فيقذفونهن بالزنا (١). ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ على ما رموهن به ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ عدول، يشهدون عليهن أنهم رأوهن يفعلن ذلك.
﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ يعني: القاذفين اضربوا كل واحد منهم. ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم استثنى فقال عز من قائل: ٥ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء (٢): فقال قوم: هو استثناء من قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وقالوا إذا تاب القاذف قبلت
_________________
(١) ولم تنص الآية على الزنا؛ لأنَّ فيما تقدم من ذكر الزانية والزاني دليلًا على أن المعنى ذلك. انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٠.
(٢) أوجب الله على القاذف ثلاث عقوبات:
(٣) جلده ثمانين جلدة.
(٤) عدم قبول شهادته.
(٥) الحكم عليه بأنه فاسق فإن تاب لم يسقط عنه الحد وزال عنه اسم الفسق. قال ابن قدامة في "المغني" ١٤/ ١٨٨: بلا خوف، أما قبول شهادته بعد توبته ففيها خلاف بين قبولها وعدمها، وسببه هو الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ هل هو عامل في الفسق ورد الشهادة أم هو عامل في الفسق فقط. ومدار الخلاف يرجع إلى خلاف في قاعدة أصولية وهي: أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات فهل هو راجع إلى جميعها إلَّا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. أم هو راجع إلى الجملة الأخيرة فقط وهذا مذهب الحنفية. انظر: "الأحكام" للآمدي ٢/ ٣٠٠، "روضة الناظر" لابن قدامة ٢/ ١٨٥، "أضواء البيان" للشنقيطي ٦/ ٨٩، "الحدود والتعزيرات" لبكر أبو زيد (٢٣٩).
[ ١٩ / ٤٧ ]
شهادته، وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحد. وهذا قول الشعبي (١) ومسروق (٢)، وسليمان بن يسار (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وعطاء (٥)،
_________________
(١) أخرجه البُخاريّ في "صحيحه" تعليقًا، كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، وعبد الرَّزاق في "مصنفه" ٨/ ٣٦٣، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٦، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣١، والبستي في "تفسيره" (٥٣٧)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٧٠ (٦٩١) جميعهم عنه، قال: تجوز، وقال يقبل الله شهادته ولا أجيز أنا شهادته؟ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٢، وزاد نسبته لعبد ابن حميد. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٢، "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٠٥، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٠٢، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٧، والبيهقيّ في "الكبرى" ١٠/ ١٥٣، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٩٦ (٦٦٧) جميعهم عنه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد. وانظر "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٢.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٧، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣. وانظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٦/ ١١.
(٤) أخرجه البُخاريّ في "صحيحه" معلقًا، كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، والطبري في "جامع البيان" ٩/ ٢٧٦، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣٠، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤١، وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٧، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣١، والبستي في "تفسيره" (ص ٤٢٥) (٥٤٣)، والبيهقيّ في =
[ ١٩ / ٤٨ ]
وطاوس (١)، ومجاهد (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، وعبد الله بن
_________________
(١) = "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٦٨ (٦٨٦) جميعهم عنه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤١، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٢، "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٠٥، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩.
(٢) أخرجه البُخاريّ معلقًا كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، الطبري ١٨/ ٧٧، البيهقي في "الكبرى" ١٠/ ١٥٣، ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٦٨ (٦٨٦) جميعهم عنه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٢٥٧: وصله سعيد بن منصور والشافعيُّ. وانظر "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٢ "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧ "الوسيط" ٣/ ٣٠٥، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩.
(٣) أخرجه البُخاريّ تعليقًا، كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٧، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٦٨ (٦٨٦). وقال ابن حجر "فتح الباري" ٥/ ٢٥٧ وصله سعيد بن منصور والشافعيُّ. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠٢، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٥٠٢، "المغني" لابن قدامة ٦/ ١١.
(٤) أخرجه عبد الرَّزاق في "مصنفه" ٨/ ٣٦٢، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣٢، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣. وانظر: "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٠٢، "المحلى" لابن حزم ٩/ ٤٣١ - ٤٣٢. وروى الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٩ من طريق أبي الوليد عن حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنها لا تقبل شهادته. وإسناده ضعيف فأبو الوليد في سماعه من حماد بن سليمان شيء ورواية حماد عن قتادة ضعيفة، وقتادة لم يؤمن =
[ ١٩ / ٤٩ ]
عتبة (١)، والضحاك (٢)، وإليه ذهب الشَّافعي وأصحابه (٣)، وهو قول أهل الحجاز (٤).
_________________
(١) = من تدليسه؛ لأنَّه قد عنعن فالقول بقبول شهادته مروي عن سعيد بأسانيد أحسن حالًا من الآخر.
(٢) أخرجه البُخاريّ تعليقًا، كتاب الشهادات، باب شهادة القاذف، والطبري ١٨/ ٧٨، والبيهقيّ في "الكبرى" ١٠/ ١٥٣، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧٠ رقم (٦٩٠) جميعهم عنه. وانظر: "المغني" ١٤/ ١٨٩.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣١، والبستي في "تفسيره" (٥٣٦)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣.
(٤) انظر: "الأم" للشافعي ٦/ ٣٠٠.
(٥) ومذهب مالك، قال في "الموطأ" ٢/ ١٠٨: وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، وهو مذهب أحمد وجمهور العلماء. وتأولوا قوله تعالى ﴿أَبَدَا﴾ على أن المراد ما دام مصرًّا على قذفه؛ لأنَّ أبد كل شيء على ما يليق به كما لو قيل: لا تقبل شهادة الكافر أبدًا، فإن المراد ما دام كافرًا. وهذا القول اختاره الطبري في "جامع البيان" وهو الراجح لأمور:
(٦) عمل الصّحابة - ﵃ -؛ فإن عمر - ﵁ - قبل شهادة نافع وشبل لما تابا ورد شهادة أبي بكرة إذ أبى أن يتوب -كما سيأتي- قال في "المغني" لابن قدامة ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعًا.
(٧) محض القياس على قاعدة الشريعة المطردة في قبول شهادة كل تائب، فالزاني والقاتل وهما أعظم ذنبًا من القذف إذا تابا قبلت شهادتهما فالقاذف أولى.
(٨) عموم قوله - ﷺ -: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" رواه ابن ماجة بإسناد صحيح "صحيح سنن ابن ماجة" (٣٤٢٧).
(٩) أن ما ورد في بعض الأحاديث كقصة اللعان من أنَّه مردود الشهادة فإنَّه =
[ ١٩ / ٥٠ ]
واختلفوا في كيفية توبته:
فقال بعضهم: هو أن يرجع في (١) قوله ويكذب نفسه (٢).
وقال الآخرون: هي (٣) الندم على ما سلف والاستغفار منه، وترك العود فيما بقي (٤). فإذا أقيم عليه الحد، أو عفا عنه المقذوف سقط الحد.
_________________
(١) = محمول على ما قبل التوبة. والله أعلم. انظر: "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٨، "المحلى" لابن حزم ٩/ ٤٣١ - ٤٣٢، "فتح الباري" لابن حجر ٥/ ٢٥٥، "جامع البيان" للطبري ١٨/ ٨١، "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ١٣٣٧، "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٢٧١، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ٤/ ٢٧٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ١٧٣، "نيل المرام" لصديق حسن خان (٢٩٥)، "أضواء البيان" للشنقيطي ٦/ ٨٩، "أعلام الموقعين" لابن القيِّم ١/ ١٢٣، "الحدود والتعزيرات" لبكر أبو زيد (٢٤١).
(٢) في (م)، (ح): عن.
(٣) وهذا قول جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب ﵁ وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والشعبي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وبه قال الشَّافعي وأحمد. انظر: "الأم" للشافعي ٦/ ٣٠٠، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٠.
(٤) في (ح): هو.
(٥) وهذا قول جماعة من التّابعين، وبه قال مالك ورجحه الطبري في "جامع البيان"؛ لأنَّ الله تعالى جعل توبة كل مذنب تركه العود فيه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه. والراجح القول الأول وذلك لأمور:
(٦) ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنَّه قال: من أكذب نفسه أجزت شهادته. وسيأتي تخريجه. =
[ ١٩ / ٥١ ]
وذلك أن القذف حق المقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو يسقط الحد، فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد أو لم يرفع إلى السلطان فلم (١) يحد لأحد هذِه المعاني.
أو حد ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته (٢) ويدل عليه: ما روى ابن إسحاق (٣) عن الزُّهريّ (٤)، عن (٥) سعيد بن المسيب (٦) أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ضرب الذين شهدوا
_________________
(١) = ٢ - أن عِرْض المقذوف تلوث بقذفه، فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث فتكون التوبة به.
(٢) أن القول الآخر ضعيف؛ فإنَّه لا مصلحة للمقذوف منه ولا تحصل له به براءة عرضه مما قذف به.
(٣) أن هذا القول مشتمل على القول الآخر، فإن القذف فيه حقان: حق لله وحق لعبده، ولا يحصل التخلص منها إلَّا بالاستغفار والندم وأن يكذب نفسه، فيكون بهذا قد تاب بأداء الحقين حق الله وحق عبده.
(٤) أن عدم إكذابه لنفسه فيه إصرار ومجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه. انظر: "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٩١، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨١، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٢/ ١٧٩، "مدارج السالكين" لابن القيِّم ١/ ٣٦٣، "الحدود والتعزيرات" لبكر أبو زيد (٢٤٥).
(٥) في الأصل: فلا، والتصويب من (م)، (ح).
(٦) وسبق أنَّه الراجح.
(٧) ابن يسار صاحب المغازي، صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر.
(٨) ابن شهاب، الفقيه الحافظ، متَّفقٌ على جلالته وإتقانه.
(٩) في الأصل: (و) وهو خطأ، والتصويب من (م)، (ح).
(١٠) أحد العلماء الإثبات.
[ ١٩ / ٥٢ ]
على المغيرة بن شعبة. وهم أبو بكرة، وشِبْل بن مَعْبد، ونافع بن الحارث بن كلدة، فحدهم، ثم قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شِبْلٌ نفسه ونافعٌ وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل، وكان لا يقبل شهادته (١).
_________________
(١) الحكم على الإسناد: فيه ابن إسحاق صدوق يدلس. التخريج: أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٦ من طريق محمَّد بن إسحاق به. وأخرجه عبد الرَّزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٥٢، وفي "المصنف" ٨/ ٣٦٢، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٤/ ١٥٣ من طريق إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب أن عمر - ﵁ - قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تقبل شهادتكم، قال: فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، قال: وكان عمر لا يقبل شهادته. وأخرجه الشَّافعي في "مسنده" (١٥٢)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٢ من طريق الزُّهريّ عن سعيد بن المسيب أن عمر لما جلد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل شهادتهما وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته. وبنحوه أخرجه الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٠٥. وهو بمجموع طرقه صحيح. وأصل قصة جلد عمر للذين شهدوا على المغيرة ثابتة عنه أخرجها عبد الرَّزاق في "المصنف" ٨/ ٣٦٢ (١٥٥٤٩)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ٨/ ٢٣٤ وغيرهما. وانظر: "إرواء الغليل" للألباني ٨/ ٢٨ (٢٣٦١). وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٤/ ١١٧: أفاد الواقدي أن ذلك كان سنة سبع عشرة، وكان المغيرة أميرًا يومئذٍ على البصرة فعزله عمر وولى أبا موسى. وأفاد البلاذري أن المرأة التي رمي بها أم جميل بنت محجن الهلالية، وقيل: إن المغيرة كان تزوج بها سرًّا وكان عمر لا يجيز نكاح السر، يوجب الحد على فاعله، فلهذا سكت المغيرة وهذا لم أره منقولًا بإسناد، وإن صح كان عذرًا حسنًا =
[ ١٩ / ٥٣ ]
وروى ابن جريج (١) عن عمران بن موسى (٢) قال: شهدت عمر بن عبد العزيز (٣) أجاز شهادة القاذف ومعه رجل (٤).
وقال الآخرون: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قالوا: فأمَّا قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ فقد وصل (٥) بالأبد فلا يجوز قبولها أبدًا (٦).
وهذا قول النَّخعيُّ (٧)
_________________
(١) = لهذا الصحابي.
(٢) ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل.
(٣) عمران بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص، مقبول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، توفي سنة (١٣٢ هـ). انظر "الجرح والتعديل" ٦/ ٣٠٥، "الثقات" لابن حبان ٧/ ٢٤٠، "تهذيب الكمال" ٢٢/ ٣٦١، "التقريب" (٥٢٠٨).
(٤) أمير المؤمنين، عُدَّ من الخلفاء الراشدين.
(٥) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٧ عن ابن بشار حدّثنا ابن المبارك عن ابن جريج به.
(٦) في الأصل: فصل، والتصويب من (م)، (ح).
(٧) فيرون أن الكلام تم عند قوله: ﴿أَبَدَا﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
(٨) أخرجه عبد الرَّزاق في "مصنفه"، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٨ - ٧٩، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٨/ ٢٥٣٢، والبستي في "تفسيره" (٥٣٨)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ٢٥٦، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، جميعهم عنه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤٢ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٥٠١، "تفسير ابن فورك" ٣/ ٩/ أ، "بحر =
[ ١٩ / ٥٤ ]
وشريح (١).
ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵄ - (٢)، وإليه ذهب أبو
_________________
(١) = العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٠٦، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩، "المحلى" لابن حزم ٩/ ٤٣٢، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٠٢.
(٢) الحكم على الإسناد: فيه عمران بن موسى، مقبول. التخريج: أخرجه عبد الرَّزاق في "المصنف" ٨/ ٣٦٣، وفي "تفسير القرآن" ٢/ ٥٢، ووكيع في "أخبار القضاة" ٢/ ٢٨٤، والطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٩، والبستي في "تفسيره" (ص ٤٢٤) (٥٤٠)، وابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" -بلا إسناد-٨/ ٢٥٣٠، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٦، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٧/ ٢١١ (٢٩٣١). جميعهم عنه بلفظ، قال: يجيز كل صاحب حد إذا كان يوم يشهد عدلًا إلَّا القاذف فإن توبته فيما بينه وبين الله. وانظر: "بحر العلوم" للسمرقندي ٢/ ٤٢٧، "تفسير القرآن" للسمعاني ٣/ ٥٠٢، "الوسيط" للواحدي ٣/ ٣٠٦، "المغني" لابن قدامة ١٤/ ١٨٩، "المحلى" لابن حزم ٩/ ٤٣٢.
(٣) لم أقف على رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في أن شهادة القاذف لا تقبل، بل رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هي أن شهادة القاذف تقبل، أخرجها الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٨٠، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣، ونسبها إليه من هذا الطَّريق ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢، والواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٠٥. وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس القول بعدم قبول شهادته لكنها من طريق عطاء الخراساني عنه، أخرجها عبد الرَّزاق عنه، كما في "فتح الباري" لابن حجر ٥/ ٢٥٧، وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٤١، ونسبها لأبي داود في =
[ ١٩ / ٥٥ ]
حنيفة وأصحابه (١).
روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد (٢) يده ورجله في قطع الطَّريق، ثم تاب وأصلح فأجاز شريح شهادته. فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟
فقال شريح: كل صاحب حد إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلَّا القاذف، فإنَّه قضاء من الله ألا تقبل شهادته أبدًا وإنَّما توبته فيما بينه وبين الله تعالى (٣).
_________________
(١) = "الناسخ والمنسوخ"، وابن المنذر وابن مروديه. قال ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٢٥٧ وهو منقطع، ولم يصب من قال: إن إسناده قوي، فرواية علي بن أبي طلحة هي الصحيحة عن ابن عباس لكنها تفيد القول بقبول شهادته، وأمَّا القول بعدم قبول شهادته فهي من طريق عطاء وهي رواية ضعيفة. لذا لم يصب المصنف في جعله رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس القول بعدم قبول شهادة القاذف. قلت: ولعل منشأ الخطأ في ذلك ناتج من إيراد الطبري في "جامع البيان" -وهو من مصادر المصنف- لرواية علي بن أبي طلحة في قبول شهادة القاذف في سياق أقوال من قال بعدم قبول شهادة القاذف، والله أعلم.
(٢) واحتجوا بأحاديث، قال الحافظ ابن حجر لا يصح منها شيء. "فتح الباري" ٥/ ٢٥٧.
(٣) في الأصل: زياد، والتصويب من (م)، (ح).
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٨/ ٧٨ قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا الأشعث بن سوار به نحوه. وانظر تخريجه دون القصة فيما سبق.
[ ١٩ / ٥٦ ]