﴿لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
فلما نزلت هذِه الآية قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: يا رسول الله أرأيت الخانات (١) والمساكن في طرق الشام (٢) ليس فيها ساكن؟ فأنزل تعالى (٣):
٢٩ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾
بغير استئذان ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾ منفعة ﴿لَكُمْ﴾.
واختلفوا في هذِه البيوت ما هي؟
فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنية للسابلة ليأووا إليها ودؤووا أمتعتهم إليها (٤).
_________________
(١) الخانات جمع: خان، وهو الفندق والمتجر والحانوت والحاكم والأمير. قال ابن منظور: فارسي معرب. والمراد بها هنا الفنادق التي في الطرق السابلة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٤٦/ ١١٣، "المعجم الوسيط" ٢/ ٢٦٣، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٩، "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ١٣٦٣ - ١٣٦٤.
(٢) في الأصل: الشامات، والمثبت من (م)، (ح).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٠ بسنده عن مقاتل بن حيان قريبًا منه. وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" ٣/ ١٩٥. وذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٣٣٤) من غير سند وعزاه للمفسرين. وبيض له الزيلعي في تخريجه لأحاديث الكشاف، وقال ابن حجر في "الكاف الشاف" ٣/ ٢٢٢ لم أجده.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٣. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد. وعزاه إليه ابن فورك في "تفسيره" ٣/ ١١/ ب، والبغوي ٦/ ٣٢. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٩ عن سعيد بن جبير، وقال به سفيان الثوري كما =
[ ١٩ / ١٣٨ ]
وقال مجاهد: كانوا يضعون (١) بطريق المدينة أقتابًا (٢) وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحل لهم أن يدخلوها بغير إذن (٣).
وقال محمد بن الحنفية: هي بيوت مكة (٤).
_________________
(١) = في "تفسيره" (٢٢٤)، والفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٢٤٩، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" (٣٠٣).
(٢) في (ح): يصنعون، وقد جاء في بعض الروايات عند الطبري في "جامع البيان" عن مجاهد قال كانوا يضعون أو يصنعون على الشك.
(٣) جمع قَنَبْ: وهو إكاف البعير، وفي الصحاح رحل صغير على قدر السنام. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ١١، "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٦٦١ (قتب).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٥٦، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٤، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٦٩، وآدم في "تفسير مجاهد" (٤٩١). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧١، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥١٩، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ٥٤٩، "النكت والعيون" للماوردي ٤/ ٨٨، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤١١، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٢١.
(٥) وهذا على القول بأن بيوت مكة غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأكثر العلماء على أن دور مكة تملك. والقول أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٤ عنه، وعزاه إليه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٢/ ٢٢١، والكرماني في "غرائب التفسير" ٢/ ٧٩٥ وجعله من العجيب. وأخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٣/ ١١٨ - ١١٤ وغيره عنه أنه قال هي الخانات التي تكون في الطرق وهي رواية أخرى عنه.
[ ١٩ / ١٣٩ ]
وقال الضحاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء (١).
وقال عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع: هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول (٢).
وقال ابن زيد: بيوت التجار وحوانيتهم التي هي بالأسواق (٣).
وقال ابن جرير (٤): جميع ما يكون من البيوت التي لا
_________________
(١) أخرج الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٤، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٦٩. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٢ وزاد نسبته لعبد بن حميد. وانظر "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥١٩.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٤، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٠، والبستي في "تفسيره" (٥٧٧). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧١ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١١/ ب، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥١٩، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٢.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٥. وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٢، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤١١. وهذا القول مردود قال الطبري في "جامع البيان": إنه لا يجوز لأحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها .. ثم قال: أنه مما عنى الله من هذِه الآية بمعزل. وجعله الكرماني في كتابه "غرائب التفسير" ٢/ ٧٩٥ من الغريب. ومما يرده أيضًا قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وليس متاع التجار بمتاع للمخاطبين. ولأن التجار إنما فتحوا حوانيتهم لمجيء الناس إليهم في البيع والشراء فقام ذلك بمقام الإذن.
(٤) في الأصل و(م): (جريج) ولم أجده معزوًا إلا عند ابن الجوزي في تفسيره =
[ ١٩ / ١٤٠ ]