(فنقول) بالنون قرأ ابن عامر (١)، وغيره بالياء، لهؤلاء المعبودين من دون الله.
﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.
١٨ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾
أي: ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم.
وقرأ الحسن وأبو جعفر: ﴿نَتَّخِذَ﴾ بضم النون وفتح التاء والخاء (٢).
قال أبو عبيدة: هذا لا يجوز لأن الله ذكر (مِنْ) مرتين ولو كان كما قالوا لقال أن نتَّخَذَ مِنْ دونك أولياء (٣).
_________________
(١) وافقه الحسن والشنبوذي. انظر: المراجع فيما سبق.
(٢) وبها قرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة ومكحول وزيد بن علي وحفص بن حميد. انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣٣، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٣٠٦، "الغاية في القراءات" لابن مهران (٣٤١)، "الكامل في القراءات الخمسين" للهذلي ٢٢٤/ أ، "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه (١٠٥)، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥، "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ١٥٤، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١٩١، "تفسير ابن حبيب" ٢١٤/ أ، "المحرر الوجيز" لابن عطية ٤/ ٢٠٤.
(٣) وكذا نسبه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٣/ ١١ إليه وفي "تفسير ابن حبيب" ٢١٤/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٧١/ أمنسوبًا إلى أبي عبيد. قلت: ولعل الصواب نسبته لأبي عبيد القاسم بن سلام كما في "تفسير ابن حبيب" والحيري ويؤيده أنه جاء في بعض نسخ الثعلبي منسوبًا لأبي عبيد الله كما في =
[ ١٩ / ٣٧٧ ]
وقال غيره: (مِنْ) الثانية صلة (١).
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بالصحة والنعمة ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي: تركوا القرآن (٢) فلم يعملوا بما فيه.
_________________
(١) = نسخة الخزانة العامة بالرباط، وهي مصورة بالجامعة الإسلامية (٨٤٣) (ل ٢٠١/ أ) وكذا في نسخة الخزانة في الجامعة الإسلامية (٤٢٠) ف ل (١٧٨) ولم أعتمدها في التحقيق لأنهما محذوفتا الأسانيد وفيها بعض التصرف، ويؤيده أيضًا أن في مصادر المصنف كتاب القراءات كما سبق في المقدمة. ومما يؤيده أيضًا أنني لم أقف على هذا القول في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى والله أعلم. ونسبه النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ١٥٤ إلى أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وذكر ابن خالويه "مختصر في شواذ القرآن" (١٠٥) أن الحجاج قرأ على المنبر ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ﴾ بضم النون فبلغ عاصمًا فقال: (مَقَّتَ المُخْدَج أو ما علم أن فيها "من"). وقال الزجاج في "معاني القرآن" ٤/ ٦٠ بعد إيراده لهذِه القراءة: عند أكثر النحويين خطأ ولا وجه لهذِه القراءة. قلت: قراءة أبي جعفر متواترة ولا ترد بهذا الاعتراض فإن (مِنْ)، الثانية مزيدة للتأكيد كما سيأتي.
(٢) وهو قول ابن جني فتكون (من) مزيدة لتأكيد النفي، والمعنى ما كان أن نُعبد من دونك ولا نستحق الولاية. انظر: "المحتسب" لابن جني ٢/ ١١٩، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٤٨، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٣٠٦.
(٣) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٧٢ عن ابن زيد قال: القرآن. وبه قال مقاتل ٣/ ٢٢٩، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" (٣١١). وبلا نسبة عند ابن حبيب في "تفسيره" ٢١٤/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٧١/ ب.
[ ١٩ / ٣٧٨ ]
وقيل: الرسول، وقيل: الإسلام، وقيل: التوحيد، وقيل: ذكر الله (١).
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى (٢)، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان.
وقال الحسن (٣) وابن زيد (٤): (البُوْر الذي ليس فيه من الخير شيء) (٥).
_________________
(١) ذكر بعض هذِه الأقوال بلا نسبة ابن حبيب والحيري، وهي أقوال متلازمة من اختلاف التنوع لا التضاد.
(٢) وهو قول ابن عباس أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٧٣ كلاهما من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وأخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٩٠ وابن أبي حاتم أيضًا عن مجاهد. وقال به مقاتل ٣/ ٢٢٩، وابن قتيبة كما في "تفسير غريب القرآن" (٣١١). وهذا التفسير هو الأظهر والأقرب لهذِه الكلمة واختاره الشنقيطي في "أضواء البيان" ٦/ ٢٩٩. وفي "لغات القرآن" لابن حسنون ٦/ ب عن ابن عباس ﵄ قال هلكى بلغة عمان.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن العظيم" ٢/ ٦٧ عن معمر عن الحسن، ومن طريقه أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٧٣ عنه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" للسيوطي ٥/ ١١٩ وزاد نسبته لعبد بن حميد. وانظر: "تفسير الحسن" ٢/ ١٦٥.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٩١ عنه.
(٥) وهذا القول كان كان له وجه في اللغة إلا أن الأول أقرب مع أن هذا القول داخل في القول الأول إذ إن الذي ليس فيه من الخير شيء يكون إلى الهلاك أقرب لخلوه من النفع. انظر: "أضواء البيان" للشنقيطي ٦/ ٢٩٩.
[ ١٩ / ٣٧٩ ]
قال أبو عبيد (١): (وأصله من البَوار وهو الكساد والفساد ومنه بوار الأيِّم، وبوار السلعة، وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.
قال ابن الزبعرى - ﵁ -:
يا رَسُولَ المليك إنّ لساني راتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ (٢» (٣)
وقيل: هو جمع البائر (٤).
ويقال: أصبحت منازلهم بورًا أي خالية لا شيء فيها (٥).
_________________
(١) في (م): أبو عبيدة.
(٢) البيت في "ديوانه" (٣٦)، "سمط اللآلي" للميمني ١/ ٣٨٨، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣، "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام (٢٠٢)، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١٩١، "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٨٦، "الاستيعاب" لابن عبد البر، "الإصابة" لابن حجر، "أسد الغابة" لابن الأثير، وفي بعضها يا رسول الإله. والشاهد قوله: (أنا بُورُ) حيث استوى فيها الواحد والجمع ولم يقل (أنا بائر).
(٣) وكذا نسبه إليه ابن حبيب في "تفسيره" ٢١٤/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٧١/ ب. ونقله بنحوه ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" (ص ٣١١)، ونسبه لأبي عبيدة. قلت: والذي في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣ قال أبو عبيدة: وقال بعضهم رجل بور ورجلان بور ورجال بور وقوم بور وكذلك الواحدة والثنتان والجميع من المؤنثة. والقول بأن البور يقع للواحد والجماعة نسبه النحاس في "معاني القرآن" ٥/ ١٥ لأكثر النحويين.
(٤) وهو قول أبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣ حيث قال: (بورًا واحدهم بائر).
(٥) انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٨٦ بور. "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (١٥٣)، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي ١/ ٢٤٢.
[ ١٩ / ٣٨٠ ]