ألقى مؤلف هذا التفسير ضوءا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولا اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنّة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة:
[ ١ / ٧ ]
فرقة أهل البدع والأهواء، وعدّ منهم الجبائي والرماني.
وفرقة من ألّفوا فأحسنوا، إلّا أنّهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعدّ منهم أبا بكر القفال.
وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعدّ منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي.
وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين، والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.
وفرقة حازوا قصب السبق في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طوّلوا في كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات، وعدّ منهم ابن جرير الطبري.
وفرقة جردت التفسير دون الأحكام وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي.
ثم بيّن أنّه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربا به إلى الله ﷾
ثم قال: ثم استخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذّب، ملخّص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب.
ثم قال: وخرّجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والترتيلات، والقصص والروايات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات. أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب، وسمّيته (كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن) .
ثم ذكر في أول الكتاب- كما يأتي- أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها في أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنّفات أهل عصره-
[ ١ / ٨ ]
وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابا في فضل القرآن وأهله، وبابا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير.
والحق أنّ هذا التفسير من التفاسير المعتبرة، حيث فسّره بما جاء عن السلف مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، وأنّه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسّع ظاهر، كما في الآية (٩٠) من سورة البقرة عند ذكر نعم وبئس.
كما أنّه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلا عند ما يصل إلى تفسير الآية (١٧١) من سورة البقرة نجده يحلل كلمة (ينعق) تحليلا دقيقا ويصرفها على وجوهها كلها.
وهكذا عند تفسير الآية (١٧٣) من السورة نفسها يحلل لفظ (البغي) ويتكلم عن أصل المادة بتوسّع.
ويتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عند ما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويتعرض للمسألة من جميع نواحيها.
فمثلا عند تفسير الآية (١١) من سورة النساء فإنّه يفيض في الكلام عمّا يفعل بتركة الميّت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجدّ والجدّة والجدّات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول ﷺ.
ونجده عند تفسير الآية (٢٤) من سورة النساء يتوسع في نكاح المتعة ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم بتوسع ظاهر.
وعند ذكر الآية (٣١) من سورة النساء فإنّه يقول: (فصل في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنّة، مقرونة بالدليل والحجة) ثم يسردها جميعا ويذكر أدلتها على وجه التفصيل.
وعند تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء فإنّه يعرض أقوال السلف في معنى (اللمس والملامسة) ثم يقول:
واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب.
ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عند ما يتكلم عن قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
[ ١ / ٩ ]
وذكر فضائل أهل البيت ﵃ عند ذكر الآيات النازلة في حقّهم، وبالخصوص الآيات النازلة في حق علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه عن السلف الصالح.
وهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة لا يكاد يجدها القارئ في كتاب تفسيري آخر.
وكان هذا التفسير ولا زال مصدرا من المصادر الإسلامية التي يرجع إليها حتى عند كثير من المفسرين، وأهل التاريخ والحديث وغيرهم.
[ ١ / ١٠ ]