قال مالك بن أنس: يجب عليه قراءتها إذا خافت الإمام، فأمّا إذا جهر فليس عليه [شيء] .
وبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد: يلزمه القراءة أسرّ الإمام أو جهر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يلزمه القراءة خافت أو جهر.
واتّفق المسلمون على أن صلاته [صحيحة] إذا قرأ خلف الإمام «٤» .
والدليل على وجوب القراءة على المأموم كوجوبها على الإمام ما
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن أبي إسحاق، حدّثنا مكحول، وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أحمد بن عبد الرّحمن بن سهل، حدّثنا سهل بن عمار، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ابن الربيع عن عبادة ابن الصامت قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة فلمّا انصرف رسول الله ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه وقال: «إني لأراكم تقرؤون خلفي؟» «٥» . قلنا: أجل والله يا رسول الله هذا. قال: «فلا تفعلوا إلّا بأمّ الكتاب فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» «٦» [٤٩] .
وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وجابر وابن مسعود وعمران بن حصين وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وهشام بن عامر ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وجماعة كبيرة من التابعين وأئمة المسلمين روي عنهم جميعا أنهم رأوا القراءة خلف الإمام واجبة.
_________________
(١) سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.
(٢) سورة البقرة: ١٩٦.
(٣) كذا الظاهر.
(٤) راجع الشرح الكبير لابن قدامة: ٢/ ١٢.
(٥) في المصدر: وراء إمامكم.
(٦) صحيح ابن خزيمة: ٣/ ٣٦.
[ ١ / ١٣١ ]
ووجه القول القديم ما
روى سفيان عن عاصم بن أبي النجود، عن ذكوان، عن أبي هريرة وعائشة أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر.
واحتج أبو حنيفة وأصحابه بما
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا الوليد ابن حمّاد اللؤلؤي: حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدّثنا أبو حنيفة عن الحسن عن عبد الله بن شدّاد بن الماد عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: «من صلّى خلف امام فإنّ قراءة الإمام له قراءة» [٥٠] «١» .
وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن يونس، حدّثنا الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» [٥١] «٢» .
فأمّا حديث عبد الله بن شدّاد فهو مرسل، رواه شعبة وزائدة وابن عينية وأبو عوانة وإسرائيل وقيس وجرير وأبو الأحوص مرسلا، والمرسل لا تقوم به حجّة، والوليد بن حماد والحسن لا يدرى من هما. وأما خبر جابر الجعفي فهو ساقط، قال زائدة: جابر كذاب، وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر. وقال ابن عينية: كان جابر لا يوقن بالرجعة.
وقال شعبة: قال لي جابر: دخلت إلى محمد بن علي فسقاني شربة وحفظت عشرين ألف حديث.
ولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه.
وقد روي عن جابر بن عبد الله ما خالف هذه الأخبار،
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، أخبرنا سعد بن عامر، عن شعبة، عن مسعر عن يزيد بن الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام
، ومحال أن يروي جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن قراءة الإمام قراءة المأموم ثم يقرأ خلف الإمام ويأمر به مخالفة للنبي ﷺ.
واحتجوا أيضا بما
روي عن عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهيل عن عوان عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يكفيك قراءة الإمام جهر أو لم يجهر» [٥٢] «٣» .
وهذا الحديث أيضا لا يثبته أهل المعرفة بالحديث لأنه غير متن الحديث، وإنما الخبر الصحيح فيه عن أبي هريرة ما
أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدّثنا العباس ابن محمد الدوري، حدّثنا بشر بن كلب، حدّثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه،
_________________
(١) نصب الراية: ٢/ ١٦.
(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٣٩.
(٣) نصب الراية: ٢/ ١٨، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٧، بتفاوت.
[ ١ / ١٣٢ ]
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج غير تمام» «١» . قال: فقلت له: إذا كان خلف الإمام؟ قال: فأخذ بذراعي وقال: «يا فارسي- أو قال: يا ابن الفارسي- اقرأ بها في نفسك» [٥٣] «٢» .
واحتجوا أيضا بما
روى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرءون خلف النبي ﷺ فقال: «خلطتم عليّ القرآن» «٣» .
وهذا الخبر فيه نظر، ولو صحّ لكان المنع من القراءة كما
رواه النضر بن شميل.
أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال لقوم يقرءون القرآن ويجهرون به: «خلطتم عليّ القرآن» [٥٤] «٤»
، فليس في نهيه عن القراءة خلف الإمام جهرا ما يمنع عن القراءة سرّا. ونحن لا نجيز الجهر بالقراءة خلف الإمام لما فيه من سوء الأدب والضرر الظاهر.
وقد روى يحيى بن عبد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلّي، فإنه يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» [٥٥] «٥» .
ودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن زياد الأشعري قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر. وكذلك الجواب عن احتجاجهم
بخبر عمران بن الحصين قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر والعصر فلما انصرف قال: أيّكم قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) «٦»، قال رجل: أنا ولم أرد به إلّا الخير. فقال رسول الله ﷺ: «قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» [٥٦] «٧» .
واحتجّوا أيضا
بحديث أبي هريرة: فإذا قرأ فأنصتوا، وليس الإنصات بالسكوت فقط إنّما الإنصات أن تحسن استماع الشيء ثم يؤدى كما سمع
، يدل عليه قوله تعالى في قصّة الجن:
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا «٨» .
وقد يسمى الرجل منصتا وهو قارئ مسبّح إذا لم يكن جاهرا به، ألا ترى
أن النبي ﷺ
_________________
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: ١٣٢. []
(٢) مسند الحميدي: ٢/ ٤٣٠.
(٣) مجمع الزوائد: ٢/ ١١٠.
(٤) مجمع الزوائد: ٢/ ١١٠.
(٥) مسند أحمد: ٢/ ١٢٩، مجمع الزوائد: ٢/ ٢٦٥، بتفاوت.
(٦) سورة الأعلى: ١.
(٧) مسند أحمد: ٤/ ٤٢٦.
(٨) سورة الأحقاف: ٢٩- ٣٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
قال: «من أتى الجمعة فأنصت ولم يلغ حتى يصلي الإمام كان له كذا وكذا» [٥٧] «١» .
فسمّاه منصتا وإن كان مصلّيا ذاكرا،
وقيل للنبيّ ﷺ: ما تقول أيضا؟ قال: «أقول اللهمّ اغسلني من خطاياي»
فدلّ أنّ الإنصات وهو ترك الجهر بالقراءة دون المخافتة بها، يدل عليه ما
أخبرنا به أبو القاسم الحسين، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد، حدّثنا عبيد بن السكن، حدّثنا إسماعيل بن عباس، أخبرنا محمد بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى صلاة مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأمّ القرآن» «٢» .
قال: قلت: يا رسول الله، إني ربما أكون وراء الإمام.
قال ﷺ: «اقرأ إذا سكت إنما جعل الإمام ليؤتمّ به» [٥٨] «٣» .
قد رواه الثقات الأثبات عن أبي هريرة مثل الأعرج وهمام بن منبّه وقيس بن أبي حازم وأبي صالح وسعيد المقبري والقاسم بن محمد وأبي سلمة، ولم يذكروا: (وإذا قرأ فأنصتوا) .
وأمّا احتجاجهم بقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا «٤»، فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
آخر السورة، وبالله التوفيق.
_________________
(١) مسند أحمد: ٤/ ١٠، سنن الدارمي: ١/ ٣٦٣، بتفاوت.
(٢) المصنّف لعبد الرزّاق: ٢/ ١٣٣، وكنز العمّال: ٧/ ٤٤٢، ح ١٩٦٨٨.
(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣١٤، وسنن الدارمي: ١/ ٢٨٧، وصحيح البخاري: ١/ ١٠٠.
(٤) سورة الأعراف: ٢٠٤.
[ ١ / ١٣٤ ]