هي عشرة، وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى:
الأول: فاتحة الكتاب، سمّيت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الأمور تيمّنا وتبرّكا وهي التسمية. وقيل: سمّيت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. وقال الحسين بن الفضل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.
والثاني: سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد، كما قيل: سورة (الأعراف) و(الأنفال) و(التوبة) ونحوها.
والثالث: أمّ الكتاب والقرآن سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما
_________________
(١) كتاب الدعاء للطبراني: ٨٩، كنز العمّال: ١/ ٥٥٩، ح ٢٥١٢. []
(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣١٢.
(٣) المصنّف لعبد الرزّاق: ٢/ ٩٨، ح ٢٦٤٩.
[ ١ / ١٢٦ ]
أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها كالأم للطفل، وقيل: سمّيت بذلك لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أشرف البلدان. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مقدّمة على سور القرآن، فهي أصل وإمام لما يتلوها من السور، كما أن أم القرى أصل جميع البلدان دحيت الأرض من تحتها. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أمّ الرأس لأنها مجمع الحواس والمنافع.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد المفسّر يقول: سمعت أبا بكر القفّال يقول: سمعت أبا بكر البريدي يقول: الأم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر.
قال قيس بن الخطيم:
نصبنا أمّنا حتى ابذعرّوا وصاروا بعد إلفتهم شلالا
فسمّيت أم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية. والعرب تسمي الأرض أمّا لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أمية بن أبي الصلت:
والأرض معقلنا وكانت أمّنا فيها مقابرنا وفيها نولد «١»
وأنشدني أبو القاسم قال: أنشدنا أبو الحسين المظفّر محمد بن غالب الهمداني قال:
أنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا أبي قال: أنشدني أحمد بن عبيدة:
نأوي إلى أمّ لنا تعتصب كما ولها أنف عزيز وذنب
وحاجب ما إن نواريها الغصب من السحاب ترتدي وتنتقب «٢»
يعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أمّا لهذه المعاني. وقال الحسين بن الفضل:
سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل [صلاة و] «٣» تقدم على كل سورة، كما أن أمّ القرى إمام لأهل الإسلام. وقال ابن كيسان: سميت بذلك لأنها تامة في الفضل.
والرابع: السبع المثاني، وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله.
والخامس: الوافية،
حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبي عن أمّه عن محمد بن نافع السنجري، حدّثنا أبو يزيد محبوب الشامي، حدّثنا عبد الجبار بن العلاء قال:
كان يسمي سفيان بن عيينة فاتحة الكتاب: الوافية، وتفسيرها لأنها لا تنصف ولا تحتمل الاجتزاء إلّا أن كل سورة من سور القرآن لو قرئ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة كان جائزا، ولو نصفت الفاتحة وقرئت في ركعتين كان غير جائز.
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.
(٢) لسان العرب: ١٥/ ١٦٨ باختصار.
(٣) بياض في مصوّرة المخطوط، والأقرب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٢٧ ]
والسادس: الكافية،
أخبرنا أبو القاسم السدوسي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن مالك المسوري، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عمران قال: حدّثنا سهيل بن [محمّد] «١»، حدّثنا عفيف بن سالم قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام فقال: عن الكافية تسأل؟
قلت: وما الكافية؟ قال: أما علمت أنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. إياك أن تصلي إلّا بها.
وتصديق هذا الحديث ما
حدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر المفسر، حدّثنا عبد الرّحمن بن عمر ابن مالك الجوهري بمرو، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن يسار، عن محمد بن عباد الاسكندراني عن أشهب بن عبد العزيز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّ القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضا» «٢» [٤١] .
والسابع: الأساس،
حدّثنا أبو القاسم الحسين بن محمد المذكر، حدّثنا أبو عمرو بن المعبّر محمد بن الفضل القاضي بمرو، حدّثنا أبو هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود بن معاد، أخبرنا وكيع قال: إن رجلا أتى الشعبي فشكا إليه وجع الخاصرة، فقال:
عليك بأساس القرآن. قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب. قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس غير مرّة يقول: إن لكل شيء أساسا وأساس العمارة مكة لأنها منها دحيت الأرض وأساس السماوات غريبا «٣»، وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرّة الجنان، وعليها أسّست الجنان، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى وعليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم ﵇، وأساس الأنبياء نوح ﵇، وأساس بني إسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.
والثامن: الشفاء،
حدّثنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتّب لفظا، حدّثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الرفّاء، أخبرنا محمد بن أيوب الواقدي، حدّثنا أبو عمرو بن العلاء، حدّثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ» «٤» [٤٢] .
وأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن الحسن الصفار الفقيه،
_________________
(١) كذا الظاهر.
(٢) كنز العمّال: ١/ ٥٥٨، إرواء الغليل: ٢/ ١١.
(٣) في تفسير القرطبي (١/ ١١٣) عريبا.
(٤) تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.
[ ١ / ١٢٨ ]
حدّثنا أبو العباس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا معاوية بن صالح، عن أبي سليمان قال:
مرّ أصحاب رسول الله ﷺ في بعض غزواتهم على رجل مقعد متربّع فقرأ بعضهم في أذنه شيئا من القرآن فبرئ، فقال رسول الله ﷺ: «هي أمّ القرآن، وهي شفاء من كل داء» «١» [٤٣] .
أخبرنا أحمد بن أبيّ الخوجاني، أخبرنا الهيثم بن كليب الشامي، حدّثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا سعيد بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه قال: جاء عمي من عند رسول الله ﷺ، فمرّوا بحيّ من الأعراب، فقالوا: انّا نراكم قد جئتم من عند هذا الرسول، إنّ عندنا رجلا مجنونا مخبولا، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فقال عمّي: نعم. فجيء به، فجعل عمي يقرأ أمّ القرآن وبزاقه فإذا فرغ منها بزق فجعل ذلك ثلاثة أيام، فكأنّما أهبط من جبال، قال عمي: فأعطوني عليه جعلا، فقلت: لا نأكله حتى نسأل رسول الله ﷺ. فسأله، فقال: «كله، فمن الحلّ ترقيه بذلك. لقد أكلت برقية حق» «٢» .
والتاسع: الصلاة، قد تواترت الأخبار بأن الله تعالى سمّى هذه السورة، وهو ما يعرف انّه لا صلاة إلّا بها.
أخبرنا عبد الله بن حامد وأحمد بن يوسف بقراءتي عليهما قالا: أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأته على ابن نافع، وحدّثنا مطرف عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرّحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿: قسمت الصلاة- يعني هذه السورة- بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، فإذا قرأ العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله تعالى: أثنى عليّ عبدي.
وإذا قال العبد: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله: مجّدني عبدي. وإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها قال: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل «٣» [٤٤] .
والعاشر: سورة تعلم المسألة لأن الله تعالى علّم فيه عباده آداب السؤال، فبدأ بالثناء ثم الدعاء، وذلك سبب النجاح والفلاح.
القول في وجوب قراءة هذه السورة في الصلاة.
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدّثنا بشر بن مطير، حدّثنا
_________________
(١) سنن الدارمي: ٢/ ٤٤٥، بتفاوت.
(٢) بتفاوت في سنن أبي داود: ٢/ ١٢٩، ح ٣٤٢١.
(٣) تفسير القرطبي: ١/ ١٢١، مسند أحمد: ٢/ ٢٨٥، بتفاوت.
[ ١ / ١٢٩ ]
سفيان، حدّثنا العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب «١» فهي خداج- ثلاث مرات- غير تمام» «٢» [٤٥] .
وأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا ابن عباس، حدّثنا عبد الرّحمن بن بشر، حدّثنا ابن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»»
[٤٦] .
أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا أبو قبيصة، حدّثنا سفيان عن جعفر بن علي بيّاع الأنماط عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: «لا صلاة إلّا بقراءة فاتحة الكتاب» «٤» [٤٧] .
وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الوارث بن حنظلة السدوسي قال: قلت لعكرمة: إنّي ربّما قرأت في المغرب قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وأنّ الناس يعيبون عليّ ذلك، فقال: سبحان الله اقرأ بهما فإنّهما من القرآن، ثمّ قال: حدّثنا ابن عبّاس أنّ النبي ﷺ خرج فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلّا بفاتحة الكتاب لم يزد على ذلك غيره.
وأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العبّاس الأصمّ، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدّثنا الشافعي، حدّثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب» «٥»
واحتجّ من أجاز الصلاة بغيرها بقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وأخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد بقراءتي عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا أبو المثنّى حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل وصلّى ثم جاء فسلّم على رسول الله ﷺ فقال: «ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ» حتى فعل ذلك ثلاث مرات. قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غير هذا، فعلّمني. قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تَيَسَّرَ معك مِنَ الْقُرْآنِ ثم اركع» [٤٨] «٦» .
وهذه اللفظة يحتمل أنه أراد أن كل ما وقع عليه اسم قرآن وجهل إنما يراد سورة بعينها،
_________________
(١) في المصدر: بأمّ القرآن.
(٢) شرح مسلم: ٤/ ١٠١، تفسير القرطبي: ١/ ١١٩. []
(٣) كتاب المسند: ٣٦، مسند أحمد: ٥/ ٣١٤.
(٤) مسند أحمد: ٢/ ٤٢٨.
(٥) مسند أحمد: ٥/ ٣١٤، وكتاب المسند للشافعي: ٣٦.
(٦) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٧.
[ ١ / ١٣٠ ]
فلمّا احتمل الوجهين نظرنا فوجدنا النبي ﷺ صلّى بفاتحة الكتاب وأمر بها [وشدّد على] «١» من تركها، فصار هذا الخبر مجملا، والأخبار التي رويناها مفسرة، والمجمل يدل على المفسر، وهذا كقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ «٢» ثم لم يجز أحد [ترك الهدي] «٣» بل ثبتها رسول الله ﷺ بالصفة أن لا يكون أعور ولا أعرج ولا معيوبا، فكذلك أراد بقوله ﷿ وقول رسول الله ﷺ ما فسّر بالصفة التي بينها أن تكون سورة الحمد إذا أحسنها، وقدرها إذا لم يحسنها. فبالعلة التي أوجبوا قراءة آية تامة مع قوله: «ما تَيَسَّرَ» له وجه ظاهره العلم، والله أعلم.