وروي أن عمر - ﵁ - سمع رجلًا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ فقال عمر - ﵁ - ليتها تمت (١).
وقال عون بن عبد الله: قرأ رجل عند ابن مسعود - ﵁ - هذِه الآية فقال: يا ليت ذلك لم يكن (٢).
٢ - ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: ولد آدم (٣)
﴿مِنْ نُّطفَةٍ﴾ يعني: من مني الرجل ومني المرأة (٤). وكلُّ ماء قليل في وعاء فهو نطفة (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ١/ ٢٥٧ بإسناد ضعيف، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ١٥٠)، وعبد بن حميد، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨١، وذكره الواحدي في "الوسيط" ٤/ ٣٩٨، والسمعاني في "تفسير القرآن" ٦/ ١١٢. ومعنى قوله: ليتها تمت أي: ليته بقي على ما كان عليه فكان لا يلد ولا يبتلى بأولاده. انظر: "الوسيط" للواحدي ٤/ ٣٩٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٨/ ١٦٣، وعبد بن حميد، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨١، وذكره الخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٧٦.
(٣) انظر: "الوسيط اللواحدي ٤/ ٣٩٨، "معالم التنزيل" للبغوي ٨/ ٢٩١، "زاد المسير" لابن الجوزي ٨/ ٤٢٨، "مفاتيح الغيب" للرازي ٣٠/ ٢٣٥، "لباب التأويل" للخازن ٤/ ٣٧٦.
(٤) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩١، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٨، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٧٦.
(٥) ذكره الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٣، والنحاس في "إعراب القرآن" ٥/ ٩٥، وابن فورك [١٩٧/ ب] وابن منظور في "لسان العرب" ٩/ ٣٣٥.
[ ٢٨ / ١٩٢ ]
كقول عبد الله بن رواحة - ﵁ - (١):
هل أنت إلا نطفة في شنَّة
وجمعها: نطاف، ونُطف (٢)، وأصلها: من نطف إذا قطر (٣).
﴿أَمْشَاجٍ﴾ أخلاط (٤)، واحدها: مَشج ومَشِيج مثل: خِدْن وخَدِين (٥). قال رؤبة:
يطرحن كل معجل مشاج لم يكسر جلدًا في دم أمشاج (٦)
_________________
(١) البيت من مشطور الرجز لعبد بن رواحة الأنصاري. وهي أبيات قالها في غزوة مؤتة من أرض الشام. مطلعها: ما لي أراك تكرهين الجنة. انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام ٤/ ٣٧٩، الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٣، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٩/ ١٨١. والشنة: السقاء البالي. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١٣/ ٢٤١.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٩/ ١١٨، "لسان العرب" ٩/ ٣٣٥، "المصباح المنير" للفيومي (ص ٣١٤).
(٣) انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٩/ ٣٣٥.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٢١٤، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (ص ٥٠٢)، "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٢٥٧، "جامع البيان" للطبري ٢٩/ ٢٠٣، وابن فورك [١٩٧/ ب].
(٥) ذكره الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ٢١٤، والأخفش في "معاني القرآن" ٢/ ٧٢٢، والطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٣، والزجاج في "معاني القرآن" ٥/ ٢٥٧، والنحاس في "إعراب القرآن" ٥/ ٩٥، وابن منظور في "لسان العرب" ٢/ ٣٦٨.
(٦) انظر: "ديوانه" (ص ٢٢)، "جامع البيان" للطبري ٢٩/ ٢٥٣، "النكت والعيون" للماوردي ٦/ ١٦٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٩/ ١١٨، "البحر المحيط" لأبي حيان ٨/ ٣٨٤.
[ ٢٨ / ١٩٣ ]
ويقال: مَشَجْت (١) هذا بهذا أي: خلطته فهو ممشوج، ومشيج، مثل مخلوط وخليط (٢). قال أبو ذؤيب:
كأن الريش والفوقين منه خلاف النصل سيط به مشيج (٣)
قال ابن عباس - ﵄ - (٤) (٥)، وعكرمة (٦)، ومجاهد (٧)، والربيع (٨)
_________________
(١) في الأصل: شنجت، وما أثبته من (س).
(٢) ذكره الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ٢١٤، والرازي في "مفاتيح الغيب" ٣٠/ ٢٣٦، والهمداني في "إعراب القرآن" ٤/ ٥٨٣، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٨، وابن منظور في "لسان العرب" ٢/ ٣٦٧.
(٣) البيت للداخل بن حرام الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" للعسكري (ص ٦١٩)، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٢٧٩، "أساس البلاغة" للزمخشري (ص ٥٩٥)، ونسباه لأبي ذؤيب، "لسان العرب" لابن منظور ٢/ ٣٦٨، "تاج العروس" للزبيدي ٦/ ٢١٥ ونسباه لزهير بن حرام الداخل الهذلي. قلت: والبيت ليس لأبي ذؤيب كما ذكر أبو عبيدة، بل هو لعمرو بن الداخل الهذلي في قصيدته في "ديوان الهذليين" ٣/ ١٠٤.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٤، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٨١ لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم أيضًا، وذكره ابن فورك [١٩٧/ ب] والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢.
(٥) في (س): قال ابن عباس - ﵄ -، والحسن، وعكرمة. .
(٦) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٣، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ١٦٢.
(٧) السابق.
(٨) أخرجه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨٢، والطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٤.
[ ٢٨ / ١٩٤ ]
يعني: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما جميعًا الولد.
وماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيها علا ماء صاحبه كان الشبه له (١).
وقال قتادة: هي أطوار الخلق: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحمًا، ثم عظمًا، ثم يكسوه لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر (٢).
وقال الضحاك: أراد اختلاف ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء، فهي مختلفة الألوان (٣)، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس (٤) - ﵄ -، وابن أبي نجيح، عن
_________________
(١) هذا القول رواه قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا فمنه يكون الشبه". رواه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه (٣٩٣٨)، ومسلم كتاب الحيض، باب بيان صفة مني الرجل (٣١٥)، وأحمد في "المسند" ٣/ ٢٧١ (١٣٨٦٨).
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨٢، والطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٤، وذكره ابن فورك في [١٩٧/ ب] ولم ينسبه، والماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ١٦٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢. والعلقة: هي قطعة دم منعقد. انظر: "النهاية في كريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٣/ ٢٦٢. والمضغة: القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ، وجمعها: مضغ. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ٤/ ٢٨٩.
(٣) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٥٤، وابن المنذر، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨٢، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" =
[ ٢٨ / ١٩٥ ]
مجاهد (١)، وكذلك قال عطاء الخراساني، والكلبي: الأمشاج الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة أو الصفرة (٢).
وقال عبد الله بن مسعود (٣)، وأسامة بن زيد (٤) - ﵄ -: هي العروق التي تكون في النطفة.
وروى ابن جريج، عن عطاء: الأمشاج الهنُ الذي كأنه عَتَب (٥).
وقال الحسن: نعم والله خُلقت من نطفة مُشجت بدم، وهو دم الحيض فإذا حبلت (٦)؛ ارتفع دم الحيض (٧).
_________________
(١) = ٦/ ١٦٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢. أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٥٥، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٤٨٢ لعبد بن حميد، وابن المنذر أيضًا، وذكره ابن فورك [١٩٧/ ب] والماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ١٦٣.
(٢) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٨/ ٢٩٢، "البحر المحيط" لأبي حيان ٨/ ٣٨٦.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨١، وذكره ابن فورك [١٩٧/ ب] ولم ينسبه، والماوردي في "النكت والعيون" ٦/ ١٦٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢.
(٤) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٥، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨٢، كلاهما عن زيد، وذكره ابن فورك [١٩٧/ ب] ولم ينسبه.
(٥) في (س): اللون الذي فيه كآبة.
(٦) في (س): فإذا حملت.
(٧) أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٨٢، وذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٩٢، والرازي في "مفاتيح الغيب" ٣٠/ ٢٣٦، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٧٧.
[ ٢٨ / ١٩٦ ]
وقال يمان: كل لونين (١) اختلطا فهما (٢) أمشاج (٣).
وقال ابن كيسان: الأمشاج: الأخلاط؛ لأنها (٤) ممتزجة من أنواع، فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة (٥).
وقال أهل المعاني: بناء الأمشاج بناء جمع، وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت النطفة، وهذا كما يقال: بُرْمة أعشار، وثوب أخلاق، ونحوهما (٦) (٧).
_________________
(١) في الأصل: لون، وما أثبته من (س).
(٢) في (س): فهو.
(٣) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٨/ ٢٩٢، "لباب التأويل" للخازن ٤/ ٣٧٧، ولم ينسبه.
(٤) في (س): لأنهما.
(٥) ذكره الزمخشري في "الكشاف" ٦/ ٢٧٥، والرازي في "مفاتيح الغيب" ٣٠/ ٢٣٦، كلاهما لم ينسباه، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٩، ونسبه إلى ابن السكيت، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٧٧، ولم ينسبه.
(٦) ذكره الزمخشري في "الكشاف" ٦/ ٢٧٤، والهمداني في "إعراب القرآن" ٤/ ٥٨٣، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٩.
(٧) قال الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٥: وأشبه هذِه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك ﴿مِن نُّطفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ نطفة الرجل ونطفة المرأة؛ لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا انتقلت صارت علقة، فقد استحالت عن معنى النطفة، فكيف تكون نطفة أمشاجًا وهي علقة؟ وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد، وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة، وإذا كانت لونًا واحدًا لم تكن ألوانًا مختلفة، وأحسب أن الذين قالوا: هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى. ا. هـ. والبرمة: القدر من الحجارة.
[ ٢٨ / ١٩٧ ]
[٣٣١٧] وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي (١) يقول: سمعت أبا عثمان المغربي (٢) يقول: سئلت وأنا بمكة عن قوله تعالى: ﴿أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ﴾ فقلت: ابتلى الله تعالى الخلق بتسعة أمشاج: ثلاث مفتنات، وثلاث كافرات، وثلاث مؤمنات.
فأما الثلاث المفتنات: فسمعه، وبصره، ولسانه.
وأما الثلاث الكافرات: فنفسه، وهواه، وشيطانه.
وأما الثلاث المؤمنات: فعقله، وروحه، وملكه.
فإذا أيد الله تعالى العبد بالمعونة، سلّط العقل على القلب فملكه، واستأثرت (٣) النفس والهوى، فلم يجد إلى الحركة سبيلًا، فجالست (٤)
_________________
(١) = والأعشار: العشر: جمعه أعشار. القطعة من كل شيء إذا جزئ إلى عشر قطع. والمعنى: أي برمة منكسرة إلى قطع عشرة. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ٤/ ٥٦٨ - ٥٧٢. ومعنى ثوب أخلاق أي بالي. والخلق: جمعه أخلاق للمذكر والمؤنث، يقال: ثوب خلق، وجبة خلق، ويقال: ثوب أخلاق، وثياب أخلاق. انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١٠/ ٨٨. قال الألوسي في "روح المعاني" ٢٩/ ١٥٣: والحاصل أنه نزل الموصوف منزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه.
(٢) محمد بن الحسين، تكلموا فيه، وليس بعمدة.
(٣) سعيد بن سلام، شيخ الصوفية، لم يذكر بجرح أو تعديل.
(٤) في (س): واستأنس.
(٥) في (س): فجاست.
[ ٢٨ / ١٩٨ ]