١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾
ذكر سبب نزول هذِه الآيات وقصة الإفك:
[١٩١٩] أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن إسحاق المهرجاني (١) بها بقراءتي عليه فأقر بها قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الحافظ (٢) سنة ستة عشر وثلاثمائة، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى (٣)، قال: حدّثنا عبد الرَّزاق (٤).
[١٩٢٠] وأخبرنا أبو سعيد (٥) محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٦)، قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمَّد (٧) بن الحسن الشرقي (٨)، قال: حدّثنا محمَّد بن يَحْيَى الذهلي (٩)، قال: حدّثنا عبد الرَّزاق (١٠) ح.
[١٩٢١] وأخبرنا أبو نعيم الأزهري (١١)، قال: حدّثنا أبو عوانة
_________________
(١) صالح، ثقة.
(٢) قال الحاكم: من علماء الحديث وأثباتهم.
(٣) الذهلي، ثقة، حافظ، جليل.
(٤) الصنعاني، ثقة حافظ، عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع.
(٥) في الأصل: أبو سعيد بن محمَّد، وهو خطأ، والتصويب من (م)، (ح) ومصادر ترجمته.
(٦) أبو سعيد الزَّاهد، العالم الصالح، لم يذكر بجرح أو تعديل.
(٧) في الأصل: محمَّد بن أحمد، وهو خطأ، والتصويب من (م)، (ح) ومصادر ترجمته.
(٨) المعروف بابن الشرقي، ثقة، مأمون.
(٩) ثقة حافظ جليل.
(١٠) ثقة حافظ.
(١١) عبد الملك بن الحسن، صالح ثقة.
[ ١٩ / ٧٥ ]
الإسفراييني (١)، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني (٢)، قال: قرأنا (٣) على عبد الرَّزاق (٤)، قال: حدّثنا معمر (٥) عن الزُّهريّ (٦) ح.
[١٩٢٢] وأخبرنا عبد الخالق بن علي (بن عبد الخالق) (٧) (٨) أخبرنا أبو بكر بن خَنْب (٩)، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدايني (١٠)، قال: حدّثنا شبابة بن سوار (١١)، قال: حدّثنا خارجة ابن مصعب (١٢)، عن ابن أبي عتيق -واسمه: عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر (١٣) -
_________________
(١) قال الحاكم: من علماء الحديث وأثباتهم.
(٢) الدَّبَري، صدوق، وسماعه من عبد الرزاق صحيح.
(٣) قال ابن عدي: استصغر إسحاق الصنعاني في عبد الرزاق أحضره أبوه عنده وهو صغير جدًّا (وحدد الذهبي سنه إذ ذاك بأنه سبع سنين أو نحوها) فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق. أي: قرأ غيره وهو يسمع. انظر: "الكامل" لابن عدي ١/ ٣٤٤، "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٣/ ٤١٧، "ميزان الاعتدال" للذهبي ١/ ١٨١.
(٤) ثقة حافظ.
(٥) ثقة ثبت فاضل.
(٦) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهريّ، الفقيه الحافظ، متَّفقٌ على جلالته وإتقانه.
(٧) من (م).
(٨) أبو القاسم النيسابوري، ثقة.
(٩) محمَّد بن أحمد بن خَنْب البُخاريّ البغدادي الدهقان، صدوق، لا بأس به.
(١٠) ثقة.
(١١) ثقة حافظ، رمي بالإرجاء.
(١٢) أبو الحجاج السرخسي، متروك.
(١٣) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّديق، =
[ ١٩ / ٧٦ ]
عن الزُّهريّ (١).
قال: أخبرني سعيد بن المسيب (٢) وعروة بن الزُّبير (٣) وعلقمة بن وقاص (٤) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٥) عن حديث عائشة (٦) زوج النَّبيّ - ﷺ - ورضي عنها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله تعالى. وكلهم حدثني (٧) بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لها (٨) من بعض وأثبت اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحد الحديث الذي حدثني وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النَّبيّ - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه (٩)، قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزاة
_________________
(١) = قال الذهلي: حسن الحديث عن الزُّهريّ، كثير الرِّواية، مقارب الحديث، وقال الحافظ: مقبول. انظر "الجرح والتعديل" ٧/ ٣٠٢، "الثقات" لابن حبان ٧/ ٣٦٤، "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٥٤٩، "التقريب" (٦٠٤٧).
(٢) الفقيه الحافظ.
(٣) أحد العلماء الإثبات.
(٤) ثقة.
(٥) ثقة، ثبت.
(٦) ثقة، فقيه، ثبت.
(٧) الصحابية الجليلة أم المؤمنين ﵂.
(٨) القائل هو الزُّهريّ كما جاء مصرحًا باسمه في رواية فليح عن الزُّهريّ. انظر: البُخاريّ، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء.
(٩) أي: القصة، وفي (م)، (ح): له؛ أي: الحديث.
(١٠) من (م)، (ح).
[ ١٩ / ٧٧ ]
غزاها (١)، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله - ﷺ - وذلك بعد ما أنزل الحجاب (٢) وأنا أحمل في هودجي (٣).
وأنزل فيه مسيرنا (٤) حتَّى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوه وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتَّى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرَّحْل (٥) فلمست صدري فإذا عقدي من جَزْع (٦) ظفار قد انقطع،
_________________
(١) وهي غزوة بني المصطلق كما سيأتي مصرحًا باسمها في رواية أبي أويس وتسمى المريسيع وكانت في شعبان سنة خمس على الصَّحيح. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ١١١٢، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٨، "زاد المعاد" لابن القيِّم ٣/ ٢٥٦.
(٢) أي: الأمر بحجاب النساء عند رؤية الرجال لهن وكن قبل ذلك لا يمنعن وقالت ذلك توطئة لسبب اختفائها في الهودج وكان وقت نزول الحجاب في السنة الرابعة على الصَّحيح. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٨، ٧/ ٤٣٠.
(٣) الهَوْدج بفتح الهاء والدال: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه يوضع على ظهر البعير تركب عليه النساء ليكون أستر لهن. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٨، "لسان العرب" لابن منظور ٢/ ٣٨٩، "المعجم الوسيط" ٢/ ٩٧٦.
(٤) في بعض الروايات: فسرنا على الفعل.
(٥) في (ح): رحلي، والرَّحْل المراد به هنا المنزل؛ أي: رجعت إلى المكان الذي كنت نازلة فيه. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١١/ ٢٧٥، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٩.
(٦) في (ح): أظفار. =
[ ١٩ / ٧٨ ]
فرجعت فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يُرَحّلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهَبّلْهُنّ (١) اللحم إنَّما يأكلن اللُّعقة (٢) من الطَّعام، فلم يستنكر القوم ثقل (٣) الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثه السنن فبعثوا الجمل
_________________
(١) = والجَزْع بفتح الجيم وسكون الزَّاي بعدها مهملة خرز يماني في سواده بياض كالعروق. وظفار بوزن قطام مدينة باليمن وبها كان مسكن ملوك حمير وتقع جنوب صنعاء على مسافة ١٥٠ كيلو متر منها. وفي (ح)، وبعض روايات البُخاريّ، قال ابن حجر: وهي أكثر روايات أصحاب الزُّهريّ -بزيادة ألف: أظفار وهو جنس من الطَّيِّب لا واحد له من لفظه، وقيل هو شيء من العطر أسود والقطعة منه شبيهة بالظفر كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ٢٦٩، ٣/ ١٥٨، "معجم البلدان" لياقوت ٤/ ٦٠، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٩.
(٢) أي: لم يكثر عليهن يقال: هبّله اللحم: إذا كثر عليه وركب بعضه بعضًا. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ٢٤٠، "لسان العرب" لابن منظور ١١/ ٦٨٨ (هبل).
(٣) اللّعقة: الشيء القليل، وفي بعض الروايات: العُلْقة وهو بمعنى القليل أيضًا. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١٠/ ٣٣٠.
(٤) أي: لم يستنكروا الثقل الذي اعتادوا، وفي رواية عند البُخاريّ (خفة الهودج)، وقال ابن حجر: وهي أوضح؛ لأنَّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦٠.
[ ١٩ / ٧٩ ]
وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم فليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي (١) فنمت. وكان صفوان بن المعطل السُّلمي ثم الذكواني قد عرّس (٢) من وراء الجيش فادَّلَج (٣) فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل أن يضرب الحجاب. فما استيقظت إلَّا باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي فوالله ما يكلمني كلمة غير استرجاعه حتَّى أناخ راحلته فوطئت (٤) على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتَّى أتينا الجيش بعدما نزلوا (موغرين في نَحْر) (٥) الظهيرة (٦).
_________________
(١) في (ح): عيني.
(٢) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. وكان صفوان إذا رحل النَّاس بقي ثم قام يصلِّي ثم اتبعهم فمن سقط له شيء أتاه به. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٢٠٦، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦١.
(٣) بالتشديد سار آخر الليل ويقال أدلج بالتخفيف إذا سار من آخره. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ١٢٩.
(٤) في البُخاريّ: فوطئ، أي: صفوان وهو أقرب.
(٥) في الأصل و(ح): مذعورين في نحو، في (م): موعودين في نحر، والمثبت من الصحيحين.
(٦) موغرين: أي نازلين في وقت الوَغْرة وهي شدة الحر. =
[ ١٩ / ٨٠ ]
فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهرًا والنّاس (١) يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي (٢) إنَّما يدخل رسول الله - ﷺ - فيسلم ثم يقول: "كيف تِيْكم (٣)؟ " ثم ينصرف، فذلك الذي يُريبني، ولا أشعر بالشر حتَّى خرجت بعدما نقهت (٤) وخرجتْ معي أم مسطح قبل المناصع (٥)،
_________________
(١) = وقوله: "نحر الظهيرة" تأكيد لقوله: "موغرين"، فإن نحر الظهيرة أولها وهو وقت شدة الحر. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ٢٠٩، "لسان العرب" لابن منظور ٥/ ١٩٦، ٢٨٦، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٢٦٣.
(٢) من (م)، (ح).
(٣) في الأصل: اشتكيت.
(٤) إشارة إلى عائشة ﵂ وهي للمؤنث مثل ذاكم للمذكر. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦٥.
(٥) بفتح القاف وقد تكسر يقال نَقِه المريض يَنْقَه فهو ناقِهٌ، إذا برأ وأفاق وكان قريب العهد بالمرض لم يرجع إليه كمال صحته وقوته. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ١١١، "لسان العرب" لابن منظور ١٣/ ٥٥٠.
(٦) جمع منصع بوزن مقعد وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع، وقيل هي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة سميت بذلك؛ لأنَّه يُبرز إليها ويظهر. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ٦٥، "فتح الباري" لابن حجر ١/ ٢٤٩، "لسان العرب" لابن منظور ٨/ ٣٥٦.
[ ١٩ / ٨١ ]
وهو متبرزنا، فلا فخرج إلَّا ليلًا إلى ليل وذلك قبل (١) أن يتخذ الكنف (٢) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأُول بالتنزه، وكنا نتأذى بالكُنُف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مسطح وهي عاتكة بنت أبي رُهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصِّديق وابنها مِسْطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرْطِها (٣) فقالت: تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد بدرًا. قالت: أي: هَنْتَاه (٤) أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله - ﷺ - فسلم ثم قال: "كيف تيكم؟ " قلت:
_________________
(١) من (م).
(٢) جمع كنيف، وهو الساتر مطلقًا، والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٩/ ٣٠٨، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦٥.
(٣) المِرْط بكسر الميم: الكساء ويكون من صوف وربما كان من خزٍ أو غيره. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ٣١٩، "لسان العرب" لابن منظور ٧/ ٤٠١.
(٤) تفتح النون وتسكن وتضم الهاء الأخيرة وتسكن أي: يا هذِه، وقيل: معناها يا بلهى وقيل: يا امرأة وهي مختصة بالنداء، فكأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكائد النَّاس وشرورهم. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٥/ ٢٧٩، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦٦.
[ ١٩ / ٨٢ ]
أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد حينئذٍ أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله - ﷺ -، فجئت لأبوي فقلت لأمي: يا أمه ماذا (١) يتحدث النَّاس؟ فقالت: أي بُنَيّة هوني عليك فوالله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة (٢) عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قلت: سبحان الله أو قد تحدث النَّاس بهذا؟ قالت: نعم. قالت: فمكثت تلك الليلة حتَّى أصبحت لا يَرْقأُ لي (٣) دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد يسألهما (٤) واستشارهما في فراق أهله.
فأما أسامة - ﵁ - فأشار على رسول الله - ﷺ - بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود. فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأمَّا على فقال: لم يُضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة. فقال: "يا بريرة (٥) هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ " فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إنْ رأيت عليها قط
_________________
(١) في (ح): ما.
(٢) بوزن عظيمة من الوضاءة أي: حسنة جميلة. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٦٧.
(٣) من (م)، (ح)، والمعنى لا ينقطع ولا يسكن. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٢٤٨.
(٤) في (م)، (ح): بدلًا منها: حين استلبث الوحي.
(٥) في (ح): أي.
[ ١٩ / ٨٣ ]
أمرًا أَغمِصُه (١) عليها أكثر من أنها جارية حديثه السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الدَّاجنُ (٢) فتأكله.
قالت فقام رسول الله - ﷺ - مِنْ يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي بن سلول قال وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يَعْذُرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا. ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلَّا معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس (٣) ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج (٤) أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمِيَّة.
_________________
(١) أي: أعيبها به وأطعن به عليها. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٣٨٦.
(٢) هي الشَّاةِ التي يعلفها النَّاس في منازلهم وقد يقع على كل من يألف البيوت من الطير ونحوه. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ١٠٢، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٧٠.
(٣) الأوس: بطن من القحطانية، وهم بنو الأوس بن حارثة بن تغلب والأوس أخو الخزرج وكان لهم ملك يثرب فنزلوها عند خروجهم من اليمن وجاء الإسلام وهم بها فكانوا أنصار النَّبيّ - ﷺ - وأعقابهم كثيرون متفرقون. انظر: "نهاية الأرب" للنويري (٩٥).
(٤) الخزرج: بطن من الأزد غلب عليهم اسم أبيهم وهم أحد قبيلتي الأنصاري وإخوة الأوس وكان لهم ملك يثرب كما سبق. انظر: "نهاية الأرب" للنويري (٦٠).
[ ١٩ / ٨٤ ]
فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله (لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ-) (١) فقال لسعد (٢): والله لنقتلنه فإنَّك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الأوس والخزرج حتَّى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله - ﷺ - يُخَفِّضُهم حتَّى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت (٣) يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنتْ عليّ امرأة من الأنصار (٤) فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله - ﷺ - (فسلم ثم) (٥) جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول الله - ﷺ - حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنَّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فَسَيُبِّرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه". قالت: فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من النسخ وملحق بهامش الأصل من "معالم التنزيل" للبغوي نحوه، والمثبت من "صحيح البُخاريّ".
(٢) في الأصل: سعد، وهو خطأ، والمثبت من البُخاريّ؛ لأنَّ أسيد بن حضير هو الذي قال هذا الكلام لسعد بن عبادة.
(٣) في (ح)، (م): فمكثت.
(٤) قال ابن حجر "فتح الباري" ٨/ ٤٧٤: لم أقف على اسمها.
(٥) في الأصل: حتَّى، والمثبت من (م).
[ ١٩ / ٨٥ ]
قلص (١) دمعي حتَّى ما أُحِسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فيما قال؟ فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ -. فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -؟ فقلت: وأنا ما أقول لرسول الله - ﷺ -. فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا (٢) إنِّي والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتَّى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إنِّي بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتُصَدِّقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلَّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣). قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن (٤) الله تعالى مبرئي (٥) ببراءتي. ولكن والله ما كنت أظن أن يُنَزَّل في شأني وحي (٦) يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله -﷿- فيَّ
_________________
(١) في (ح): فاض، وقلص: أي: ارتفع وذهب وانقطع. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ١٠٠.
(٢) قال ابن حجر "فتح الباري" ٨/ ٤٧٥: قالت هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب - ﵇ -.
(٣) يوسف: ١٨.
(٤) من (م)، (ح).
(٥) في الأصل: يبرئ، والتصويب من (م)، (ح)، قال ابن حجر "فتح الباري" ٨/ ٤٧٦: والذي وقفنا عليه في جميع الروايات (مبرئ) بغير نون.
(٦) في (ح): شيء من الوحي.
[ ١٩ / ٨٦ ]
بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا، يبرئني الله سبحانه بها. قالت: فوالله ما رام (١) رسول الله - ﷺ - مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحدٌ حتَّى أنزل الله سبحانه على نبيه - ﷺ - فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء (٢) عند الوحي، حتَّى إنه ليتحدر منه مثل الجُمَان (٣) من العرق في اليوم الشات من ثقل الوحي الذي أُنزل عليه. قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله - ﷺوهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها رسول الله - ﷺ - أن قال: "أبشري يا عائشة أما الله تعالى فقد برأك". فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلَّا الله هو الذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله -﷿- هذِه الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات لبراءتي. قالت: فقال أبو بكر - ﵁ - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًّا أبدًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية. فقال أبو بكر - ﵁ -: والله إنِّي لأحب أن يغفر الله لي، فرجع
_________________
(١) أي: ما برح وما فارق مجلسه. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٢٩٠.
(٢) أي: شدة التقريب من ثقل الوحي، وأصل التبريح المشقة والشدة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ١١٣.
(٣) هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حبّ يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، شبهت عرقه - ﵇ - بحبات اللؤلؤ في الصفات والحسن. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ٣٠١.
[ ١٩ / ٨٧ ]
إلى مسطح النفقة التي كان ينفق (١) عليه. وقال: لا أنزعها (أبدًا منه) (٢). قالت عائشة ﵂: وكان رسول الله - ﷺ - سأل زينت بنت جحش زوج النَّبيّ - ﷺ - ورضي الله عنها: "ما علمت أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري؟ ! والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة وهي التي كانت تساميني (٣) من أزواج النَّبيّ - ﷺ - فعصمها الله تعالى بالورع فطفقت أختها حَمْنة بنت جحش (تحارب لها) (٤) فهلكت فيمن هلك.
قال الزُّهريّ: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط (٥).
_________________
(١) في (ح): ينفقها.
(٢) في (ح): منه أبدًا.
(٣) أي: تعاليني وتفاخرني وهو مفاعلة من السمو وهو العلو والارتفاع، والمراد أنها تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النَّبيّ - ﷺ - ما أطلب. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٤٠٥، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٧٨.
(٤) في الأصل: تخاذب، وفي (م): تجاذب، وفي (ح): تحاذي لها، والتصويب من البُخاريّ والمعنى تجادل لها وتحكي ما قال أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي مرتبة أختها. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٧٨.
(٥) [١٩١٩ - ١٩٢٢] الحكم على الإسناد: أخرجه المصنف من طريقين عن الزُّهريّ؛ طريق معمر وإسناده صحيح، وطريق ابن أبي عتيق وإسناده ضعيف جدًّا، فيه خارجة بن مصعب متروك. التخريج: أخرجه بطوله البُخاريّ، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء .. (٢٦٦١)، وكتاب =
[ ١٩ / ٨٨ ]
[١٩٢٣] أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن الإسفراييني (١) بها (٢)، قال: حدّثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق (٣)، قال: حدّثنا محمَّد بن إسماعيل الصَّائغ (٤) بمكة، ومحمد ابن حرب المديني (٥) بالفسطاط (٦)، قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس (٧)، قال حدثني أبي (٨)، عن هشام بن عروة (٩)، عن أبيه (١٠)، عن عائشة (١١) ﵂ قالت: كان النَّبيّ - ﷺ - إذا أراد أن
_________________
(١) = المغازي، باب حديث الإفك (٤١٤١)، وفي التفسير، باب قوله: لولا إذ سمعتموه .. (٤٧٥٠)، ومسلم كتاب التوبة باب في حديث الإفك (٢٧٧٠). وأحمد في "مسنده" ٦/ ١٩٧ (١٥٦٢٣) وغيرهم. وأخرجه بعضهم مفرقًا.
(٢) صالح ثقة.
(٣) أي: بمدينة أَسْفَرايين بالفتح ثم السكون وفتح الفاء وراء وألف وياء مكسورة وياء أخرى ساكنة ونون: بليدة حصينة من نواحي نيسابور نسب إليها عدد من الأئمة. "معجم البلدان" لياقوت ١/ ١٧٧.
(٤) قال الحاكم: من علماء الحديث وأثباتهم.
(٥) أبو جعفر البغدادي، صدوق.
(٦) محمَّد بن حرب المديني لم أجده.
(٧) مدينة بمصر بناها عمرو بن العاص - ﵁ -. "معجم البلدان" لياقوت ٤/ ٢٦٤.
(٨) إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه.
(٩) أبو أويس المدني، صدوق، يهم.
(١٠) ثقة فقيه، ربَّما دلس.
(١١) عروة بن الزُّبير، ثقة.
(١٢) وقع في (م)، (ح) بعد ذكر عائشة: قال أبو أويس: وأنبأني أيضًا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، عن عائشة قالت ..، ثم ساق الحديث وفي الأصل هذِه العبارة مؤخرة كما سيأتي.
[ ١٩ / ٨٩ ]
يسافر سفرًا (١) أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة - ﵄ - في غزو (٢) النَّبيّ - ﷺ - بني المصطلق (٣) من خزاعة.
قال أبو أويس: وحدثنا أيضًا عبد الله بن أبي بكر (٤) عن عمرة (٥)، عن عائشة - ﵂ -، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه.
قال عروة في سؤال رسول الله - ﷺ - بريرة - ﵂ - عن عائشة - ﵂ - قال: فانتهرها بعض أصحابه، وقال: اصدقي رسول الله - ﷺ -.
قال عروة: فعيب ذلك على من قاله.
فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلَّا ما يعلم الصَّائغ على تَبرِ الذَّهب الأحمر (٦).
ولئن كانت صنعت ما قال النَّاس ليخبرنك الله. فعجب النَّاس من فقهها.
_________________
(١) ساقطة من (ح).
(٢) في (م)، (ح): عزوة.
(٣) بطن من قبيلة خزاعة الأزدية وكانوا يسكنون قديدًا وعسفان على الطَّريق من المدينة إلى مكّة.
(٤) ابن محمَّد بن عمرو بن حزم، ثقة.
(٥) ثقة، وكانت أعلم النَّاس بحديث عائشة.
(٦) التِّبْر: ما كان من الذَّهب غير مضروب، والمعنى؛ أي: كما لا يعلم الصَّائغ من الذَّهب الأحمر إلَّا الخلوص من العيب فكذلك أنا لا أعلم عنها إلَّا الخلوص من العيب. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ١/ ١٧٣.
[ ١٩ / ٩٠ ]
قالت: وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له. فقال: سبحان الله والله ما كشف كنف أنثى قط فقتل شهيدًا في سبيل الله.
وزاد في آخره: قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه:
تلّق ذُباب السَّيف مني فإنني غُلامٌ إذا هُوْجيتُ لستُ بشاعر
ولكنَّني أحمي (١) حماي وانْتَقم من البَاهتِ الرامي البراء الطواهر (٢)
فصاح حسَّان بن ثابت واستغاث بالنَّاس على صفوان، غفر صفوان - ﵁ -، وجاء حسَّان النَّبيّ - ﷺ - (فاستعدى على صفوان في ضربته إياه، فسأله النبي - ﷺ - أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي - ﷺ -) (٣) فعوضه منها حائطًا من نخل عظيم وجارية رومية، ثم باع حسَّان - ﵁ - ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - في ولايته بمال عظيم.
قالت عائشة ﵂: فقيل في أصحاب الإفك أشعارًا، قال أبو بكر الصِّديق - ﵁ - لمسطح في رميته عائشة - ﵂ - وكان يدعى عوفًا:
_________________
(١) من (م)، (ح).
(٢) البيت لصفوان، وانظره في "المعجم الكبير" للطبراني ٢٣/ ١١٤، (١٥١)، "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٣٠٥، "الاستيعاب" لابن عبد البر، "أسد الغابة" لابن الأثير، "الإصابة" لابن حجر ١١/ ٢١.
(٣) من (م)، (ح).
[ ١٩ / ٩١ ]
يا عوف ويحك هلا قلت عارفة من الكلام ولم تَتْبع به طمعًا
وأدركتْك حميًا معشرًا أنفًا ولم تكن قاطعًا في عوف مقتطعا
لمّا رميت حصانًا غير مقرفةٍ أمينةُ الجيب لم تعرف لها خضعا
فيمن رماها وكنتم معشرًا إفكًا في سيِّئ القول من لفظ الخنا شرعًا
فأنزل الله عذرًا في براءتها وبين عوف وبين الله ما صنعا
فإن أعش أجز عوفًا في مقالته شر الجزاء بما ألقيته تبعًا (١)
وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري - ﵁ - (وهو يبرئ عائشة - ﵂ - مما قيل فيها) (٢) ويعتذر إلها:
حَصَانٌ رزان ما تُزّن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
خليلة خير النَّاس دينًا ومنصبًا نبي الهدى والمكرمات الفواضل
_________________
(١) أوردها الطّبرانيّ في "المعجم الكبير" ٢٣/ ١١٥.
(٢) من (م)، (ح).
[ ١٩ / ٩٢ ]
عقيلةُ حيٍّ من لُؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل
مُهذّبة قد طيَّب الله خِيْمها وطهرها من كل شين وباطل
فإن كان ما قد جاء عني قلته فلا رفَعَتْ سوطي إليّ أناملي
وإن الذي قد قيل ليس بلائطٍ بك الدهر بل قول امرئ غير ماحل
وكيف وودي ما حييتُ ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل
له رتبٌ عالٍ على النَّاس فضلها تقاصر عنها سَوْرة المتطاول (١)
قال: وأمر النَّبيّ - ﷺ - بالذين رموا عائشة ﵂ يجلدوا الحد جميعًا ثمانين ثمانين. فقال حسَّان بن ثابت - ﵁ -:
لقد دانَ عبدُ الله ما دان أهله وحمنة إذ قالوا هجيرًا ومسطحُ
_________________
(١) انظر: "ديوانه" (ص ٥١٠)، وهي في "السيرة النبوية" لابن هشام ٣/ ٣٠٦، "شواهد الكشاف" لمحب الدين الحموي (٥٥٤). والحصان: العفيفة، والرزان: الملازمة موضعها، وما تزن: أي ما تتهم، وغرثى: جائعة، والغوافل: جمع غافلة؛ أي: خميصة البطن من لحوم النَّاس أي: اغتيابهم، والعقيلة: الكريمة، وخيمها أي: طبعها، وأناملي: أصابعي، ولائط؛ أي: لائق، والرتب: أي: الشرف والمجد، والسَّوْرة: الوثبة.
[ ١٩ / ٩٣ ]
تعاطوا برجم القول زوج نبيهم وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا
وآذوا رسول الله فيها فعمّموا مخازي ذُلٍّ جللّوها وفضحوا (١) (٢)
فهذا سبب نزول الآية وقصتها وأمَّا التفسير:
قوله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ بالكذب (٣) ﴿عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿مِنْكُمْ﴾.
قال الفراء: العصبة الجماعة من الواحد إلى الأربعين (٤).
_________________
(١) الأبيات ليست في "ديوانه" وهي في "المعجم الكبير" للطبراني ٢٣/ ١١٧، وفي "السيرة" لابن هشام ٣/ ٣٠٧، وفيه لقد ذاق حسَّان الذي كان أهله. وفيه: فجللوا مخازي تبقى عمومها. الهجيفي: القول الفاحش القبيح، فأبرحوا: من البرح؛ أي: المشقة والشدة. وتروى بالتاء من النزح وهو الحزن.
(٢) [١٩٢٣] الحكم على الإسناد: إسناده فيه من لم أجده، وابن أبي أويس صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه، وأبوه صدوق يهم. التخريج: جزء من حديث الإفك سبق تخريجه وانظر: كتاب "حديث الإفك" للحافظ عبد الغني المقدسي، تحقيق إبراهيم صالح (ص ٣٥ - ٣٧).
(٣) فسمي الكذب إفكًا من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب عن وجهه، ومعنى القلب هنا أن عائشة ﵂ كانت تستحق الثّناء لحصانتها وشرف نسبها وعفتها لا القذف. انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٥، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٧.
(٤) نسبه إليه ابن حبيب في "تفسيره" ٢٠٧/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٥٩/ ب. =
[ ١٩ / ٩٤ ]
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ يا عائشة وصفوان (١).
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأنَّ الله تعالى يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: من الذين جاءوا بالإفك.
﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ والذي تحمل معظمه (٢) فبدأ بالخوض فيه (٣).
_________________
(١) = ولم أجده في "معاني القرآن" له عند هذِه الآية بل وقفت عليه في "معاني القرآن" له عند قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] حيث قال: العصبة ها هنا أربعون رجلًا. وجاء في "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٦٠٥: والعصبة والعصابة جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين.
(٢) انظر: "تفسير ابن حبيب" ٢٠٧/ ب، "الكفاية" للحيري ٢/ ٥٩/ ب، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٠٩، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ١٨، ونسبه الماوردي في "النكت والعيون" ٤/ ٧٩ إلى يَحْيَى بن سلام. والأولى حمل الآية على العموم وعدم تخصيصها بعائشة وصفوان ﵄ بل يشملهما ويشمل النَّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وغيرهم. انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٥.
(٣) في الأصل: معظمته، والتصويب من (م)، (ح).
(٤) ومنه قول قيس بن الخطيم: تنام عن كِبْر شأنها فإذا قامَتْ روُيدًا تكاد تَنْغَرفُ أي: عن معظم شأنها. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (٣٠١)، "لسان العرب" لابن منظور ٥/ ١٢٩.
[ ١٩ / ٩٥ ]
قرأ العامة: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف (١).
وقرأ حميد الأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف (٢).
قال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ؛ لأنَّ الكُبر بضم الكاف في لاء والسن ومنه الحديث: "الولاء للكُبر" (٣) وهو أقعد ولد
_________________
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣١، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني (٢٦٦)، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٣.
(٢) قال الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٢٤٧: وهو وجه جيد في النحو، وتعقبه النحاس فقال في "معاني القرآن" ٤/ ٥٠٩: وخالفه في ذلك الرؤساء من النَّحويين. وانظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣١، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٣، "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (١٠١)، "المحتسب" لابن جني ٢/ ١٠٣، "إعراب القراءات الشواذ" للعكبري ٢/ ١٧٥، "الكامل في القراءات الخمسين" للهذلي ٢٢٣/ أ.
(٣) ذكره الشَّيخ ابن ضويان في "منار السبيل" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعًا. قال الألباني في "إرواء الغليل" ٦/ ١٦٦: لم أقف على إسناده. ورواه الدَّارميُّ في "سننه"، كتاب الفرائض (٣٠٦٥) من عدة طرق عن جماعة من السلف منهم عمر وعلي وابن مسعود وزيد - ﵃ -. ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ٣٠٧ من طريق سعيد بن المسيب عن عمر وعثمان. وروى عبد الرَّزاق في "المصنف" ٩/ ٣٠ (١٦٢٣٨) عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم أن عمر وعليًّا يزيد بن ثابت كانوا يجعلون الولاء للكبر. وعن يزيد، عن أشعث، عن الشعبي، عن الثلاثة مثله. وقال البيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ٣٠٣: مرسل سعيد بن المسيب عن عمر - ﵁ - أصح من رواية عمرو بن شعيب، وأمَّا الحديث المرفوع فليس فيه أن النَّبيّ =
[ ١٩ / ٩٦ ]
الرجل من الذكور وأقربهم إليه نسبًا (١).
وقال الكسائي: هما لغتان مثل صِفْر وصُفْر (٢).
﴿مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
اختلف المفسرون في المعني بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
فقال قوم: هو حسَّان بن ثابت (٣).
_________________
(١) = - ﷺ - قال ذلك في الولاء. وانظر: "نصب الراية" للزيلعي ٤/ ١٥٤، "تلخيص الحبير" لابن حجر ٤/ ٣٩٥.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٩، "تفسير ابن حبيب" ٢٠٧/ ب، "الكفاية" للحيري ٢/ ٥٩/ ب، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥١٠، وحكاه السمرقندي في "بحر العلوم" ٢/ ٤٣١ عن أبي عبيد، وقال به الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٧.
(٣) في (ح): ظفر وظفر. وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٢٢.
(٤) وهذا قول غير صحيح ووصفه الكرماني في "غرائب التفسير" ٢/ ٧٩٢، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" ١٠/ ١٩٠ بأنه قول غريب. قال ابن كثير: ولولا أنَّه وقع في "صحيح البُخاريّ" ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنَّه من الصّحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنَّه كان يذب عن رسول الله - ﷺوهو الذي قال له رسول الله - ﷺ -: "هاجهم وجبريل معك" أخرجه مسلم. فالحق الذي لا مرية فيه أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول وأن القول بأنه حسَّان قول ضعيف ومما يدل على ضعفه:
(٥) تظاهر الروايات عن عائشة ﵂- وهي صاحبة القصة- أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أُبي.
(٦) أنَّه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم هو عبد الله بن أُبي وفعله على ما وصف كان تولية كبر ذلك الأمر.
(٧) أن حسَّان بن ثابت - ﵁ - من الصّحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر وأحسن =
[ ١٩ / ٩٧ ]
وروى داود بن أبي هند (١) عن عامر الشعبي (٢)، عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسَّان، وما تمثلت به إلَّا رجوت له الجنَّة قوله لأبي سفيان:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ
فإن أبي ووالده وعرضي لِعرض محمدٍ منكم وقاءً
أتشتمه ولستَ له بِكفْءٍ فشرّكما لخيركما الفداء
لساني صارمٌ لا عيب فيه وبحري لا تكدّره الدِلاءُ (٣)
_________________
(١) = مآثره أنَّه كان يذب عن رسول الله - ﷺ - بشعره، فكيف يوصف بذلك.
(٢) أن الآية هددت الذي تولى كبره بالعذاب العظيم وهذا يتناسب مع نفاق ابن سلول.
(٣) حسَّان بن ثابت أنكر أن يكون هو المراد بذلك ودعا على نفسه إن كان قال ذلك كما في قصيدته.
(٤) أن أكثر المفسرين قالوا إن المراد به عبد الله بن أُبي. انظر: "جامع البيان" للطبري ١٨/ ٨٩، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٥٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٠٠، "روح المعاني" للألوسي ١٨/ ١٠٥، "مرويات غزوة بني المصطلق" لقريبي (٢٢٧).
(٥) ثقة متقن، كان يهم بأخرة.
(٦) عامر بن شراحيل، ثقة مشهور فقيه فاضل.
(٧) انظر: "ديوانه" (ص ١٨)، وهي من قصيدة يمدح فيها رسول الله وذلك قبل الفتح.
[ ١٩ / ٩٨ ]
فقيل يا أم المؤمنين: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكُبِّع (١) بالسيف (٢).
وروى أبو الضحى (٣) عن مسروق (٤) قال: كنت عند عائشة - ﵂ - فدخل حسَّان بن ثابت فأمرت، فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة - ﵂ -: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال وأنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت: وأي عذاب الله أشد من العمى، ولعل الله يجعل ذلك العذاب الشديد (٥) العظيم ذهاب
_________________
(١) الكبْع: القطع وهي تعني تلك الضربة التي ضربها إياه صفوان حتَّى كاد أن يقتله، وفي "جامع البيان" للطبري: كنع بالنون، وهي بمعنى أيبس جلده. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٨/ ٣٠٥، ٣١٤، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ٣/ ١٠٩.
(٢) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٨ عن الحسن بن قزعة ثنا مسلمة بن علقمة، ثنا داود به عنه نحوه والحسن بن قزعة، صدوق "تقريب التهذيب" لابن حجر (١٢٨٨)، ومسلمة بن علقمة صدوق له أوهام "تقريب التهذيب" لابن حجر (٦٧٠٥). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٥٩ ونسبه للطبري في "جامع البيان". وما روى الشعبي عن عائشة فهو مرسل "المراسيل" لابن أبي حاتم (١٥٩).
(٣) مسلم بن صبيح، ثقة.
(٤) ابن الأجدع بن مالك، ثقة.
(٥) (م)، (ح).
[ ١٩ / ٩٩ ]
بصره، وقالت: إنه كان يدفع (١) عن رسول الله - ﷺ - (٢).
وقال آخرون: هو عبد الله بن أُبي بن سلول وأصحابه (٣).
روى ابن أبي مليكة (٤) عن عروة (٥)، عن عائشة - ﵂ - قالت في حديث الإفك: ثم ركبت الراحلة وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين (٦) من النَّاس، فقال عبد الله بن أُبي رئيسهم مَنْ هذِه؟ قالوا: عائشة قال -لعنه الله (٧) -: والله ما بنت منه ولا (٨) نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع
_________________
(١) في (ح): يدافع.
(٢) الحكم على الإسناد: رجاله ثقات. التخريج: أخرجه البُخاريّ، كتاب التفسير، باب ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٧٥٦)، ومسلم، كتاب فضائل الصّحابة، باب فضائل حسَّان بن ثابت (٢٤٨٨).
(٣) والقول بأنه عبد الله بن أُبي هو الراجح كما سبق، وبه قال مجاهد ومقاتل والسدي وعطاء عن ابن عباس، وعزاه ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" ١٠/ ١٩٠، والسمعاني في "تفسير القرآن" ٣/ ٥١٠ للأكثرين. وانظر: "تفسير مقاتل" ٣/ ١٨٩، "تفسير مجاهد" (٤٩٠)، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣١١.
(٤) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة فقيه.
(٥) ثقة.
(٦) في الأصل: مستبدين، والمثبت من (م)، (ح).
(٧) ساقطة من (م)، (ح).
(٨) في (م): وما.
[ ١٩ / ١٠٠ ]