًا كأنه جَمَل أوْرَق (١)، على الشبْه المكروه.
وكان بَعْدُ أميرًا بمصرٍ (٢)، لا يُدْرى من أبوه (٣).
_________________
(١) الأورْق الأسمر من الوُرْقة وهي السُّمرة، يقال: جمل أورق وناقة ورْقاء. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ١٧٥.
(٢) أي: مصرًا من الأمصار، قال ابن حجر "فتح الباري" ٩/ ٤٥٥: وظن بعض شيوخنا أنَّه أراد مصر البلد المشهور وفيه نظر؛ لأنَّ أمراء مصر معروفون معدودون ليس فيهم هذا. والقائل هو عكرمة كما جاء مصرحًا باسمه عند أبي داود، كتاب الطلاق، باب في اللعان (٢٢٥٦)، وقد تصحفت مصر إلى مضر. قال في "عون المعبود": (مضر) قبيلة.
(٣) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه عبد الرَّزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٥٣، وفي "المصنف" ٧/ ١١٤ (١٢٤٤٤)، والطبراني ٩/ ٢٧١ كلاهما من طريق أيوب عن عكرمة مرسلًا. وأخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب في اللعان (٢٢٥٦)، وليس عنده قول سعد بن عبادة، وأحمد في "مسنده" ١/ ٢٣٨ (٢١٣١)، والطيالسي في "مسنده" (٣٤٧)، وأبو يعلى في "المسند" ٥/ ١٢٤ (٢٧٤٠)، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٢، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٣٢٦) (٦٣٣)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٧/ ٣٩٤، وابن أبي شبّة في "تاريخ المدينة" ٢/ ٣. جميعهم من طريق عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵁ - بنحوه، وفي =
[ ١٩ / ٦٤ ]
[١٩١٨] أخبرنا محمَّد بن عبدوس (١)، أخبرنا محمَّد بن محمَّد بن الحسن (٢)، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣)، قال: أخبرنا القاسم ابن سلام (٤)، قال: حدّثنا هشيم (٥)،
_________________
(١) = بعضها التصريح بأوصاف الرجل. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٣، وزاد نسبته لعبد الرَّزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وفي إسناده عباد بن منصور. قال الحافظ في "تقريب التهذيب" (٣١٥٩): صدوق رمي بالقدر، وكان يدلس وتغير بآخره. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٢: مداره على عباد بن منصور وهو ضعيف. قلت: قد صرح عباد بالتحديث عن عكرمة كما عند الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٢ قال: سمعت عكرمة. وتابعه أيضًا هشام بن حسَّان وهو ثقة. "تقريب التهذيب" لابن حجر (٧٣٣٩). فهو بهذا الإسناد حسن. قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" ١٠/ ١٧٧: ولهذا الحديث شواهد في الصحاح وغيرهما من وجوه كثيرة. ومما يشهد له ما أخرجه البُخاريّ، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (٤٧٤٧). والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النور (٣١٧٩)، وأبو داود، كتاب الطلاق، باب في اللعان (٢٢٥٤)، وابن ماجة، كتاب الطلاق، باب في اللعان (٢٠٦٧)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٧/ ٣٩٣. جميعهم من طريق محمَّد بن بشار عن ابن أبي عدي، عن هشام بن حسَّان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن هلال بن أميَّة قذف امرأته عند النَّبيّ - ﷺ - بشريك بن سحماء الحديث بنحوه.
(٢) محمَّد بن أحمد بن عبدوس، لم يذكر بجرح أو تعديل.
(٣) الكارزي، صحيح السماع مقبول في الرِّواية.
(٤) أبو الحسن البغوي، ثقة.
(٥) أبو عبيد الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف.
(٦) هُشَيم بن بشير السلمي، ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي.
[ ١٩ / ٦٥ ]
عن يونس بن عبيد (١)، عن الْحسن (٢) قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. قال سعد بن عبادة - ﵁ -: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلًا (٣) فقتله تقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة أفلا يضربه بالسيف؟ ! فقال رسول الله - ﷺ -: "كفى بالسيف شا". قال: أراد أن يقول (٤): شاهدًا ثم أمسك، وقال: "لولا أن يتتابع فيه الغَيْران (٥) والسكران" وذكر الحديث (٦).
_________________
(١) العبدي، ثقة ثبت فاضل ورع.
(٢) الحسن البصري، ثقة فقيه كان يرسل كثيرًا ويدلس.
(٣) من (م)، (ح).
(٤) في الأصل: يكون، والمثبت من (م)، (ح).
(٥) من الغَيْرة وهي الحميّة والأنفة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٤٠٠، "لسان العرب" لابن منظور ٥/ ٤٢ (غير).
(٦) [١٩١٨] الحكم على الإسناد: فيه شيخ المصنف لم يذكر بجرح أو تعديل، والحسن قد أرسله، قال الشَّيخ الألباني وهذا مرسل قوي الإسناد "الضعيفة" (٤٠٩١). التخريج: أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب في الرجم (٤٤١٥) من طريق الفضل بن دلهم عن الحسن، عن سلمة بن المُحَبِّق، عن عبادة بن الصَّامت، عن النَّبيِّ - ﷺ - فذكره بنحوه. وأخرجه ابن ماجة، كتاب الحدود، باب الرجل يجد مع امرأته رجلًا (٢٦٠٦) من طريق الفضل بن دلهم عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قيل لأبي ثابت سعد بن عبادة .. فذكره بنحوه قلت: =
[ ١٩ / ٦٦ ]
وقال ابن عباس - ﵄ - في سائر الروايات، ومقاتل: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، قرأها النَّبيّ - ﷺ - يوم الجمعة على المنبر فقال عاصم بن عدي الأنصاري - ﵁ -: جعلني الله فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلًا فأخبر بما رأى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقًا ولا تقبل شهادته أبدًا، فكيف لنا بالشهداء؟ ونحن إذا (١) التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومرّ.
وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس بن محصن (٢)، فأتي عويمر عاصمًا - ﵄ - فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء (٣) على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله - ﷺ - في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله - ﷺ -: "وما ذاك؟ " فقال: أخبرني عويمر أنَّه رأى شريك بن السحماء (٤) على بطن امرأته خولة -وكان عويمر
_________________
(١) = وإسناد أبي داود وابن ماجة فيه الفضل بن دلهم، لين كما قال الحافظ في "التقريب" (٥٤٠٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٤٧ عن قتادة قال: ذكر لنا .. فذكره بنحوه.
(٢) في (ح): إن.
(٣) وهكذا جاءت في "تفسير مقاتل" (١٩٣) خولة بنت قيس، والصَّواب: أنها خولة بنت عاصم امرأة هلال بن أميَّة. انظر: "الإصابة" لابن حجر ٨/ ٧١، "فتح الباري" لابن حجر ٩/ ٤٤٨.
(٤) تصحفت في الأصل، (م) إلى: السمحاء.
(٥) تصحفت في الأصل، (م) إلى: السمحاء.
[ ١٩ / ٦٧ ]
وخولة والشريك كلهم بنو عم عاصم - ﵁ - فدعا رسول الله - ﷺ - بهم (١) جميعًا.
فقال لعويمر: "اتق الله في زوجتك وحليلتك وابنة عمك، فلا تقذفها بالبهتان"، فقال: يا رسول الله، أقسم بالله إنِّي رأيت شريكًا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنها حبلى من غيري.
فقال رسول الله - ﷺ - للمرأة: "اتقي الله ولا تخبريني إلَّا بما صنعت". فقالت: يا رسول الله، إن عويمرًا رجل غيور، وإني ربَّما أكون (٢) وشريكًا نطيل السمر ونتحدث، فحملته المغيرة على ما قال. فقال رسول الله - ﷺ - لشريك: "ما تقول؟ " قال: ما تقول المرأة.
فأنزل الله -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. فأمر رسول الله - ﷺ - حتى نؤدي الصَّلاة جامعة فصلَّى العصر، ثم قال لعويمر - ﵁ -: "قم". فقام، فقال: أشهد بالله إن خولة لزانية وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثَّانية: أشهد بالله إنِّي رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنَّها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: أشهد بالله إنِّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر -يعني: نفسه- إن كان من الكاذبين فيما قال.
_________________
(١) من (م)، (ح).
(٢) في (م)، (ح): وإنَّه رآني.
[ ١٩ / ٦٨ ]
قال: ثم أمره بالقعود. وقال لخولة: "قومي" فقامت، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرًا لمن الكاذبين ثم قالت في الثَّانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الثالثة: أشهد بالله إنِّي حبلى منه وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رأى (١) قط عليَّ فاحشة وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة -تعني: نفسها- إن كانت من الكاذبين.
ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما وقال: "لولا هذِه الأيمان كان لي في أمرهما (٢) رأي" (٣).
ثم قال: "تحينوا بها الولادة فإن جاءت بأُصْيهب (٤)
_________________
(١) في (ح): ما رآني.
(٢) في "صحيح البُخاريّ"، كتاب التفسير، باب: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ (٤٧٤٧)، لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن.
(٣) هكذا وقعت العبارة هنا وكذا عند ابن حبيب في "تفسيره" ٢٠٦/ ب، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٥٧/ ب. وهي توهم أن النَّبيّ - ﷺ - قالها بعد الملاعنة أو التَّفريق بينهما. وليس الأمر كذلك بل قالها ﵊ عندما تبيّن له كذب المرأة وأنها جاءت بولد على شبه المقذوفة به. وقد جاء في "تفسير مقاتل" ٣/ ١٧٨ أن النَّبيّ - ﷺ - قال: "إذا ولدت فلا ترضع ولدها حتَّى تأتوني به" فأتوه به فلما رآه قال: "لولا هذِه الإيمان ".
(٤) تصغير الأَصْهَب وهو الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة، قاله الخطابي، والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٦٢، "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٥٣٢ (صهب).
[ ١٩ / ٦٩ ]
أُثَيْبج (١) يضرب إلى السواد فهو (لهلال بن أميَّة) (٢)، وإن جاءت بأوْرَق جَعْدٍ (٣) جُمالى (٤) خَدَلّج الساقين (٥) فهو للذي (٦) رميت به".
قال ابن عباس - ﵄ -: فجاءت بأشبه خلق الله تعالى بشريك (٧).
_________________
(١) تصغير الأَثْبَج وهو الناتئ الثَّبَج وهو ما بين الكتفين والكاهل. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ٢٠٦.
(٢) تحرفت في الأصول إلى: للشريك بن السحماء. والمثبت هو الصواب الموافق لروايات الحديث.
(٣) الجَعْد في صفات الرجال لها معان فتطلق على شدة الأسْر والخلق، وتطلق أيضًا على جعودة الشعر وهو ضد السَّبْط، وتطلق على القصير المتردد والخَلْق. والمراد بها هنا المعنى الثَّاني وهو تجعد الشعر وعدم استرسالة، يدل عليه ما جاء في بعض الروايات: وإن ولدته قطط الشعر. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ١٧٥، "فتح الباري" لابن حجر ٩/ ٤٥٣.
(٤) الجُمَّالَ بالتشديد الضخم الأعضاء التَّام الأوصال. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ٢٩٨.
(٥) خَدَلَّج وفي رواية خَدْل الساقين أي: ممتلئ الساقين وعظيمهما. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ١٥.
(٦) في الأصل، (ح): لغير الذي رميت به، وكذا عند ابن حبيب والحيري والبغوي والمثبت من (م)، وهو الصواب؛ لأنَّ هذِه الصفات كما جاء في الروايات الأخرى هي صفات الذي رميت به -شريك بن سحماء-.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" ٣/ ٣٤/ أوأورده بتمامه البغوي في "معالم التنزيل" ٦/ ٣٤. وأصله في الصحيحين وغيرهما، وفي بعض ألفاظ المصنف مخالفة لمن خرج هذا الحديث. =
[ ١٩ / ٧٠ ]
ذكر حكم الآية:
إذا قذف الرجل زوجته (١) بالزنا لزمه الحد (٢)، وله التخلص منه بإقامة البينة على زناها أو باللعان (٣) فإن أقام البينة حقق الزنا ولزمها الحد (٤). وإن التعن حقق عليها الزنا.
ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلا لزمها الحد.
وللزوج أن يلعن (٥) سواء كان متمكنًا من البينة أو غير متمكن منها.
_________________
(١) = انظر: "صحيح البُخاريّ"، كتاب الطلاق، باب قول النَّبيّ - ﷺ -: "لو كنت راجمًا .. " (٥٣١٠)، "صحيح مسلم"، كتاب اللعان، باب وجوب الإحداد في عدة (١٤٩٥)، "المجتبى" للنسائي، كتاب الطلاق، باب في قول الإمام اللَّهم بين ٦/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) زيادة على الأصل من (م)، (ح)، وهو الصواب إذ لو قذف أجنبية محصنة حُدّ ولم يلاعن وهذا بلا خلاف لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. انظر: "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٢٩.
(٣) وأمَّا إن قذفها بشيء من الفواحش غير الزنا فلا حد عليه ولا لعان؛ لأنَّه قذفها بما لا يجب به الحد فلم يثبت به الحد واللعان. والحد هو جلده ثمانين جلدة والحكم بفسقه ورد شهادته ما لم يتب. انظر: "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٣٦ وما سبق.
(٤) فالزوج غير بين إقامة البينة وبين لعانها؛ لأنهما بينتان، فكانت له الخِيَرةُ في إقامة أيتهما شاء؛ ولأن كل واحدة منهما يحصل بهما ما لا يحصل بالأخرى فإنَّه يحصل باللعان نفي النسب الباطل ولا يحصل ذلك بالبينة، ويحصل بالبينه ثبوت زناها وإقامة الحد عليها ولا يحصل باللعان. انظر: "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٤١.
(٥) وهو الرجم.
(٦) في (ح): يلتعن.
[ ١٩ / ٧١ ]
ويصح اللعان من كل زوج مكلف كان حرًّا أو عبدًا (١) مسلمًا كان أو كافرًا وكل من صح (٢) يمينه صح لعانه وقذفه (٣).
وقال أهل العراق: اللعان بين كل حرين بالغين.
ولا يصح اللعان إلَّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن غلظ بينهما بأربعة أشياء: عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع النَّاس.
فأمَّا اللفظ: فأربع شهادات، وفي الخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك.
وأمَّا المكان فإنَّه يقصد أشرف المكان بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وفي سائر البلدان في مساجدها.
وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا نصرانيين فالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النَّار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنَّه يلاعن بينهما في مجلس حكمه.
_________________
(١) في (م)، (ح): حرًّا كان أو عبدًا.
(٢) في (ح): صحت.
(٣) وهذا مذهب الشَّافعية ورواية من أحمد أما المالكية فيصح عندهم لعان العبد ولا يصح لعان الذهبي والفاسق. انظر: "الأم" للشافعي ٥/ ٢٨٦، "مختصر المزني" (٢٠٨)، "روضة الطالبين" للنووي ٨/ ٣٣٤، "الشَّرح الصَّغير" ٢/ ٦٥٨، "الكافي" لابن عبد البر (٢٨٧)، "بداية المجتهد" لابن رشد ٢/ ١٤١، "المغني" لابن قدامة ٧/ ٣٩٢، "المقنع" لابن قدامة (٢٥٥).
[ ١٩ / ٧٢ ]
وأمَّا الوقت: فإنَّه يتأخر بعد صلاة (١) العصر.
وأمَّا العدد: فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدًا، واللفظ وجمع النَّاس مشروطان والمكان والزمان مستحبان (٢).
فإذا تلاعنا تعلق باللعان أربعة أحكام:
سقوط الحد، ونفي الولد وزوال الفراش، ووقع التحريم المؤَبَّد، وكل هذا يتعلق بلعان الزوج (٣).
_________________
(١) من (م)، (ح).
(٢) أي: أن التغليظ بالمكان مستحب وهذا مذهب الشَّافعي إلَّا أن عنده في التغليظ بالمكان قولين أحدهما: أن التغليظ به مستحب كالزمان، والثاني: أنَّه واجب؛ لأنَّ النَّبيّ - ﷺ - لاعن بينهما عند المنبر فكان فعله بيانًا للعان. ومذهب الحنابلة والحنفية أنَّه لا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان؛ لأنَّ الله أطلق الأمر بذلك، ولم يقيده بزمان ولا مكان، فلا يجوز تقييده إلَّا بدليل. ولأن النَّبيّ - ﷺ - أمر الرجل أن يحضر امرأته، ولم يخصه بزمن، ولو خصه بزمن لنُقل ولم يُهمل. "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٧٥، "الوسيط" للغزالي ٦/ ١٠٣.
(٣) ومذهب الشَّافعي ومالك أنَّه يزاد عليها حكمًا خامسًا وهو وجوب حد الزنا على المرأة لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ والعذاب هو الحد. والقول الآخر -وهو ما مشى عليه المصنف- أن المرأة إن لم تلتعن فلا حد عليها وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي وذلك؛ لأنَّه لم يُتحقق من زناها فلا يجب عليها الحد كما لو لم يلاعن؛ ولأن الحد لا يثبت بالنكول فإنَّه يدرأ بالشبهات فلا يثبت بها. والعذاب في الآية يجوز أن يكون الحبس أو غيره فلا يتعين في الحد وإلا احتمل أن يكون هو المراد فلا يثبت الحد بالاحتمال. "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٨٨، "الوسيط" للغزالي ٦/ ١٠٧، "المبسوط في =
[ ١٩ / ٧٣ ]
فأمَّا لعان المرأة فإنَّه يسقط به الحد فقط.
فإن كذَّب الرجلُ نفسَه فإنَّه يعود ما عليه ولا يعود ما له.
والحد والنسب عليه فيعودان، وأمَّا التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ؛ لأنَّه حصل بفعل من قبل المرأة.
وقال أبو حنيفة وسفيان رحمهما الله: تطليقة بائنة (١)، لأنَّه من قبل الرجل بدأ (٢) والله أعلم لجميع ذلك.
* * *
_________________
(١) = القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني ٧/ ٣٩، "فتح القدير" لابن الهمام ٤/ ٢٨١، "المنهاج" للنووي (١١٤).
(٢) في (م)، (ح): ثانية.
(٣) ومذهب الشَّافعي وأحمد وأكثر أهل العلم أن فرقة اللعان فسخ؛ لأنها فرقه توجب تحريمًا مؤبدًا فكانت فسخًا كفرقة الرضاع؛ ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقًا؛ ولأنه لو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة. انظر: "المغني" لابن قدامة ١١/ ١٤٧، "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٢٩٨، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني ٧/ ٤٣، "مختصر الطحاوي" (٢١٥)، "زاد المعاد" لابن القيِّم ٥/ ٣٩٠، "أضواء البيان" للشنقيطي ١/ ١٦٠، ٦/ ١٥٧.
[ ١٩ / ٧٤ ]