قال سفيان: فأخبرت بهذا الحديث ابن أبي نجيح فقال: هل تدرون ما المطيطاء؟ هو مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ يتبخر.
٣٤ - قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾
هذا وعيد من الله تعالى على وعيد لأبي جهل (١)، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد (٢).
قالت الخنساء:
هممت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لها (٣)
[٣٣١٢] أنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي (٤) قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي (٥) الأديب قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب (٦):
_________________
(١) قاله قتادة: أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٠، وذكره ابن فورك [١٩٧/ أ] والماوردي في "النكت والعيون". ٦/ ١٥٩، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٨٦، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٢.
(٢) ذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" (ص ٥٠١)، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٨٦، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٣:
(٣) انظر: "ديوانها" (ص ١٢٦)، "لسان العرب" لابن منظور ١٥/ ٤١٢، "المحرر الوجيز" لابن عطية ٥/ ٤٠٧.
(٤) الحبيبي، قيل: كذبه الحاكم.
(٥) قال الدارقطني: يضع الحديث.
(٦) إمام النحو، ثقة حجة.
[ ٢٨ / ١٧٣ ]
يا ويس لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاويه
أُلفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه (١)
وقال بعض العلماء: معناه أنك أولى وأجدر بهذا العذاب، وأحق، وأولى: يقال للرجل يصيبه مكروه يستوجبه (٢).
وقيل: هي كلمة تقولها العرب لمن قاربه (٣) المكروه، وأصلها من الولي وهو: القرب. قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٤) (٥).
_________________
(١) [٣٣١٢] الحكم على الإسناد: فيه أبو القاسم تكلم فيه الحاكم، والبلوي يضع الحديث. والبيت: ذكره أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري في "النوادر" (ص ٦٢)، وابن منظور في "لسان العرب" ١/ ٢٣٨، والزبيدي في "تاج العروس" ٢/ ٩٢. وهو منسوب لعمرو بن ملقط الطائي. وفيه: يا أوس.
(٢) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٨/ ٢٨٦، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٩/ ١١٣، ولم ينسباه، "الفتوحات الإلهية" للجمل ٤/ ١٨٦، "فتح القدير" للشوكاني ٥/ ٣٩٤، ونسبه لثعلب.
(٣) في (س): قارنه.
(٤) التوبة: ١٢٣.
(٥) قاله الأصمعي كما حكاه عنه ثعلب: ذكره النحاس في "معاني القرآن" ٥/ ٩٣، والبغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٨٦، وابن أبي الحسين النيسابوري في "معاني القرآن" ٢/ ٢٩٥، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٣.
[ ٢٨ / ١٧٤ ]
ويقال: ثم الذي يليه: أي يقرب منه (١)، قال الشاعر:
فصالوا صولهم فيمن يليهم وصلنا ولنا فيمن يلينا (٢)
وقال آخر:
هجرت غضوب وحب من يتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب (٣)
[٣٣١٣] حكى لنا الأستاذ أبو القاسم الحبيبي (٤) أنه سمع أبا الهيثم السجزي (٥) وكان عارفًا بالمعاني يقول حاكيًا عن بعض العلماء: أن قوله: ﴿أَوْلَى﴾ من المقلوب، مجازه: أويل من الويل، كما يقال: ما أطيبه وأيطبه، وعاقني وعقاني (٦) وأيم وأيامي وأصله أيايم (٧)، وقوس وقسي، وأصله قووس (٨).
_________________
(١) انظر: "الفتوحات الإلهية" للجمل ٤/ ١٨٦.
(٢) البيت لعمرو بن كلثوم في "ديوانه" (ص ٨٣)، "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي ١/ ١٤٥، وبلا نسبة في "أساس البلاغة" للزمخشري (ص ٣٦٥).
(٣) البيت لساعدة بن جؤية في "شرح أشعار الهذليين" للسكري ٣/ ١٠٩٧، "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٢٩٢.
(٤) الحسن بن محمد السدوسي، قيل: كذبه الحاكم.
(٥) في (س): السنجري، ولم أجده.
(٦) في (س): وعافني وعفاني.
(٧) في (س): يايم.
(٨) [٣٣١٣] الحكم على الإسناد: شيخ المصنف تكلم فيه الحاكم، وأبو الهيثم لم أجده. =
[ ٢٨ / ١٧٥ ]
ومعنى الآية كأنه يقول لأبي جهل: الويل لك يوم تجيء، والويل لك يوم تموت والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار وتخلد فيها (١).
قال قتادة: ذكر لنا أن النبي - ﷺ - لما نزلت هذِه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء فقال له: "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى"، فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز من مشى بين جبليها، فلما كان يوم بدر، أشرف عليهم وقال: لا يُعبد الله بعد اليوم فصرعه الله تعالى شر مصرع، وقتله أسوأ (٢) قتله أقعصه أبناء عفراء، وأجهز عليه ابن مسعود - ﵁ -.
قال: وذكر لنا أن أبا جهل كان يقول: لو علمت أن محمدًا رسول الله ما أتبعت غلامًا من قريش (٣).
_________________
(١) = التخريج: ذكره الهمداني في "إعراب القرآن" ٤/ ٥٧٩، والشوكاني في "فتح القدير" ٥/ ٣٩٤ نحوه.
(٢) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات" (ص ٦٥٩)، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٣، والشوكاني في "فتح القدير" ٥/ ٣٩٤.
(٣) في (س): شر.
(٤) إسناده صحيح، إلا أنه مرسل. وقد رواه عبد الرزاق في "تفسير القرآن" ٢/ ٣٣٤، والطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٠، من طريق ابن ثور كلاهما عن معمر بن راشد البصري. ورواه الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٢٥٠ من طريق يزيد، وابن أبي حاتم كما =
[ ٢٨ / ١٧٦ ]
وذُكر لنا أن النبي - ﷺ - كان يقول: "لكل أمة فرعون، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل" (١).
_________________
(١) = عند ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" ١٤/ ٢٠٣ من طريق إسحاق، كلاهما عن سعيد بن جبير. كلاهما: معمر، وسعيد، عن قتادة به. والخبر أخرجه أيضًا عبد بن حميد، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٤٧٨، وذكره البغوي في "معالم التنزيل" ٨/ ٢٨٧، والخازن في "لباب التأويل" ٤/ ٣٧٤، والواحدي في "الوسيط" ٤/ ٣٩٦، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١١٢ - ١١٣، والقول منسوب للكلبي ومقاتل كما في "النكت والعيون" للماوردي ٦/ ١٥٩.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وما وجدته خبرًا مطولًا آخره: "هذا فرعون هذِه الأمة". وهذا الحديث يرويه عبد الله بن مسعود ﵁، ويرويه عنه اثنان:
(٣) أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: رواه الطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٥ (٨٤٧٦) من طريق أبي المليح. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٠٢ (٣٨٢٥) من طريق زهير، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب الرخص في السلاح (٢٧٠٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٣ (٨٤٧١) من طريق يوسف بن إسحاق، وأحمد في "المسند" ١/ ٤٤٤ (٤٢٤٦) من طريق إسرائيل. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٠٦ (٣٨٥٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٤ (٨٤٧٢) من طريق شعبة، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٩/ ١٠٦، وفي "دلائل النبوة" ٣/ ٨٧، وأبو يعلى في "المسند" ٩/ ١٧١ (٥٢٦٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٣ (٨٤٧٠) من طريق عثام بن علي، عن الأعمش. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٤٤ (٤٢٤٧)، والحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الباحث" ٢/ ٦٩٩ (٦٨٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٤ (٨٤٧٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٣/ ٨٨ من طريق سفيان الثوري. ورواه أحمد في "المسند" ١/ ٤٠٣ (٣٨٢٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" =
[ ٢٨ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٩/ ٨٢ (٨٤٦٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٩/ ١٠٦ من طريق شريك، وأبي إسحاق الفزاري كما في "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ٣/ ٨٩. ثمانيتهم عن أبي إسحاق السبيعي. كلاهما: أبو المليح، وأبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود به نحوه. وهذا الطريق فيه انقطاع، فأبو عبيدة لم يلق أباه.
(٢) عمرو بن ميمون: رواه أبو داود الطيالسي في "المسند" (ص ٤٣) (٣٢٨)، وعنه الطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٤ (٨٤٧٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٩/ ١٥٨، عن أبي وكيع. ورواه البزار في "البحر الزخار" ٥/ ٢٤٨ من طريق أبي الأحوص. ورواه النسائي في "السنن الكبرى" ٣/ ٤٨٨ (٦٠٠٤)، وأبو عوانة في "المسند" ٤/ ٢٣٧ (٦٦٤١)، والطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٨٤ (٨٤٧٤) من طريق زيد بن أبي أنيسة. ثلاثتهم: أبو وكيع، وأبو الأحوص، وزيد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو، عن ابن مسعود به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ٨١: رجاله رجال الصحيح. ا. هـ. إلا أن النسائي قال: خالف ابن أبي أنيسة سفيان الثوري، فرواه عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورواية سفيان هي الصواب. قلت: وعلى هذا: فأبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود وهم ممن دونه. والمحفوظ: أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود. وهذا الإسناد منقطع كما سبق، فتحصل من ذلك كله: ضعف الحديث من كلا الطريقين يوضح ذلك قول الإمام الدارقطني في "العلل" ٥/ ٢٩٥: يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه، فرواه الأعمش، وشريك، وإسرائيل، وأبو وكيع، وزهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه يحيى بن عبد الله =
[ ٢٨ / ١٧٨ ]