واختلف الناس في أنّ التسمية هل هي من الفاتحة؟ فقال قرّاء المدينة والبصرة وقرّاء الكوفة: إنها افتتاح التيمّن والتبرّك بذكره، وليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ولا تجب قراءتها وأن الآية السادسة قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة﵏- ورووا ذلك عن أبي هريرة.
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكابلي، أخبرنا علي بن عبد العزيز الحلّي، حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، حدّثنا الحجاج عن أبي سعيد الهذلي عن «٣» .. عن أبي هريرة قال (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الآية السادسة
، فزعمت فرقة أنها آية من أمّ القرآن، وفي سائر السور فصل، فليست هاهنا أنها يجب قراءتها.
[وقال قوم: إنها آية من فاتحة الكتاب] «٤» رووا ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال قرّاء مكة والكوفة وأكثر قرّاء الحجاز، ولم يعدّوا أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية.
وقال الشافعي والشعبي وهو رأي عبد الله أنها نزلت في الآية الأولى من فاتحة الكتاب،
_________________
(١) بياض في المخطوط.
(٢) بياض في المخطوط، وما ذكرناه هو الظاهر.
(٣) بياض في المخطوط.
(٤) كلام غير مقروء والظاهر ما أثبتناه.
[ ١ / ١٠١ ]
وهي من كل سورة آية إلّا التوبة. والدليل عليه الكتاب والسنة أمّا الكتاب
سمعت أبا عثمان بن أبي بكر الزعفراني يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن موسى يقول:
سمعت الحسن بن المفضّل يقول: رأيت الناس «١» .. في النمل أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيها من القرآن فوجدتها بخطها ولو أنها مكرّرات في القرآن، فعرفنا أماكنها منه بل حتى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «٢»، فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «٣» لما كانا في القرآن كانت مكرّراتهما من القرآن.
وبلغنا أن رسول الله ﷺ كتب في بدء الأمر على رسم قريش: «باسمك اللهم» حتى نزلت: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها «٤» فكتب: بِسْمِ اللَّهِ حتى نزلت:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «٥»، فكتب: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ»، حتى نزلت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٦»، فكتب مثلها فلمّا كانت هذه وحيث أن يكون.. «٧» .. منه ثم افتخر النبي ﷺ بهذه الآية، وحقّ له ذلك.
حدّثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوراق: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه حدّثنا محمد ابن يحيى بن سهل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا سلمة بن الأحمر عن يزيد بن أبي خالد عن عبد الكريم بن أمية عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟» . فقلت: بلى. قال: «بأي شيء تفتتح إذا افتتحت القرآن؟» . قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: «هي هي» «٨» [١٨] .
وفي هذا الحديث دلّ دليل على كون التسمية آية تامّة من الفاتحة وفواتح السور لأن النبي ﷺ حين لفظ الآية كلها، والتي في سورة النمل ليست بآية وإنما هي بعض الآية، وبالله التوفيق.
وأمّا الأخبار الواردة فيه،
فأخبرنا أبو القاسم السدوسي، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ابن عبد الله العنبري، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا أبو سفيان المعمري عن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إن الفضل الرقاشي زعم أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ليس من القرآن؟ قال: سبحان الله! ما أجرأ هذا الرجل! سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علم أن السورة قد ختمت وفتح غيرها.
_________________
(١) بياض في المخطوط.
(٢) سورة الرّحمن: ١٣.
(٣) سورة المرسلات: ١٥.
(٤) سورة هود: ٤١.
(٥) سورة الإسراء: ١١٠.
(٦) سورة النمل: ٣١.
(٧) بياض في المخطوط. []
(٨) مجمع الزوائد: ٢/ ١٠٩ بتفاوت.
[ ١ / ١٠٢ ]
وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي: حدّثنا أبو محمد إسماعيل ابن عيسى الواسطي: حدّثنا عبد الله بن نافع عن جهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟» [١٩] قال: أقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال: «قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١» .
وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو الحسين. «٢» ..، حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا عمر بن هارون البلخي عن أبي صالح عن أبي مليكة عن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني يقطّعها آية آية حتّى عدّ سبع آيات عدّ الأعراب.
أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد، حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثنا الحسين بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وكان يقول: «من ترك قراءتها فقد نقص» . وكان يقول: «هي تمام السبع المثاني والقرآن العظيم» .
وأخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدّثنا جعفر بن حيّان عن عبد الملك بن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي «٣» قال: فاتحة الكتاب.
وقيل لابن عباس: أين السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وعدّها في يديه ثم قال: أخرجها لكم، وما أجد فيها أمركم.
أخبرنا [محمّد بن الحسين] حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدّثنا يزيد بن سنان، حدّثنا أبو بكر الحنفي، حدّثنا نوح بن أبي بلال قال: سمعت المقبري عن أبي هريرة أنه قال:
إذا قرأتم أمّ القرآن فلا تبرحوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنها إحدى آياتها وإنها السبع المثاني.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، حدّثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدّثنا أحمد بن نصر، حدّثنا آدم بن إياس عن أبي سمعان عن العلا، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يقول الله: قسمت الصلاة
_________________
(١) تاريخ جرجان: ٤٩١.
(٢) بياض في المخطوط.
(٣) سورة الحجر: ٨٧.
[ ١ / ١٠٣ ]
بيني وبين عبادي نصفين فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: فوّض إليّ أمره عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» «١» [٢٠] .
وأخبرنا علي بن محمد بن الحسن المقري، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد القصّار، حدّثنا محمد بن بكر البصري، حدّثنا محمد بن علي الجوهري، حدّثنا. «٢» .. حدثني أبو إسماعيل بن يحيى. «٣» ..، حدّثنا سفيان الثوري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كنت مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ يحدّث أصحابه إذ دخل رجل يصلّي، وافتتح الصلاة، وتعوّذ، ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فسمع النبي ﷺ فقال: «يا رجل، قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية منه فقد قطعت عليه صلاته» «٤» . لا تكون الصلاة إلّا بفاتحة الكتاب، ومن ترك آية فقد بطلت صلاته [٢١] .
وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن هشام، أخبرنا محمد بن يحيى، حدّثنا حكيم بن الحسين، حدّثنا سليمان بن مسلم المكّي عن نافع عن أبي مليكة عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقد ترك آية من كتاب الله» «٥» [٢٢] .
وقد عدّها علي ﵇ فيما عدّ من أمّ الكتاب.
وأما الإجماع،
فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الورّاق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا عبد الوهّاب بن فليح، عن عبد الله بن ميمون عن عبيد بن رفاعة أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلّى بالناس صلاة يجهر فيها، ولمّا قرأ أم القرآن ولم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقضى صلاته، ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيت! أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حين استفتحت القرآن؟ فأعادها لهم معاوية فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
_________________
(١) السنن الكبرى: ١/ ٣١٦، أحكام القرآن: ١/ ٨، تفسير ابن كثير: ١/ ١٢، بتفاوت.
(٢) بياض في المخطوط.
(٣) بياض في المخطوط.
(٤) الدر المنثور: ١/ ٧، عن الثعلبي.
(٥) الدر المنثور: ١/ ٧.
[ ١ / ١٠٤ ]