قال: "بينما رجل يصلي إذ مرت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب (١) عيناه" (٢).
٣١ - قوله -﷿-: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
عما لا يجوز.
﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عمن لا يحل (٣)، وقيل: ويحفظن فروجهن، أي: يسترنها حتى لا يراها أحد (٤).
﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾ ولا يظهرن لغير محرم ﴿زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهما زينتان إحداهما ما خفي كالخلخالين (٥) والسُّوارين (٦)
_________________
(١) في (ح): فذهبت.
(٢) [١٩٣٤] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف، فيه يحيى بن أبي كثير مدلس وقد عنعن، وعبيد الله بن شنبة لم يذكر بجرح أو تعديل. التخريج: أخرجه الديلمي في "الفردوس" عن أبي هريرة ٢/ ١٦ (٢١١٢).
(٣) وهذا قول جمهور المفسرين كما سبق.
(٤) وهو قول ابن زيد وأبي العالية كما سبق.
(٥) مثنى خَلخَال وهو نوع من الحلي تلبسه المرأة وتجعله في ساقها. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١١/ ٢٢١، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ٣/ ٥٤٣.
(٦) مثنى سوار بضم السين أو كسرها جمعه أسْوِرة ثم أساور وأسَاوِرَة وهو نوع من الحلي مستدير كالحلقة يلبس في المعصم أو الزند. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٤٢٠، "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٣٨٨، "المعجم الوسيط" ٢/ ٧٢٧.
[ ١٩ / ١٤٧ ]
والقُرْطَين (١) والقلائد (٢) والمعاصم (٣) ونحوهما (٤) والأخرى: ما ظهر واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله تعالى ورخص فقال ابن مسعود - ﵁ -: هي الثياب (٥).
_________________
(١) مثنى قُرْط يجمع على أقراط وقِرَطَة وأَقْرِطَة. وهو نوع من الحلي يعلق في شحمة الأذن ويكون من دُرِّ أو ذهب أو فضة ونحوها. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ٤١، "لسان العرب" لابن منظور ٧/ ٣٧٤، "المعجم الوسيط" ١/ ٤٦٢.
(٢) جمع زيادة وهو نوع من الحلي يجعل في العنق. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٣/ ٣٦٦، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ١/ ٦٢٤، "المعجم الوسيط" ١/ ٤٦٢.
(٣) جمع مِعْصَم: وهو موضع السوار من اليد. انظر"لسان العرب" لابن منظور ١٢/ ٤٠٨، "المعجم الوسيط" ٢/ ٦٠٦.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٧، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٣، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٣١ (٣٤٩٩). وغيرهم عن ابن مسعود - ﵁ - قال: الزينة زينتان فالظاهرة منها الثياب وما خفي الخلخال والقرطان والسواران. وهذا لفظ الطبري.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٥٦، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٧، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٣، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٢٢٨ (٩١١٥)، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٣١ (٣٤٩٩). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٣، وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. =
[ ١٩ / ١٤٨ ]
وعنه أيضًا: الرداء (١).
ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) أي: ثيابكم.
وقال ابن عباس - ﵄- وأصحابه (٣): الكحل والخاتم والسوار والخضاب (٤).
_________________
(١) = وانظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١٢/ أ، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٢١، "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٣٧، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٢٨، "النكت والعيون" للماوردي ٤/ ٩١، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٤، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٢٠.
(٢) الرداء: هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٢/ ٢١٧. والقول أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٨، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٤. وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٣١٥، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٣١، "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ١٠/ ٢١٧.
(٣) الأعراف: ٣١. أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٨/ ١٦٠ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵄- قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا.
(٤) من (م)، (ح).
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٨ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ قال: والزينة الظاهرة: الوجه وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذِه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٤ عن مجاهد. وأخرجه الطبري في "جامع البيان" عن قتادة والمسور بن مخرمة والشعبي وابن زيد. =
[ ١٩ / ١٤٩ ]
وقال الضحاك (١) والأوزاعي (٢): الوجه والكفان (٣).
_________________
(١) = وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٢٢، "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٣٧، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣١٦، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٤، "تفسير القرآن" للسمعاني ٥/ ٥٢٠.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٩، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٤، وزاد: والخاتم. وانظر: "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣١٦، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٤.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٩. وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٤.
(٤) وهذا القول رجحه الطبري في "جامع البيان" ومروي عن ابن عباس وعائشة وابن عمر - ﵁ - والنخعي وسعيد بن جبير وعطاء قال ابن كثير: وهذا هو المشهور عند الجمهور واستدل له بحديث: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. وعليه يجوز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد فإن كان لشهوة حرم عليه ذلك بدليل قوله - ﷺ - لعلي بن أبي طالب: "لا تتبع النظرة النظرة .. " رواه أحمد وحسنه الألباني وهذا القول -أعني تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين- فيه نظر وفي الآية قرينة تدل على عدم صحته وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. ومما يدل على عدم صحته أيضًا أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المُزين بها ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] وقوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩] ومما يدل على عدم صحته أن الله نهى عن إبداء الزينة مطلقًا إلا ما ظهر منها وهي التي لابد أن تظهر كظاهر الثياب، ولذلك قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولم يقل إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء =
[ ١٩ / ١٥٠ ]
وقال الحسن: الوجه والثياب (١).
_________________
(١) = الزينة إلا لمن استثناهم فدل على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولا يمكن إخفاؤها. والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها ولو كانت هذِه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة. وأما ما ورد عن ابن عباس ﵄ فإنه يحمل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية"رسالة في حجاب المرأة ولباسها في الصلاة" (ص ١٩): على أن ابن عباس ذكر أول الأمرين، وابن مسعود ذكر آخر الأمرين يعني: أن ابن مسعود ذكر ما استقر عليه الأمر وابن عباس لما ذكر أنها الوجه واليدان ذكر ما كان عليه الأمر قبل ذلك. وله وجه آخر وهو أن تمام كلام ابن عباس: فهذِه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها، فهو مقيد في بيتها لكن الكثير ينقلون الشق الأول دون تمامه. فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله (منها) الوجه والكفان ليس على إطلاقه وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها ويؤيد هذا التوجيه تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلاليب وتبين عينًا واحدة. أخرجه الطبري في "جامع البيان" عنه، والله أعلم. انظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١٢/ أ، "الدر المنثور" للسيوطي ٥/ ٧٥، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٢٢، "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ١٠/ ٢١٧، "أضواء البيان" للشنقيطي ٦/ ١٩٩، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١١٩، "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٣١٥، "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ١٣٦٨، "رسالة الحجاب" لابن عثيمين (٧).
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٩. وانظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١٢/ أ، "بحر العلوم" للسمرقندي ٣/ ٣١٥، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٤.
[ ١٩ / ١٥١ ]
وروت عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت (١) أن تظهر إلا وجهها وبدها إلى ها هنا وقبض نصف الذراع" (٢).
وإنما رخص الله تعالى ورخص رسوله - ﷺ - في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها؛ لأنه ليس بعورة فيجوز لها كشفها في الصلاة وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره.
﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليقين ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ أي: مقانعهن وهو جمع الخمار
_________________
(١) أي: حاضت. يقال للمرأة إذا حاضت عَرَكَتْ تَعْرُكُ عِرَاكَا فهي عارِك. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٢٢٢، "لسان العرب" لابن منظور ١٠/ ٤٧٦.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١١٩ بسنده من طريق ابن جريج قال، قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزيَّنة، فدخل النبي -ﷺ- فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال: "إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى" وهو مرسل. وأخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها (٤١٠٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧/ ٨٦ من طريق خالد بن دريك، عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله -ﷺ- عليها ثياب رقاق فأعرض رسول الله -ﷺ- وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه" قال أبو داود: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة. قلت: وفي سنده أيضًا سعيد بن بشير ضعيف "تقريب التهذيب" لابن حجر (٢٢٨٩).
[ ١٩ / ١٥٢ ]
غطاء رأس المرأة (١). ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ صدورهن وليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن. قالت عائشة ﵂: يرحم الله المهاجرات الأول لما أنزل الله تعالى هذِه الآية شققن أكثف (٢) مروطهن (٣) فاختمرن به (٤).
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفية التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهن كشفها في الصلاة، وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفين وظهور القدمين.
﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾.
أي: نساء المؤمنين، فلا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي
_________________
(١) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (٢٩٨)، "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس ٢/ ٢١٥، "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٢٥٧.
(٢) أكثف: بالثاء أي أغلظها وأثخنها وفي رواية أخرى (أكنف) بالنون أي: أسترها وأصفقها. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ١٥٣، ٢٠٦، "لسان العرب" لابن منظور ٩/ ٢٦٩، ٣٠٩.
(٣) جمع مرط وهو الإزار.
(٤) أخرجه البخاري معلقًا، كتاب التفسير، باب وليضربن بخمرهن .. (٤٧٥٨)، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في قوله وليضربن .. (٤١٠٢) كلاهما من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة به وزاد أبو داود رواية (أكنف) بالنون. وأخرجه البخاري موصولًا، كتاب التفسير، باب وليضربن بخمرهن .. (٤٧٥٩)، والنسائي في "السنن الكبرى"، كتاب التفسير (١١٣٦٣) كلاهما من طريق الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، عن عائشة نحوه.
[ ١٩ / ١٥٣ ]
امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله ﷿: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ عن ابن جريج (١).
وروى هشام بن الغاز عن عبادة بن نُسَيّ أنه كره أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها، يتأول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٢).
وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ -: أما بعد: فقد بلغني أن نساء يدخلن الحمامات معهن نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه.
قال: ثم إن أبا عبيدة - ﵁ - قال في ذلك المقام مبتهلًا: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة ولا سقم، تريد البياض لوجهها فسود
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢١، وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٥. والراجح أن حكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل سواء ولا فرق بين المسلمتين وبين المسلمة والذمية كما لا فرق بين الرجلين المسلمين وبين المسلم والذمي في النظر وهو رواية عن أحمد ويدل عليه:
(٢) أن الكافرات من اليهوديات والمشركات قد كن يدخلن على نساء النبي - ﷺ - فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب.
(٣) أن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية فوجب ألا يثبت الحجب بينهما كالمسلم مع الذمي.
(٤) أن الحجب يجب بنص أو قياس ولم يوجد واحد منهما وأما قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فيحتمل أن يكون المراد به جملة النساء. انظر: "المغني" لابن قدامة ٩/ ٥٠٥.
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٠ قال: حدثنا القاسم قال حدثني الحسين، قال حدثني عيسى بن يونس عن هشام به.
[ ١٩ / ١٥٤ ]
وجهها يوم تبيض الوجوه (١).
وقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مماليكهن وعبيدهن فإنه لا بأس عليهن أن يُظهرن لهم من زينتهن ما يُظهرن لذوي محارمهن (٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢١، قال حدثني الحسين قال حدثني عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبادة به. وذكره ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١ قال: روى سعيد بن منصور في "سننه" حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة فذكره دون قوله: ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢١ عن مخلد التميمي. وقال النحاس في "معاني القرآن" ٤/ ٥٢٣: وهذا القول معروف من قول عائشة وأم سلمة. وهذا هو الراجح فيجوز للمؤمنات إظهار زينتهن لما ملكت أيمانهن كالمحارم. ويدل عليه:
(٣) ما روت أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحجب منه" رواه أبو داود، كتاب العتق، باب في الطيرة (٣٩٢١) وغيره. فدل على أن العبد إذا لم يملك ما يؤدي لم يجب الاحتجاب منه.
(٤) حديث: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" أخرجه أبو داود، كتاب اللباس (٤١٠٠).
(٥) أنه يشق التحرز منه فأبيح له ذلك كذوي المحارم. انظر: "المغني" لابن قدامة ٩/ ٤٩٥، "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٣١٨، "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ١٣٧٢، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٢٢.
[ ١٩ / ١٥٥ ]
﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ وهم الذي يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم في النساء، ولا يشتهونهن. وقال ابن عباس - ﵁ -: هو الذي لا تستحي منه النساء (١). وعنه: الأحمق والعنين (٢).
وقال مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئًا من النساء (٣).
وقال الحسن: هو الذي لا ينتشر (٤)، وقال سعيد بن جبير: المعتوه (٥)،
_________________
(١) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٢ من طريق أبي إسحاق عمن حدثه عنه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٨ وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٢، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٨، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧/ ٩٦، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٨، وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه. وانظر: "تفسير ابن حبيب" ٢٠٩/ أ، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٢/ أ.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٢، والبستي في "تفسيره" (ص ٣٥٧) (٥٨٣)، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم"٨/ ٢٥٧٨، والثوري في "تفسيره" (٢٢٥)، وآدم في "تفسير مجاهد" (٤٩٢)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٥، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١٢/ ب.
(٤) انظر: "تفسير ابن حبيب" ٢٠٩/ أ، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٥. وهو بلفظ مقارب في "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٣١، "تفسير الحسن" ٢/ ١٥٧.
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٣. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٥، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
[ ١٩ / ١٥٦ ]
وقال عكرمة: المجبوب (١).
روى الحكم بن أبان عنه: المُخنّث الذي لا يقوم زبَّه (٢).
روى الزهري (٣) عن عروة (٤) عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي - ﷺ - مخنث (٥)، كانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي - ﷺ - يومًا وهو عند بعض نسائه (٦) وهو ينعت امرأة (٧) فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت
_________________
(١) المجبوب: هو الخصي الذي قد استؤصل ذكره وخصيتاه. "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٢٤٩. وانظر القول في "تفسير ابن حبيب" ٢٠٩/أ، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٢/ أ، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٣٥. وأخرج البستي في "تفسيره" (ص ٤٥٨) (٥٨٦) من طريق جابر الجعفي عنه قال: العنين.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٣، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٧٩، وجعله الكرماني من الغريب كما في "غرائب التفسير" ٢/ ٧٩٥. وهذا القول رواه عكرمة عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٧٨، ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه.
(٤) ابن الزبير، ثقة.
(٥) وكان اسمه هِيتٌ على الراجح. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٩/ ٣٣٤.
(٦) وهي أم سلمة كما جاء مصرحًا به في بعض روايات الحديث. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب النكاح، باب ما ينهى من دخول .. (٥٢٣٥).
(٧) وهي بادية بنت غيلان بن سلمة. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٩/ ٣٣٥.
[ ١٩ / ١٥٧ ]
بثمان (١). فقال النبي - ﷺ -: "ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن هذا عليكم" (٢)، فحجبوه (٣).
وقال ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم، ونشأ فيهم، وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه (٤).
_________________
(١) وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالبًا في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة. انظر: "فتح الباري" لابن حجر ٩/ ٣٣٥.
(٢) في الأصل: وهذا فحجبوه، وزيادة: وهذا خطأ فحذفتها.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب مغ المخنث من الدخول على النساء الأجانب (٢١٨١)، وأبو داود، كتاب اللباس، باب قوله غير أولي الإربة (٤١٠٧). والنسائي في "السنن الكبرى"، كتاب عشرة النساء (٩٢٤٧) جميعهم من طريق معمر عن الزهري به، وأخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة (٥٢٣٥)، وفي المغازي، باب غزوة الطائف (٤٣٢٤)، مسلم، كتاب السلام، باب مغ المخنث من الدخول على النساء الأجانب (٢١٨٠). وأبو داود، كتاب الأدب، باب الحكم في المخنثين (٤٩٢٩)، والنسائي في "السنن الكبرى"، كتاب عشرة النساء (٩٢٤٩)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب في المخنثين (١٩٥٢)، وفي الحدود، باب المخنثين (٢٦١٤) جميعهم عن أم سلمة بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٢٣. وهذِه الأقوال الثانية لا تعارض بينها فهي من اختلاف التنوع، يجمعها ما ذكره المصنف أولًا وهو أنهم الأتباع الذين ليست لهم حاجة إلى النساء ولا يشتهونهن. وهو ما قاله الطبري في "جامع البيان" والنحاس والزجاج وغيرهم. وانظر: هذِه الأقوال وغيرها مع اختلاف في ألفاظ القائلين في: =
[ ١٩ / ١٥٨ ]
والإربَة والأَرَب: الحاجة، يقال: أَرِبْتُ إلى كذا، آرِبُ أَرَبًا إذا احتجت إليه (١).
واختلف القراء في قوله: ﴿غَيْرِ﴾.
فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل (٢) وله وجهان:
أحدهما: الحال والمقطع؛ لأن (التابعين) معروفة و(غير) نكرة.
والآخر: الاستثناء ويكون (غير) بمعنى (إلا) (٣).
_________________
(١) = "تفسير ابن حبيب" ٢٠٩/أ، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٢/ أ، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٣٣، "النكت والعيون" للماوردي ٤/ ٩٥، "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ١٠/ ٢٢٢، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٢٥، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٢، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (٣٠٣)، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٦٥.
(٢) انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس ١/ ٨٩، "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٢٠٨، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ١/ ١٥٥، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (٧٢)، "تحفة الأريب" لأبي حيان الأندلسي (٤١)، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٢٦.
(٣) لم أقف على رواية المفضل عن عاصم بل الكل يذكرون رواية أبي بكر عن عاصم. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٤٥٤)، "التيسير" للداني (١٣١)، "الغاية في القراءات" لابن مهران الأصبهاني (٣٣٩)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣٢، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني (٢٦٦)، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٥.
(٤) والوجهان أجازهما الفراء والزجاج والنحاس وأبو علي وغيرهم والحال أجود عند الفراء. =
[ ١٩ / ١٥٩ ]
وقرأ الباقون بالخفض (١) على نعت التابعين (٢).
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطلعون عليها، والطفل يكون واحدًا وجمعًا (٣).
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ يعني: ولا يحركنها إذا مشين.
﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يعني: الخَلْخَال والحلي (٤).
_________________
(١) = انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٥٠، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٢، "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٤٣٩، "الحجة" لابن خالويه (٢٦١)، "مشكل إعراب القرآن" لمكي ٢/ ٥١١، "معاني القراءات" للأزهري ٢/ ٢٠٥، "الحجة" لابن زنجلة (٤٩٦)، "شرح الهداية" ٢/ ٤٤٠، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي ٢/ ١٣٦، "الموضح في القراءات" لابن أبي مريم ٢/ ٩١١، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري ٢/ ١٥٥، "إعراب القراءات الشواذ" للعكبري ٢/ ١٨١، "الكشاف" للزمخشري ٣/ ٢٦٦، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤١٢، "الدر المصون" للسمين الحلبي ٨/ ٣٩١، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١١٧.
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم.
(٣) وجاز نعت (التابعين) وإن كان معرفًا بالألف واللام؛ لأنه غير مقصود به قوم بأعيانهم، إنما هو جنس، فهو نكرة في المعنى.
(٤) والمراد به هنا الجمع بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ وفي مصحف حفصة ﵂؛ (أو الأطفال). انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٥٢٦)، "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٤١، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٤٤، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (٢٨٤)، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٣٦.
(٥) وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية تلبس الخلخال والحلي في رجلها فإذا مرت بملأ ضربت برجليها ليسمع صوت خلخالها، وفي ذلك إغراء وفتنة حتى كان =
[ ١٩ / ١٦٠ ]