من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورًا على نور) (١).
ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا للشيء الذي أراده إلى الأفهام، وتسهيلًا لسبيل الإدراك على الأنام. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
٣٦ - ثم قال ﷿: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾
نظم الآية:
ذلك المصباح في بيوت (٢) ويجوز أن يكون معناه (٣) توقد في بيوت (٤) وهي المساجد عن أكثر المفسرين (٥).
_________________
(١) من (م)، (ح).
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" عن ابن زيد ١٨/ ١٤٤، وهذا أحد قولي الفراء، وقال به الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٤ والقرطبي وغيرهم. وانظر: "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري ٢/ ١٥٦، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٢١، "الدر المصون" للسمين الحلبي ٨/ ٤٠٩.
(٣) من (م)، (ح).
(٤) قاله الرماني وجوزه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٤. وقيل: إنه متعلق بقوله ﴿يُسَبِّحُ﴾ وهو أقربها وهو قول أبي حاتم وأحد قولي الفراء وابن الأنباري، وجوزه الزجاج والنحاس، واختاره أبو حيان. انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٥، "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ١٣٩، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري ٢/ ١٥٦، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٢١.
(٥) وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأبو صالح وابن زيد وعكرمة والضحاك وغيرهم، واختاره الطبري والقرطبي وعزاه ابن الجوزي والرازي لجمهور المفسرين. =
[ ١٩ / ٢٧٠ ]
[١٩٦٨] أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري (١) قال: حدثنا أبو علي بن حبش (٢) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الجوهري (٣) قال: حدثنا علي بن إشكاب (٤) قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي (٥) عن بكير بن شهاب (٦) عن سعيد بن جبير (٧) عن ابن عباس - ﵄ - قال: المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٨).
_________________
(١) = انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرزاق ٢/ ٦٠، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١٤٤، "تفسير القرآن العظيم" لابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٠٤، "تفسير مجاهد" (٤٩٣)، "الدر المنثور" للسيوطي ٥/ ٩٠، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٦٥، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٤٦، "مفاتيح الغيب" للرازي ٢٤/ ٣.
(٢) ثقة صدوق كثير رواية المناكير.
(٣) الحسين بن محمد الدينوري المقرئ. ثقة مأمون.
(٤) لم أجده.
(٥) علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحُر العامري ابن إشكاب وهو لقب أبيه، صدوق.
(٦) محمد بن ربيعة الكلابي ابن عم وكيع بن الجراح، صدوق. مات بعد التسعين ومائة. "الجرح والتعديل" ٧/ ٢٥٢، "تهذيب الكمال" ٢٥/ ١٩٦.
(٧) الكوفي، مقبول.
(٨) الأسدي الكوفي. ثقة ثبت فقيه.
(٩) [١٩٦٨] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف، فيه الجوهري لم أجده، وبكير مقبول. التخريج: أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ١٠/ ٢٦٢ (١٠٦٠٨) والبيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٨٣ (٢٩٤٨) كلاهما من طريق بكير بن شهاب به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٧: ورجاله موثقون.
[ ١٩ / ٢٧١ ]
وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وحق على الله أن يكرم من زاره فيها (١).
[١٩٦٩] أخبرنا الحسين بن محمد (٢)، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٣)، قال: حدثنا عبيد الله بن ثابت الحريري (٤)، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (٥)، قال: حدثنا أبو أسامة (٦)، عن صالح بن حيان (٧)، عن ابن (٨) بريدة (٩) في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٦١ وفي "المصنف" ١١/ ٢٩٦ عن معمر عن أبي إسحاق عنه، وأخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٤ عن الحسن عن عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" ٣/ ٨٢ (٢٩٤٣) من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البستي في "تفسيره" (٤٧٦)، (٦٠٩) وابن أبي شيبة في "المصنف" ٧/ ١١٥ (٣٤٦١٥) (تحقيق الحوت) وأبو نعيم مختصرًا في "الحلية" ٤/ ١٤٩، جميعهم من طريق الوليد بن عيزار عنه.
(٢) ابن فنجويه. ثقة صدوق كثير رواية المناكير.
(٣) ثقة ثبت كثير الحديث.
(٤) عبيد الله بن ثابت بن أحمد بن خازن، أبو الحسن الحريري الكوفي، حدث عن أبي سعيد الأشج بكتاب التفسير روى عنه جماعة من الكوفيين وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة وكان محدثا كثير الحديث فهمًا بحديثه كثير الغرائب توفي سنة (٣١٩ هـ). "تاريخ بغداد" ١٠/ ٣٥٠، "الإكمال" لابن ماكولا ٢/ ٢١٠.
(٥) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي، ثقة.
(٦) حماد بن أسامة القرشي: ثقة ثبت ربما دلس، وكان بأخرة يحدث عن كتب غيره.
(٧) القرشي الكوفي، ضعيف.
(٨) في الأصل و(ح): أبي، والتصويب من (م) ومصادر ترجمته.
(٩) عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة.
[ ١٩ / ٢٧٢ ]
اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية. قال: إنما هي أربع مساجد لم يبنها إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉ فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، ومسجد المدينة بناه رسول الله - ﷺ -، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله - ﷺ - (١).
[١٩٧٠] أخبرنا ابن فنجويه (٢)، قال: حدثنا (٣) أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي (٤)، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سعيد الهمداني (٥) بالكوفة (٦)، قال: حدثنا (٧) المنذر بن محمد القابوسي (٨)، قال: حدثني الحسين بن سعيد (٩)، قال: حدثني
_________________
(١) [١٩٦٩] الحكم على الإسناد: إسناده ضعيف؛ فيه صالح بن حيان ضعيف. التخريج: أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٠٤ عن أبي سعيد الأشج به.
(٢) ثقة صدوق كثير رواية المناكير.
(٣) من (م)، (ح).
(٤) الرازي الصغير، حافظ صدوق.
(٥) لم أجده.
(٦) من (م)، (ح).
(٧) من (م)، (ح).
(٨) قال الدارقطني: مجهول، وذكر ابن الوراق أن البرقاني سأل الدارقطني عنه فقال: متروك الحديث، وقال ابن حجر: وهو إخباري يروى الأنساب ونحوها. "سؤالات الحاكم للدارقطني" (٢٣٤)، "المغني في الضعفاء" (٦٤٢٠) "ميزان الاعتدال" (٨٧٦٤)، "لسان الميزان" (٨٦٣٤).
(٩) لم أجده.
[ ١٩ / ٢٧٣ ]
أبي (١)، عن أبان بن تغلب (٢)، عن نفيع بن الحارث (٣)، عن أنس (٤) وعن بريدة (٥) ﵄ قالا (٦): قرأ رسول الله - ﷺ - هذِه الآية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ فقام رجل فقال: أي بيوت هذِه (٧) يا رسول الله؟ قال: "بيوت الأنبياء". قال: فقام إليه أبو بكر - ﵁ - فقال: يا رسول الله هذا البيت منها -لبيت علي وفاطمة؟ قال: "نعم من أفاضلها" (٨).
وقال الصادق: بيوت النبي - ﷺ - (٩).
_________________
(١) سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي، ضعيف.
(٢) أبو سعد الكوفي ثقة تكلم فيه للتشيع.
(٣) أبو داود الأعمى مشهور بكنيته، متروك وقد كذبه ابن معين.
(٤) صحابي جليل مشهور.
(٥) في الأصل: بردة، والمثبت من (م)، (ح)، وهو: الصحابي الجليل بريدة بن الحُصيب.
(٦) في الأصل، (ح): قال.
(٧) في الأصل: هذا.
(٨) [١٩٧٠] الحكم على الإسناد: موضوع فيه نفيع بن الحارث متروك وأيضًا غالٍ في الرفض. وأبان بن تغلب تكلم فيه وسعيد بن بشير ضعيف والحسين بن سعيد لم أجده والمنذر بن محمد مجهول، وقيل مرة: متروك. التخريج: أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" عنهما كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٥/ ٩١.
(٩) نسبه إليه ابن حبيب في "تفسيره" ٢١١/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٦٦/ أ. =
[ ١٩ / ٢٧٤ ]
وقال السدي: بيوت (١) المدينة (٢).
وأولى الأقوال بالصواب: أنها المساجد لدلالة سياق الآية على أنها بيوت بنيت للصلاة والعبادة (٣).
فإن قيل: ما الوجه في توحيد المشكاة والمصباح وجمع البيوت، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد.
قلنا: هذا من الخطاب المتلون (٤) الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) ونحوها.
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٠٤ عن مجاهد وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٦/ ٤٦ إلى مجاهد أيضًا. وهذا القول بعيد جدًّا فهو تخصيص بلا مخصص ومخالف لسياق الآية.
(٢) من (م)، (ح).
(٣) انظر: "تفسير ابن حبيب" ٢١١/ أ، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٦/ أ، "غرائب التفسير" للكرماني ٢/ ٧٩٩، وجعله من الغريب. وهذا القول بعيد أيضًا لأنه تخصيص بلا مخصص ومخالف لسياق الآية.
(٤) وهذا قول الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥.
(٥) وهو المعروف في علم المعاني بالالتفات، وحقيقته الرجوع عن أسلوب من أساليب الكلام إلى غيره، وهو كثير في كلام العرب، وفائدته نظرية سمع السامع وإيقاظه للإصغاء، وهو أنواع متعددة منها ما ذكره المصنف وهو الألتفات من خطاب الواحد إلى الجمع. انظر: "فقه اللغة" للثعالبي (٣٦٦)، "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي ١/ ١٠٩، "الكليات" للكفوي (١٦٩)، "الإتقان" للسيوطي ٥/ ١٧٣١، "قواعد التفسير" للسبت ١/ ٢٧١.
(٦) الطلاق: ١.
[ ١٩ / ٢٧٥ ]
وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت (١).
وقيل: هو مثل قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٢) وإنما هو في واحدة منها (٣) ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ أن تبنى عن مجاهد (٤)، نظيره قوله ﷿: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٥).
وقال الحسن: تعظم (٦).
_________________
(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٦٥.
(٢) نوح: ١٦.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٦٥.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦٠٥، وآدم في "تفسير مجاهد" (٤٩٣). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٩١، وزاد نسبته لعبد بن حميد. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٥، "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٣٨، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٥٠، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٦٦، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٤٦، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٣٤. وهذا القول رجحه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥ وقال: إن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية. وعليه يكون الرفع هنا رفعًا حسيًّا.
(٥) البقرة: ١٢٧.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٦٠ ومن طريقه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥. وانظر: "تفسير ابن فورك" ٣/ ١٣/ ب، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٤، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٦/ أ، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٢، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٥٠، "زاد المسير" لابن الجوزي ٢/ ١٦٠، "تفسير الحسن" ٢/ ١٦٠، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٦٦، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٣٤. وعلى هذا القول يكون الرفع هنا رفعًا معنويًّا ويؤيده أن ظاهر الآية أنها كانت =
[ ١٩ / ٢٧٦ ]
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس - ﵄ -: يتلى فيها كتابه (١).
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قرأ قتادة وأشهب العقيلي ونصر بن عاصم الليثي وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: بفتح الباء على غير تسمية الفاعل (٢).
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
ثم قال عز شأنه:
_________________
(١) = بيوتًا قبل الرفع فأذن أن ترفع. قلت: ولا مانع أن يكون المراد الأمرين جميعًا فمأمور ببناءها وتشييدها ومأمور أيضًا بتعظيمها ومن تعظيمها إقامة عبادة الله فيها.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٦٠٦ كلاهما من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٥٠، "زاد المسير" لابن الجوزي ٦/ ٤٧، واختار الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٤٥ أن المعنى: إذنه لعباده أن يذكروا اسمه فيها، ثم ذكر أن قول ابن عباس قريب من هذا القول، لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله غير أن الذي اختاره أظهر معنييه وأعم من الآخر.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص ٤٥٦)، "التيسير" للداني (١٣٢)، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني (ص ٢٦٧)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣٢، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٨، "تفسير ابن حبيب" ٢١١/ أ.
[ ١٩ / ٢٧٧ ]