كذلك الكافر يحسب أن عمله مغن عنه أو نافعه شيئًا، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا ولا نَفَعه (١).
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي وجد الله بالمرصاد عند ذلك ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ جزاء عمله ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار أيضًا.
يقول مثل أعمالهم في خطئها وفسادها وضلالتهم وجهالتهم وحيرتهم فيها (٢) كظلمات (٣).
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ وهو العميق الكثير الماء، وذلك أشد ظلمة، ولُجَّة البحر معظمه (٤).
_________________
(١) وفي هذِه الآية دليل على بطلان أعمال الكفار نظيرها قوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
(٢) في (ح): فهم.
(٣) انظر: "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١٥٠. وقال أبو حيان "البحر المحيط" ٦/ ٤٢٤: التشبيه الأول لعاقبة أمرهم في الآخرة، والثاني لبيان أعمالهم في الدنيا.
(٤) انظر: "جامع البيان" للطبري ١٨/ ١٥٠، "لسان العرب" لابن منظور ٢/ ٣٥٤، "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس ٥/ ٢٠١، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٦٧، "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ١/ ٤٢٣.
[ ١٩ / ٢٨٩ ]
﴿يَغْشَاهُ﴾ يعلوه ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ متراكم ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾.
قرأ ابن كثير برواية النَّبَّال (١) والفليحي: ﴿سَحَابٌ﴾ بالرفع والتنوين.
(ظلماتٍ) (٢) جر على البدل من قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ (٣).
وروى البّزِّي عنه (سحابُ ظلماتٍ) بالإضافة.
وقرأ الباقون ﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين.
وتمام الكلام عند قوله: ﴿سَحَابٌ﴾ ثم ابتدأ: ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ (٤).
_________________
(١) أحمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن المكي المقري النّبّال المعروف بالقواس، قرأ على وهب بن واضح وعليه قنبل وأحمد الحلواني والبزي، ت سنة (٢٤٠). انظر "معرفة القراء" للذهبي ١/ ١٧٨، "غاية النهاية" ١/ ١٢٣.
(٢) وهي قراءة قنبل. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٤٥٧)، "التيسير" للداني (١٣٢)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ٢/ ٣٣٢، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران الأصبهاني (٢٦٧)، "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي ٢/ ٢٩٩.
(٣) ويكون رفع (سحاب) بالابتداء و(من فوقه) الخبر، ولا يضر كثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه لأن الفاصل يضر إذا كان أجنبيًّا وليس هو كذلك هنا لأن كلها توابع. انظر: "الحجة" لابن زنجلة (٥٠٢)، "شرح الهداية" ٢/ ٤٤٢، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي ٢/ ١٣٩، "الحجة" لابن خالويه (٢٦٣)، "الدر المصون" للسمين الحلبي ٨/ ٤١٥، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٢٤.
(٤) وفيها وجهان:
(٥) أن تكون ظلمات خبرًا لمبتدأ محذوف مضمر تقديره هذِه أو تلك.
(٦) أن تكون ظلمات مبتدأ والجملة من قوله ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبره. والأول أولى لأنه لا مسوغ للابتداء بهذِه النكرة إلا أن يقال إنها موصوفة تقديرًا. انظر: المراجع السابقة.
[ ١٩ / ٢٩٠ ]
﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر.
قال المفسرون: أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللّجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهالة والشك والحيرة، وبالسحاب: الرَّينُ والختم والطبع على قلبه (١).
قال أبي بن كعب في هذِه الآية: الكافر يتقلب في خمس من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومرجعه (٢) إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (٣).
﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ يعني: الناظر ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمات (٤).
_________________
(١) أخرجه بمعناه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٥٠، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦١٤ كلاهما من طريق العوفي عن ابن عباس وروي أيضًا عن غيره. قال الشوكاني في "فتح القدير" ٩/ ٢٣٥: وهذا من غرائب التفسير وهو عند لغة العرب بمكان بعيد. وانظر: "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٦/ ب، "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ٥٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ٢٨٥.
(٢) في (م)، (ح): ومصيره.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ١٥١، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٦١٤ وغيرهما.
(٤) وعليه تكون (كاد) أخرجت على معنى قارب، أي لم يقارب رؤيتها وإذا لم يقاربها باعدها وعليه جاء قول ذي الرمة: إذا غيّر النّأي المُحِبِّين لم يكد رسيس الهوى من حب مَيّة يبرح أي: لم يقارب البراح. =
[ ١٩ / ٢٩١ ]
وقال الفراء: كاد صلة، أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه (١).
وقال المبرد: يعني: لم يرها إلا بعد الجهد كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه. ولكن بعد يأس وشدة.
وقيل معناه: قرب من الرؤية ولم ير كما يقال: كاد العروس يكون أميرًا، وكاد النعام (٢) يطير.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: لم يهده الله فلا إيمان له.
قال مقاتل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدِّين في الجاهلية ولبس المُسُوح (٣) ثم كفر في الإسلام (٤).
_________________
(١) = وهذا القول قاله الأكثرون ورجحه النحاس والزمخشري وغيرهما. انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٤٢، "الكشاف" للزمخشري ٣/ ٢٣٧، و"إملاء ما من به الرحمن" للعكبري ٢/ ١٥٧، "الدر المصون" للسمين الحلبي ٨/ ٤١٦، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٢٤.
(٢) ذكره الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٢٥٥ ونسبه لبعض المفسرين ثم قال: وهو المعنى. والقول بزيادة يكد استبعده العكبري وقال أبو حيان: ليس بصحيح. انظر: المراجع السابقة.
(٣) تحرفت في الأصل إلى: الطعام.
(٤) المُسُوح جمع المِسْح وهو الكساء من الشَّعر. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٢/ ٥٩٦.
(٥) انظر: "تفسير ابن حبيب" ٢١١/ ب، "الكفاية" للحيري ٢/ ٦٦/ ب، "الكشاف" للزمخشري ٣/ ٢٣٧، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٤٢٥، القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٢/ ٢٨٦ وكلهم ذكروه بلفظ عتبة بن ربيعة. وهو في "تفسير مقاتل" ٣/ ٢٠٢ إلا أنه قال: (شيبة) بدلًا من (عتبة). وشيبة أخ لعتبة وكان أيضًا من صناديد قريش وقتل يوم بدر كافرًا مع أخيه عتبة. =
[ ١٩ / ٢٩٢ ]
[١٩٧٥] أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم العدل (١)، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن منصور الواعظ (٢)، قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد (٣)، قال: حدثنا محمد بن يونس الكديمي (٤)، قال: حدثنا عبيد الله بن عائشة (٥)، قال: حدثنا حماد بن سلمة (٦)، عن ثابت (٧)، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله تعالى خلقني من نوره وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمتي من الرجال من نور عمر، [وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة] (٨) فمن لم يحبني ولم يحب أبا بكر وعمر
_________________
(١) = وجمع القرطبي بين القولين فقال: وكلاهما مات كافرًا فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما. وقال البغوي: والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار. قلت: وهو الصواب.
(٢) ثقة صالح.
(٣) لم أجده.
(٤) البغدادي. حافظ ذكي من أكابر اللغويين.
(٥) أبو العباس السامي البصري، ضعيف.
(٦) ثقة جواد رمي بالقدر ولم يثبت.
(٧) البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخره.
(٨) ثابت بن أسلم البُنّاني ثقة عابد.
(٩) في الأصل: ومن المؤمنات من أمتي من النساء خلق من نور عائشة والمثبت من (م)، (ح).
[ ١٩ / ٢٩٣ ]