القرآن هو اللّفظ المنزّل على سيّدنا محمّد ﷺ بما يدلّ عليه من معانيه، فالقرآن هو اللفظ والمعنى معا. فالمعنى وحده لا يسمّى قرآنا، واللفظ وحده لا يتأتّى أن يكون دون معنى مطلقا، لأن أصل الوضع في اللفظ إنما هو للدلالة على معنى معيّن.
ولذلك وصف القرآن بوصف لفظه، فقال الله عنه إنه عربيّ حيث قال ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٥) وقال ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٦) وقال ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (^٧) ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٨) ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٩).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ج ٥ ص ٣٨٦ وصحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب ذكر الدجال: الحديث (٢٩٣٤/ ١٠٥).ولفظه: [مكتوب بين عينيه كافر؛ يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب].
(٢) الأعراف ١٥٨/.
(٣) آل عمران ٧٥/.
(٤) الجمعة ٢/.
(٥) يوسف ٢/.
(٦) فصلت ٣/.
(٧) الزمر ٢٨/.
(٨) الشورى ٧/.
(٩) الزخرف ٣/.
[ ١ / ٣٠ ]
والعربية وصف للفظ القرآن لا لمعانيه لأن معانيه معاني إنسانيّة وليست معاني عربيّة، وهي لبني الإنسان وليست للعرب. وأما قوله تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ (^١) فإن معناها حكمة مترجمة بلسان العرب، وليس معناه حكمة عربية.
فالعربية وصف للفظه ليس غير. ولفظه لا يوصف إلاّ بالعربية فحسب، وهو لا اسم له على مسمّاه غير العربية لا حقيقة ولا مجازا ولذلك لا يصحّ أن يقال عن كتابة بعض معانيه بغير اللغة العربية إنّها قرآن. فعربية القرآن حتميّة وهي عربية لفظه فحسب.
والقرآن هو معجزة للنبي محمّد ﷺ. وإنه وإن كانت هنالك معجزات أخرى للنبي ﷺ. قد جرت على يده غير القرآن، كما ورد ذلك في القرآن نفسه وفي صحاح السّنة، فإن النبيّ ﷺ لم يتحدّ بها، بل كان التحدّي بالقرآن وحده. ولذا نقول إنّ القرآن هو معجزة النبي محمّد ﷺ التي بها ثبتت رسالته منذ نزول القرآن عليه إلى يوم القيامة. وقد أعجز القرآن العرب عن أن يأتوا بمثله وتحدّاهم أن يأتوا بمثله، فقال تعالى في تحدّيه لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (^٢) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (^٣) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (^٤) وقد بلغ من تحديه لهم أنه قال لهم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٥).فعجز الذين خوطبوا بالقرآن عن أن يأتوا بمثله، وعجزهم هذا ثابت بطريق التواتر ولم يعرف التاريخ ولا روى أحد أنّهم أتوا بمثله.
_________________
(١) الرعد ٣٧/.
(٢) البقرة ٢٣/.
(٣) يونس ٣٨/.
(٤) هود ١٣/.
(٥) الإسراء ٨٨/.
[ ١ / ٣١ ]
وهذا التحدي ليس خاصّا بالذين خوطبوا بل هو تحدّ عام إلى يوم القيامة. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالقرآن متحدّ البشر كلهم منذ نزوله إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثله. ولذلك ليس القرآن معجزا للعرب الذين كانوا في أيّام الرسول فقط، ولا للعرب وحدهم في كلّ مكان وزمان، بل هو معجز للناس أجمعين، لا فرق في ذلك بين قبيل وقبيل، لأن الخطاب به للناس أجمعين. قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ (^١) ولأن آيات التحدي عامّة تقول: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهو يشمل الناس جميعا، ولأن القرآن أخبر عن عجز الإنس والجنّ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾.
وعجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وعجز الناس جميعا عن أن يأتوا بمثله، إنما هو لأمر ذاتي في القرآن نفسه. فإن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن أقبلوا عليه مأخوذين بقوة بلاغته، حتى أن الوليد بن المغيرة ليقول للناس: وقد سمع النبيّ ﷺ يقرأ القرآن [والله ما منكم رجل أعرف بالأشعار منّي ولا أعلم برجزه وقصيده منّي، والله ما يشبه الّذي يقوله شيئا من هذا، والله إنّ لقوله الّذي يقوله لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمورق أعلاه مغدق أسفله، وإنّه ليعلو ولا يعلى عليه] (^٢) مع أن الوليد هذا لم يؤمن وأصرّ على كفره. فالإعجاز آت من ذات القرآن، لأن الذين سمعوه والذين يسمعونه إلى يوم القيامة يشهدون ويتحيّرون من قوّة تأثيره وقوّة بلاغته، بمجرّد
_________________
(١) سبأ ٢٨/.
(٢) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام: ج ١ ص ٢٨٩ وفيه تفصيل قصة (تحيّر الوليد بن المغيرة فيما يصف فيه القرآن).والمستدرك على الصحيحين للحاكم: كتاب التفسير: باب مدح كلام الله من لسان الكافر: ج ٢ ص ٥٠٧ عن أبي سعيد الخدري: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي: باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله من الإعجاز وأنه لا يشبه شيئا من لغتهم: ج ٢ ص ١٩٨.والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٩ ص ٧٤. وأسباب النّزول للواحدي: ص ٢٩٥.والبرهان في علوم القرآن للزركشي: ج ٢ ص ١٧. ولباب النقول في أسباب النّزول: ص ٢٢٣.
[ ١ / ٣٢ ]
سماعهم له ولو جملة واحدة ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ﴾ (^١) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (^٢) ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ (^٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (^٤).
وهكذا تتلى آية من القرآن أو آيات، فإن ألفاظها وأسلوبها ومراميها تستغرق أحاسيس الإنسان وتستولي عليه.
وإعجاز القرآن أظهر ما يظهر في فصاحته وبلاغته وارتفاعه إلى درجة مدهشة.
ويتجلّى ذلك في أسلوب القرآن المعجز، فإنّ ما في أسلوبه من الوضوح والقوة والجمال ما يعجز البشر عن أن يصلوا إليه.
والأسلوب هو معاني مرتّبة في ألفاظ منسقة. أو هو كيفيّة التعبير لتصوير المعاني بالعبارات اللغوية، ووضوح الأسلوب يكون ببروز المعاني المراد أداؤها في التعبير الذي أدّيت به ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (^٥).وقوة الأسلوب تكون باختيار الألفاظ التي تؤدّي المعنى بما يتلاءم مع المعنى. فالمعنى الرقيق يؤدّى باللفظ الرقيق، والمعنى الجزل يؤدى باللفظ الجزل، والمعنى المستنكر يؤدى باللفظ المستنكر وهكذا ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ (^٦) ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا﴾ (^٧) ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (^٨) ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (^٩).
أما جمال الأسلوب فيكون باختيار أصفى العبارات وأليقها بالمعنى الذي أدّته، وبالألفاظ والمعاني التي معها في الجملة والجمل ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ﴾
_________________
(١) غافر ١٦/.
(٢) الزمر ٦٧/.
(٣) الأنفال ٥٨/.
(٤) الحج ١/-٢.
(٥) فصلت ٢٦/.
(٦) الإنسان ١٧/-١٨.
(٧) النبأ ٢١/-٢٣.
(٨) النجم ٢٢/.
(٩) لقمان ١٩/.
[ ١ / ٣٣ ]
﴿كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).
والمتتبع للقرآن يجد الارتفاع الشامخ الذي يتّصف به أسلوبه وضوحا وقوّة وجمالا. اسمع هذا الوضوح والقوة والجمال ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (^٢) ﴿*هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (^٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (^٤).
والقرآن طراز خاص من التعبير، ونظمه ليس على منهاج الشعر الموزون المقفّى، ولا هو على منهاج النثر المرسل، ولا هو على منهاج النثر المزدوج أو النثر المسجوع، وإنما هو منهاج قائم بذاته لم يكن للعرب عهد به ولا معرفة من قبل.
وكان العرب لفرط تأثّرهم بالقرآن لا يدرون من أيّ ناحية وصل إلى هذا الإعجاز. فصاروا يقولون ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (^٥) ويقولون إنه قول شاعر وإنه قول كاهن. ولذلك ردّ عليهم الله فقال: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (^٦).
وكون القرآن طراز خاص ونسيج منفرد واضح فيه كل الوضوح. فبينما تجده يقول: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٧) ويقول:
_________________
(١) الحجر ٢/-٣.
(٢) الحج ٨/.
(٣) الحج ١٩/-٢٢.
(٤) الحج ٧٣/.
(٥) يونس ٧٦/.
(٦) الحاقة ٤١/-٤٢.
(٧) التوبة ١٤/.
[ ١ / ٣٤ ]
﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (^١) مما هو نثر قريب من الشعر، إذ لو نظمت الآيتان لكانتا بيتين من الشعر هكذا:
ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (¬*)
لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون (¬**)
ولكنهما ليسا شعرا وإنما هو نوع من النثر فريد. وفي الوقت الذي تجد القرآن يقول هذا النوع من النثر تجده يقول: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (^٢) مما هو نثر بعيد عن الشعر كلّ البعد. وبينما تجده يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ (^٣) ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٤) فيطيل الفقرة والنّفس في النثر، وتجده يقول: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)﴾ (^٥) فيقصر الفقرة والنّفس في النثر. مع أن كلاّ منهما نثر في فقرات فقرات. وبينما تجده يبدع في النثر المرسل فيرسل في القول فيقول: ﴿*يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي﴾
_________________
(١) آل عمران ٩٢/.
[ ١ / ٣٥ ]
﴿الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١) تجده يبدع في النثر المسجّع ويسجع فيقول: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (^٢).
وتجده يتسامى في الازدواج ويزدوج فيقول: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (^٣) وتجده يطيل الازدواج فيقول:
﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٢٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (^٤) وبينما يسير في سجعة معينة إذا هو يعدل عنها إلى سجعة أخرى، فبينما يكون سائرا بالسّجع هكذا ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ إذا هو يعدل في الآية التي بعدها مباشرة فيقول:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ ثم يعدل عن هذه السّجعة إلى غيرها في الآية التي بعدها مباشرة فيقول:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ (^٥).
وهكذا تتبع جميع القرآن لا تجده ملتزما شيئا مما في أسلوب العرب من شعر أو نثر على مختلف أنواعهما ولا يشبه أيّ قول من أقوال العرب، ولا يشبهه أيّ قول من أقوال البشر.
ثم إنك تجد أسلوبه واضحا قويّا جميلا يؤدّي المعاني بكيفيّة من التعبير تصوّر المعاني أدقّ تصوير. فتجده حين يكون المعنى رقيقا يقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ (٢١)
_________________
(١) المائدة ٤١/.
(٢) المدثر ١/-٧.
(٣) التكاثر ١/-٦.
(٤) عبس ١٧/-٣١.
(٥) المدثر ٨/-١٠.
[ ١ / ٣٦ ]
﴿حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٢٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٢٣) وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ (^١) من الألفاظ الرقيقة والجمل السّلسة. وحين يكون المعنى جزلا يقول: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا﴾ من الألفاظ الفخمة والجمل الجزلة. وحين يكون المعنى محبّبا يأتي باللفظ المحبّب فيقول: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (^٢).
وحين يكون المعنى مستنكرا يأتي باللفظ المناسب لهذا المعنى فيقول: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (^٣) فيقول: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (^٤).وقد صاحب تأدية المعاني بهذه الكيفية من التعبير التي تصوّر المعاني مراعاة للألفاظ ذات الجرس الذي يحرّك النفس عند تصوّرها لهذه المعاني وإدراكها لها. ولذلك كانت تبعث في السامع المدرك لعمق هذه المعاني وبلاغة التعبير خشوعا عظيما حتى كاد بعض المفكّرين العرب من البلغاء أن يسجدوا لها مع كفرهم وعنادهم.
ثم إن المدقّق في ألفاظ القرآن وجمله يجد أنه يراعي عند وضع الحروف مع بعضها، الأصوات التي تحدث منها عند خروجها من مخارجها فيجعل الحروف المتقاربة المخارج متقاربة الوضع في الكلمة أو الجملة. وإذا حصل تباعد بين مخارجها فصل بينها بحرف يزيل وحشة الانتقال. وفي نفس الوقت يجعل حرفا محبّبا من مخرج خفيف على الأذن يتكرّر كاللازمة في الموسيقى، فلا يقول [كالباعق المتدفق] وإنما يقول: ﴿كَصَيِّبٍ﴾ (^٥) ولا يقول [الهعخع] وإنما يقول ﴿سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ (^٦) وإذا
_________________
(١) النبأ ٢١/-٢٦.
(٢) يوسف ١٠٠/.
(٣) النجم ٢١/-٢٢.
(٤) لقمان ١٩/.
(٥) البقرة ١٩/.الباعق من ب ع ق: البعاق: شدّة الصّوت. ومن المطر: الذي يفاجئ بوابل. والسّيل الدّفاع، ويثلّث فيهما، كالباعق. وفي الكلام الانصباب فيه بشدة، ورويّ: [أنّ الله تعالى يكره الانبعاق في الكلام فرحم الله عبدا أوجز في كلامه].ينظر مختار الصحاح للرازي، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة: (ب ع ق).
(٦) الإنسان ٢١/.
[ ١ / ٣٧ ]
لزم أن يستعمل الحروف المتباعدة وضعها في المعنى الذي يليق بها ولا يؤدّي المعنى غيرها مثل كلمة ﴿ضِيزى﴾ (^١) فإنه لا ينفع مكانها كلمة ظالمة ولا جائرة مع أنّ المعنى واحد. ومع هذه الدقة في الاستعمال، فإن الحرف الذي يجعله لازمة يرد في الآيات واضحا في التردّد، فآية الكرسي مثلا تردّدت اللام فيها ثلاثا وعشرين مرة بشكل محبّب يؤثّر على الأذن حتى ترهف للسّماع وللاستزادة من هذا السّماع.
وهكذا تجد القرآن طرازا خاصا، وتجده ينزل كلّ معنى من المعاني في اللفظ الذي يليق به، والألفاظ التي حوله، والمعاني التي معه، ولا تجد ذلك يتخلّف في أيّة آية من آياته. فكان إعجازه واضحا في أسلوبه من حيث كونه طرازا خاصا من القول لا يشبه كلام البشر ولا يشبهه كلام البشر. ومن حيث إنزال المعاني في الألفاظ والجمل اللائقة بها، ومن حيث وقع ألفاظه على أسماع من يدرك بلاغتها ويتعمق في معانيها فيخشع حتى يكاد يسجد لها، وعلى أسماع من لا يدرك ذلك فيأسره جرس هذه الألفاظ في نسق معجز يخشع له السامع قسرا ولو لم يدرك معانيه. ولذلك كان معجزة وسيظل معجزة حتى قيام السّاعة.