بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبدا والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه: لما لم يكن للباء عمل إلّا الكسر كسرت.
وقال المبرّد: العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت: بيبيت، فرددتها إلى الياء والياء أخت الكسرة كما أن الواو أخت الضمة والألف أخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم.
وطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلّا بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز (﵀) يقول لكتّابه: (طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيما لكلام الله تعالى) .
وقال أبو «١» .. خالد بن يزيد المرادي: العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالّا على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٢» بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من (اسم) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها.
وفي الكلام إضمار واختصار تقديره: قل، أو ابدأ بسم الله.
وقال آدم: الاسم فيه صلة، مجازه: «٣» بالله الرّحمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر «٤»
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر «٥»
_________________
(١) بياض في المخطوط.
(٢) سورة العلق: ١.
(٣) أو معناه. (هامش المخطوط) .
(٤) شرح الرضي على الكافية: ٢/ ٢٤٢.
(٥) الصحاح: ٢/ ٧٣٨.
[ ١ / ٩٢ ]
أي ثم السلام عليكما.
ومعناه: بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقا بين المتيمّن والمتيمّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنى واحدا. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى «١»، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: يا يَحْيى «٢» . فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى.
وقوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها «٣» وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات.
وقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٤»، وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ «٥» .
وقوله ﷺ: «لتضربنّ مضر عباد الله حتّى لا يعبد له اسم»
«٦» [١٣] أي حتى لا يعبد هو.
ثم يقال: رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه: أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أدخلت ألف مهموزة لسكون السين لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال:
سميّ وسميّة لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي. واشتقاقه من (سما) (يسمو)، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوما فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر.
وأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم.
فأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية.
أخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عيسى بن
_________________
(١) سورة مريم: ٧. []
(٢) سورة مريم: ١٣.
(٣) سورة يوسف: ٤٨.
(٤) الأعلى: ١.
(٥) الرّحمن: ٧٨.
(٦) مجمع الزوائد: ٧/ ٣١٣.
[ ١ / ٩٣ ]
مريم أسلمته أمّه إلى الكتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم: قل «١» باسم الله. قال عيسى: وما باسم الله؟ فقال له المعلّم: ما أدري. قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مملكة الله» «٢» [١٤] .
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول: سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في بِسْمِ اللَّهِ: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة:
فالباء على ستة أوجه:
بارئ خلقه من العرش الى الثرى، ببيان قوله:
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٣» .
بصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه: إنه على كل شيء بصير «٤» .
باسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ «٥» .
وباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى: بيانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ «٦» .
باعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ «٧» .
بارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٨» .
والسين على خمسة أوجه:
سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ «٩» .
سيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: اللَّهُ الصَّمَدُ «١٠» .
سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ «١١» .
سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ «١٢» .
_________________
(١) في المصدر: أكتب.
(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٨١.
(٣) سورة الطور: ٢٨.
(٤) سورة الملك: ١٩.
(٥) سورة الرعد: ٢٦.
(٦) سورة الرّحمن: ٢٦.
(٧) سورة الحج: ٧.
(٨) سورة الطور: ٢٨.
(٩) سورة الزخرف: ٨٨. []
(١٠) سورة الإخلاص: ٢.
(١١) سورة البقرة: ٢٠٢.
(١٢) سورة الحشر: ٢٤.
[ ١ / ٩٤ ]
غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه: قوله: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ «١» .
والميم على اثني عشر وجها:
ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ» .
مالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ «٣» .
منّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ «٤» .
مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ «٥» .
مؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «٦» .
مهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ «٧» .
مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ «٨» .
مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا «٩» .
متكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «١٠» .
منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً «١١» .
متفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ «١٢» .
مصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ «١٣» .
وقال أهل الحقائق: «١٤» في بِسْمِ اللَّهِ التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ب بِسْمِ اللَّهِ لمّا افتتح الله ﷿ كتابه به
، والله أعلم.
اللَّهِ، اعلم أن أصل هذه الكلمة (إله) في قول أهل الكوفة، فأدخلت الألف واللام فيها تفخيما وتعظيما لما كان اسم الله ﷿، فصار (الإله)، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأدغمت الأولى في الثانية، فقالوا (الله) .
_________________
(١) سورة غافر: ٣.
(٢) سورة الحشر: ٢٣.
(٣) سورة آل عمران: ٢٦.
(٤) سورة الحجرات: ١٧.
(٥) سورة البروج: ١٥.
(٦) سورة قريش: ٤.
(٧) سورة الحشر: ٢٣.
(٨) سورة القمر: ٥٥.
(٩) سورة النساء: ٨٥.
(١٠) سورة الإسراء: ٧٠.
(١١) سورة لقمان: ٢٠. []
(١٢) سورة البقرة: ٢٥١.
(١٣) سورة الحشر: ٢٤.
(١٤) بياض في المخطوط.
[ ١ / ٩٥ ]
وقال أهل البصرة: أصلها (لاه)، فألحقت بها الألف واللام، فقالوا: (الله) . وأنشدوا:
كحلفة من أبي رباح يسمعها الآهه الكبار «١»
فأخرجه على الأصل.
وقال بعضهم: أدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في (إله)، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا: يا أيها الله.
دفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين «٢» ثمة، واختلفوا فيه فقال الخليل بن أحمد وجماعة: (الله) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّا من صفة كما لو كان موصوفا بتلك الصفة أو بعضها، قال الله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٣» .
(الله): اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، يعني: أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلّا هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي (له)، وإذا أسقطت من (له) اللام بقي هو.
قالوا: وإذا أطلق هذا الاسم على غير الله فإنما يقال بالإضافة كما يقال: لاه كذا أو ينكر فيقال: لله كما قال تعالى إخبارا عن قوم موسى ﵇: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «٤» . وأما (الله)، و(الإله) فمخصوصان لله تعالى.
وقال قوم: أصله (لاها) بالسريانية، وذلك أن في آخر أسمائهم مدّة، كقولهم للروح:
(روحا)، وللقدس: (قدسا)، وللمسيح: (مسيحا)، وللابن: (ابنا)، فلما طرحوا المدّة بقي (لاه)، فعرّبه العرب وأقرّوه.
ولا اشتقاق له، وأكثر العلماء على أنه مشتق واختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن إسماعيل: هو من التألّه، وهو التنسّك والتعبّد، قال رؤبة:
لله در الغانيات المدّه سبحن واسترجعن من تألهي «٥»
ويقال: أله إلاهة، كما يقال: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: (ويذرك وإلهتك) أي عبادتك فمعناه عبادتك المعبود الذي تحقّ له العبادة.
_________________
(١) الصحاح: ٦٧/ ٢٢٤٨.
(٢) بياض في المخطوط.
(٣) سورة مريم: ٦٥.
(٤) سورة الأعراف: ١٣٨.
(٥) الصحاح: ٦/ ٢٢٤٩.
[ ١ / ٩٦ ]
وقال قوم هو من (الإله)، وهو الاعتماد، يقال: ألهت إلى فلان، آله إلها، أي فزعت إليه واعتمدت عليه، قال الشاعر:
ألهت إليها والركائب وقّف «١»
ومعناه: أن الخلق يفزعون ويتضرعون إليه في الحوادث والحوائج، فهو يألههم، أي يجيرهم، فسمي إلها، كما يقال: إمام للذي يؤتم به، ولحاف ورداء وإزار وكساء للثوب الذي يلتحف به، ويرتدى به «٢»، وهذا معنى قول ابن عباس والضحّاك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من (ألهت في الشيء) «٣» إذا تحيّرت فيه فلم تهتد إليه، قال زهير:
«٤» .. يأله العين وسطها
مخفّفة وقال الأخطل:
ونحن قسمنا الأرض نصفين نصفها لنا ونرامي أن تكون لنا معا
بتسعين ألفا تأله العين وسطها متى ترها عين الطرامة تدمعا «٥»
ومعناه: أن العقول تتحيّر في كنه صفته وعظمته والإحاطة بكيفيته، فهو إله كما قيل للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب «٦» .
وقال المبرّد: هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر:
ألهت إليها والحوادث جمّة
فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «٧» .
وسمعت أبا القاسم الحسن: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القناد يقول: أصله من (الوله)، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك. وأصله (أله) - بالهمزة- فأبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و(وكاف، وإكاف) و(أرّخت الكتاب، وورّخته) و(ووقّتت، وأقّتت) . قال الكميت:
_________________
(١) لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩.
(٢) كذا في المخطوط.
(٣) يكون مشتق من: الوله، وهو التحيّر.
(٤) بياض في المخطوط.
(٥) غريب الحديث: ٢/ ٣٤٧.
(٦) لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩. []
(٧) سورة الرعد: ٢٨.
[ ١ / ٩٧ ]
ولهت نفسي الطروب إليهم ولها حال دون طعم الطعام «١»
فكأنه سمّي بذلك لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره.
وقيل: معناه: محتجب لأن العرب إذا عرفت شيئا، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلها، قال: لاهت العروس تلوه لوها، إذ حجبت.
قال الشاعر:
لاهت فما عرفت يوما بخارجة يا ليتها خرجت حتّى رأيناها «٢»
والله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام.
وقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي ارتفع.
وقد قيل: من [إلا هتك]، فهو كما قال الشاعر:
تروّحنا من اللعباء قصرا «٣» وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا «٤»
وقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر:
ألهنا بدار ما تبين رسومها كأن بقاياها وشام على اليد «٥»
فكأن معناه: الدائم الثابت الباقي.
وقال قوم: [ان يقال] «٦» ذاته وهي قدرته على الإخضاع.
وقال الحارث بن أسد المجلسي، أبو عبد الله البغدادي: الله من (ألههم) أي أحوجهم، فالعباد مولوهون إلى بارئهم أي محتاجون إليه في المنافع والمضارّ، كالواله المضطرّ المغلوب.
وقال شهر بن حوشب: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وقال أبو بكر الوراق: هو.
وغلّظ بعض بقراءة اللام من قوله: (اللَّهِ) حتى طبقوا اللسان به الحنك لفخامة ذكره، وليصرف عند الابتداء بذكره وهو الرب.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال قوم: هما بمعنى واحد مثل (ندمان، ونديم) و(سلمان،
_________________
(١) لسان العرب: ١٣/ ٥٦١.
(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠١.
(٣) في اللسان: عصرا.
(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥، ولسان العرب: ١/ ٢١٩.
(٥) تاج العروس: ٩/ ٣٧٥.
(٦) كذا في المخطوط.
[ ١ / ٩٨ ]
وسليم)، وهوان وهوين. ومعناهما: ذو الرحمة، والرحمة: إرادة الله الخير بأهله، وهي على هذا القول صفة ذات. وقيل: هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة، [وفعل] الخير إلى من لم يستحق، وعلى هذا القول صفة فعل، يجمع بينهما للاتّساع، كقول العرب: جاد مجد. قال طرفة:
فما لي أراني وابن عمي مالكا متى أدن منه ينأ عني ويبعد «١»
وقال آخر:
وألفى قولها كذبا ومينا»
وفرّق الآخرون بينهما فقال: بعضهم الرَّحْمنِ على زنة فعلان، وهو لا يقع إلّا على مبالغة القول. وقولك: رجل غضبان للممتلئ غضبا، وسكران لمن غلب عليه الشراب. فمعنى (الرَّحْمنِ): الذي وسعت رحمته كل شيء.
وقال بعضهم: (الرَّحْمنِ) العاطف على جميع خلقه كافرهم ومؤمنهم، برّهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «٣»، و(الرَّحِيمِ) بالمؤمنين خاصّة بالهداية والتوفيق في الدنيا، والجنة والرؤية في العقبى، قال تعالى: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا «٤» .
ف (الرَّحْمنِ) خاصّ اللفظ عامّ المعنى، و(الرَّحِيمِ) عامّ اللفظ خاصّ المعنى. و(الرَّحْمنِ) خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلّا الله تعالى، عامّ من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع. و(الرَّحِيمِ) عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به، خاص من طريق المعنى لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق. وهذا قول جعفر بن محمد الصادق (﵁) .
الرَّحْمنِ اسم خاص بصفة عامة، والرَّحِيمِ اسم عام بصفة خاصة، وقول ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الدّقاق، حدّثنا الحسن بن محمد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال: الرَّحْمنِ بأهل الدنيا، والرَّحِيمِ بأهل الآخرة
. وجاء في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وقال الضحّاك: الرَّحْمنِ بأهل السماء حين أسكنهم السماوات، وطوّقهم الطاعات،
_________________
(١) الفروق اللغوية: ١١٨.
(٢) الصحاح: ٦/ ٢٢١٠.
(٣) سورة الأعراف: ١٥٦.
(٤) سورة الأحزاب: ٤٣.
[ ١ / ٩٩ ]
وجنّبهم الآفات، وقطع عنهم المطاعم واللذات. والرَّحِيمِ بأهل الأرض حين أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وأعذر إليهم في النصيحة وصرف عنهم البلايا.
وقال عكرمة: الرَّحْمنِ برحمة واحدة، والرَّحِيمِ بمائة رحمة وهذا المعنى قد اقتبسه من قول النبي ﷺ الذي
حدّثناه أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو، حدّثنا أبو هريرة وأحمد بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود ابن معاذ، أخبرنا عمير بن مروان عن عبد الملك أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وأخّر تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» «١» [١٥] .
وفي رواية أخرى: «إن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فمكملها مائة يوم القيامة، يرحم بها عباده» «٢» [١٦] .
وقال ابن المبارك: (الرَّحْمنِ: الذي إذا سئل أعطى، والرَّحِيمِ إذا لم يسأل غضب. يدلّ عليه ما
حدّثنا أبو القاسم المفسّر، حدّثنا أبو يوسف رافع بن عبد الله بمرو الروذ، حدّثنا خلف ابن موسى: حدّثنا محمود بن خداش، حدّثنا هارون بن معاوية، حدّثنا أبو الملج وليس الرقّي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من لم يسأل الله يغضب عليه «٣»
، نظمه الشاعر فقال:
إن الله يغضب إن تركت سؤاله وبنيّ آدم حين يسأل يغضب «٤» [١٧]
وسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد النسفي يقول: سمعت أبا عبد الله- وهو ختن أبي بكر الوراق- يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول: (الرَّحْمنِ:
بالنعماء وهي ما أعطي وحبا، والرَّحِيمِ بالآلاء وهي ما صرف وزوى) .
وقال محمد بن علي المزيدي: الرَّحْمنِ بالانقاذ من النيران، وبيانه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها «٥»، والرَّحِيمِ بإدخالهم الجنان، بيانه: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ «٦» .
وقال المحاسبي: (الرَّحْمنِ: برحمة النفوس، والرَّحِيمِ برحمة القلوب) .
_________________
(١) صحيح مسلم: ٨/ ٩٦، سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٣٥ بتفاوت.
(٢) المستدرك: ٤/ ٢٤٨، بتفاوت.
(٣) فتح الباري: ١١/ ٧٩. []
(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٤.
(٥) سورة الحجر: ٤٦.
(٦) سورة آل عمران: ١٠٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقال السريّ بن مغلس: (الرَّحْمنِ بكشف الكروب، والرَّحِيمِ بغفران الذنوب) .
وقال عبد الله بن الجرّاح: (الرَّحْمنِ ب «١» .. الطريق، والرَّحِيمِ بالعصمة والتوفيق) .
وقال مطهر بن الوراق: (الرَّحْمنِ بغفران السيّئات وإن كن عظيمات، والرَّحِيمِ بقبول الطاعات وإن كنّ [قليلات] «٢») .
وقال يحيى بن معاذ الرازي: (الرَّحْمنِ بمصالح معاشهم، والرَّحِيمِ بمصالح معادهم) .
وقال الحسين بن الفضل: (الرَّحْمنِ الذي يرحم العبد على كشف الضر ودفع الشر، والرَّحِيمِ الذي يرقّ وربما لا يقدر على الكشف) .
وقال أبو بكر الوراق أيضا: (الرَّحْمنِ بمن جحده والرَّحِيمِ بمن وحّده، والرَّحْمنِ بمن كفر والرَّحِيمِ بمن شكر، والرَّحْمنِ بمن قال ندّا والرَّحِيمِ بمن قال فردا) .