سورة الأحزاب مدنيّة، وهي خمسة آلاف وسبعمائة وتسعون حرفا، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وثلاث وسبعون آية.
قال ﷺ: [من قرأها وعلّمها أهله وما ملكت يمينه؛ أعطي الأمان من عذاب القبر] (^١) وبه التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب؛ وعكرمة بن أبي جهل؛ وأبا الأعور السّلمي قدموا فنزلوا على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين؛ وجدّ ابن قيس؛ ومعتب ابن قسر المنافقين.
وكان يومئذ مع المشركين عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فطلبوا النّبيّ ﷺ وقد كانوا طلبوا منه الأمان على أن يكلّموه، فقالوا له: يا محمّد ارفض ذكر آلهتنا اللاّت والعزّى ومنات، وقل: إنّ لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها، وندعك أنت وربّك! فشقّ ذلك على النّبيّ ﷺ.
فقال عمر بن الخطّاب ﵁: ائذن لي يا رسول الله في قتلهم، فقال ﷺ: [إنّي قد أعطيتهم الأمان].فأمر النّبيّ ﷺ عمر أن يخرجهم من المدينة، فقال لهم عمر ﵁: أخرجوا في لعنة الله وغضبه، وأنزل الله هذه الآية (^٢).
_________________
(١) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٨ ص ٥ عن أبي بن كعب وإسناده ضعيف. وذكره الزمخشري في الكشاف: ج ٣ ص ٥٤٨.
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول: ص ٢٣٦.وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١١٤؛-
[ ٥ / ١٦١ ]
ومعناها: يا أيّها النبيّ اتّق الله في نقض العهد الذي بينك وبين أهل مكّة لا تنقضه قبل أجله ﴿(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ)﴾ فيما دعوك إليه، ولا تمل إليهم، ولا ترفق بهم ظنّا منك أن ذلك أقرب إلى استمالتهم إلى الإيمان، فإن ذلك يؤدّي إلى أن يظنّ بك مقارنة القوم على كفرهم، فمعنى قوله ﴿(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ)﴾ يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة، والمنافقين عبد الله بن أبي وجدّ بن قيس وغيرهما.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١)؛أي عليما بأحوالهم، حكيما فيما أوجبه عليك في أمرهم وفيما يخلقه.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي اعمل بما أمرك الله في القرآن من مجانبة الكفّار والمنافقين وترك موافقتهم، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢)؛قرأ بالياء أبو عمرو، وقرأ الباقون بالتّاء أي خبير بك وبهم.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي فوّض أمرك إلى الله واعتمد عليه في معاملتهم بما أمرت به في شأنهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٣)؛أي حافظا وناصرا.
قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (نزلت هذه الآية في أبي معمّر جميل بن أبي راشد الفهريّ، وكان رجلا حافظا لبيبا لما يسمع، وكان يقول: إنّ في جوفي لقلبين، أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد! وكانت قريش تسمّيه ذا القلبين لدهائه وكثرة حفظه للحديث، فأنزل الله ﷿ هذه الآية تكذيبا لهم، فأخبر أنّه ما خلق لأحد قلبين.
فلمّا كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمّر، تلقّاه أبو سفيان وهو يعدو وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمّر ما فعل النّاس؟ قال: انهزموا. فقال له: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟! فقال:
_________________
(١) -قال القرطبي: (وقيل: إنها نزلت فيما قال الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم). وذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٢.
[ ٥ / ١٦٢ ]
ما شعرت إلاّ أنّهما في رجليّ. فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده) (^١).
وقال الزهريّ ومقاتل: (هو مثل ضربه الله للمظاهر امرأته والمتبنّي ولد غيره، يقول: فكما لا يكون للرّجل قلبان، لا تكون امرأة المظاهر أمّه حتّى لا يكون له أمّان، ولا يكون ولد ابن رجلين) (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ؛﴾ أي ما جعل نساءكم اللاّئي تقولون لهن: أنتنّ علينا كظهور أمّهاتنا، لم نجعلهن كأمّهاتكم في الحرمة. وكانت العرب تطلّق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفارة في سورة المجادلة.
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ؛﴾ أي ما جعل من تدّعونه ابنا من أبناء غيركم كأبنائكم الذين من أصلابكم في الانتساب والحرمة والحكم، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّى زيد بن حارثة بعد أن أعتقه، فكان يقال: زيد بن محمّد، فلمّا جاء الإسلام أمر أن تلحق الأدعياء بآبائهم، وكان يوم تبنّاه رسول الله ﷺ قبل الوحي (^٣).
قرأ نافع وأبو عمرو «(وتظّهّرون)» بفتح التاء وتشديد الظّاء والهاء من غير ألف، وقرأ الشّاميّ كذلك إلاّ أنّه بألف، وقرأ حمزة والكسائي مثل قراءة شامي إلاّ أنه بالتخفيف، وقرأ عاصم والحسن بضمّ التاء وتخفيف الظّاء وبألف وكسر الهاء، قال أبو عمرو: (وهذا منكر؛ لأنّ التّظاهر من التّعاون) (^٤).
_________________
(١) ذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٤.والواحدي في أسباب النزول: ص ٢٣٦ - ٢٣٧.والبغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٢٢.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١١٦.
(٢) ذكره مقاتل بمعناه في التفسير: ج ٣ ص ٣٤.
(٣) ذكره الواحدي في أسباب النزول: ص ٢٣٧.
(٤) ينظر: الحجة للقراءات السبعة: ج ٣ ص ٢٨٠.
[ ٥ / ١٦٣ ]
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ؛﴾ أي الذي تقولونه من إضافة القلبين إلى الرجل الواحد، وقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، وقول الرجل لغير ابنه: هذا ابني، قوله: تقولون بأفواهكم من غير أن يكون له حقيقة ولا عليه دلالة ولا حجّة، ﴿وَاللهُ؛﴾ تعالى، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ؛﴾ أي يبيّن أنّ الذين يقولونه قول باطل، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٤)؛أي يدلّ على طريق وإلى الدّين المستقيم.
قوله تعالى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ؛﴾ أي نسّبوا هؤلاء الأدعياء إلى الآباء الذين قد ولدوا على فراشهم وقولوا: زيد بن حارثة، ولا تقولوا: زيد بن محمّد.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ؛﴾ أي أعدل في حكم الله من نسبتكم إياهم إلى الذين تبنّوهم. وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (ما كنّا ندعوا زيد بن حارثة إلاّ زيد بن محمّد حتّى نزل قوله تعالى: ﴿(ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ)﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ؛﴾ فهم إخوانكم في الدّين؛ أي من أسلم منهم، ﴿وَمَوالِيكُمْ؛﴾ أي وبنو أعمامكم، فقولوا:
يا أخي ويا ابن عمّي. في الآية إباحة إطلاق اسم الأخوّة وحظر اطلاق اسم الأبوّة، وفي ذلك دليل على أن من قال لعبده: هذا أخي؛ لم يعتق لأنه يحتمل الأخوّة في الدّين، وإن قال: هذا ابني؛ عتق لأن ذلك ممنوع في غير النّسب.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ؛﴾ أي ليس عليكم إثم في نسبة الرجل إلى غير أبيه على وجه الخطأ. قال قتادة: (ولو دعوت رجلا
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٦٢؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر) وذكره. وأخرجه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٧٨٢).ومسلم في الصحيح: الحديث (٢٤٢٥/ ٦٢).وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ١٢ ص ٢٣٠:الحديث (١٣١٧٠).
[ ٥ / ١٦٤ ]
لغير أبيه وأنت تحسب أنّه أبوه لم يكن عليك بأس) (^١)، ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ؛﴾ أي ولكن الإثم عليكم فيما تعمّدونه من ادعائهم إلى غير آبائهم، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا؛﴾ أي لمن تعمّد ثم تاب، ﴿رَحِيمًا﴾ (٥)؛به بعد التوبة.
قوله تعالى: ﴿(وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)﴾ موضع قوله ﴿(فِيما)﴾ خفض عطفا على قوله ﴿(فِيما أَخْطَأْتُمْ)﴾ تقديره: ولكن فيما تعمّدت قلوبكم.
قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ أي هو أشفق وأبرّ وأحقّ بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وهو أولى بكلّ إنسان منه بنفسه. وقيل: معناه:
إذا حكم فيهم بشيء نفذ حكمه فيهم، ووجبت طاعته عليهم.
وقال ابن عبّاس: (إذا دعاهم النّبيّ ﷺ إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعة النّبيّ ﷺ أولى بهم من طاعة أنفسهم) (^٢).وقال مقاتل: (معناه طاعته النّبيّ ﷺ أولى بهم من طاعة بعضهم لبعض) (^٣).
وقالت الحكماء: النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنفسهم، تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبيّ ﷺ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. وقال أبو بكر الورّاق: (لأنّ النّبيّ ﷺ يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى).وقال بسّام بن عبد الله (^٤): (لأنّ أنفسهم تحرس من نار الدّنيا، والنّبيّ ﷺ يحرسهم من نار الآخرة).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٥٩١).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الأثر (١٧٥٨٢).
(٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٢٣.
(٣) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٥٠.
(٤) بسام بن عبد الله الصيرفي، أبو الحسن الكوفي. روى عن زيد بن علي بن الحسين وأخيه أبي جعفر الباقر، وجعفر الصادق وعطاء وعكرمة وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك ووكيع وأبو نعيم وغيرهم. ينظر: تهذيب التهذيب: الرقم (٧٠٦):ج ١ ص ٤٥٤.
[ ٥ / ١٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ؛﴾ أي كأمّهاتهم في تعظيم حقّهنّ وفي تحريم نكاحهن، فلا يحلّ لأحد أن يتزوّج بهنّ، كما لا يجوز التزويج بالأمّ. ولم يرد إثبات الأميّة من جميع الوجوه، ألا ترى أنه لا تحلّ رؤيتهن ولا يرين المؤمنين بخلاف الأمّهات، وكذلك لا يخلو بهنّ، ولا يسافر بهن، ولا يرثهن ولا يرثونه، ولو كن كالأمّهات من جميع الوجوه لكان النبيّ ﷺ لا يزوّج بناته من أحد من الناس؛ لأن البنات يكنّ أخوات المؤمنين.
ومن هذا المعنى ما روي: أنّ امرأة قالت لعائشة: يا أمّ، قالت: (لست لك بأمّ، إنّما أنا أمّ رجالكم) (^١) فبان بهذا أنّ معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. ولهذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أنّهن أخوات المؤمنين.
وفائدة تحريم نكاح أزواج النبيّ ﷺ على المؤمنين في حياته وبعد وفاته تعظيم أمره وتفخيم شأنه، ولذلك حرم على الابن نكاح امرأة أبيه.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ؛﴾ أي وذو القرابة بعضهم أحقّ بميراث بعض في حكم الله، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ؛﴾ إذا لم يكونوا قرابة، وذلك أنّهم كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالهجرة والمؤاخاة.
قال الكلبيّ: (آخا رسول الله ﷺ بين النّاس، فكان يؤاخي بين الرّجلين، وإذا مات أحدهم ورثه الثّاني دون عصبته وأهله، فمكثوا كذلك ما شاء الله حتّى نزلت الآية ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)﴾ من المؤمنين الّذين آخا رسول الله بينهم والمهاجرين، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة، وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات) (^٢).
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٦٧؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة ) وذكره.
(٢) نقله الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٠) بتفصيل عن ابن زيد.
[ ٥ / ١٦٦ ]
قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا؛﴾ (معروفا) استثناء ليس من الأول، ومعناه: لكن فعلكم إلى أوليائكم جائز، يريد أن يوصي الرجل لمن يتولاّه ممن لا يرثه بما أحبّ من ثلث ماله، فيكون الموصى له أولى بقدر الوصيّة من القريب الوارث، وقال ابن زيد: (معناه إلاّ أن توصوا لأوليائكم من المهاجرين) (^١).
قوله تعالى: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ (٦)؛أي كان الميزان للأقرباء، والوصية للأصدقاء، ونسخ الميراث بالهجرة وردّه إلى ذوي الأرحام مكتوبا في اللّوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ؛﴾ أي واذكر إذ أخذنا من النّبيّين عهودهم؛ أي يصدّق بعضهم بعضا، ويبشّر الأول بالآخر، ويأخذ كلّ رسول منهم على قوله بما أمر الله به، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛﴾ قيل: إنّ الواو مقحمة؛ وتقديره: منك ومن نوح، فيكونوا ﴿(مِنْكَ)﴾ ما بعده تفسير ﴿(النَّبِيِّينَ)﴾.
والفائدة في تخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذّكر؛ لأنّهم أهل الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرّسل، ولهم الأمم والتّبع. وقدّم ذكر النبيّ ﷺ لأن الخطاب معه. وجاء في التفسير: أنّ النّبيّ ﷺ قال: [إنّي خلقت قبل الأنبياء وبعثت بعدهم] (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ (٧)؛أي عهدا وثيقا بأن يعبدوني ولا يشركون بي شيئا. وقيل: وأخذنا منهم عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا.
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ؛﴾ أي لكي يسأل المبلّغين عن تبليغهم وهو قوله تعالى: ﴿ماذا أَجَبْتُمُ﴾ (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٠٧).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦٠٩) عن قتادة مرسلا. وابن أبي حاتم في التفسير: الحديث (١٧٥٩٤ و١٧٥٩٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وذكره.
(٣) القصص ٦٥/.
[ ٥ / ١٦٧ ]
وفائدة سؤال الرّسل وهم صادقون؛ لتكذيب الذين كفروا بهم فيكون هذا السؤال احتجاجا على الكاذبين، وإذا سئل الصّادقون، فكيف يظنّ بالكاذبين؟! وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (٨)؛أي أعدّ للّذين كفروا بالرّسل عذابا شديدا.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ؛﴾ يذكّرهم الله إنعامه عليهم في دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، وذلك: أنّ الكفّار جاءوا بأجمعهم في وقعة الخندق، وأحاطوا بالمدينة من أعلاها وأسفلها، طليحة بن خويلد الأسدي (^١) وأصحابه من فوق الوادي، وكان أبو الأعور السّلميّ وأصحابه من أسفل الوادي، وكان أبو سفيان وأصحابه ويهود بني قريظة في مواجهة المؤمنين (^٢)،فاشتدّ الخوف بالمؤمنين وزاغت أبصارهم؛ أي مالت من الخوف، ويقال: مالت أبصار المنافقين خوفا من النّظر إليهم. وكان الكفّار خمسة عشر ألفا، وبلغت قلوب المسلمين الحناجر؛ أي كادت تبلغ الحلوق، وذلك أنّ شدّة الخوف ترفع الرّئة، فترفع الرّئة القلب.
كما روي: أنّ المؤمنين قالوا: يا رسول الله! قد بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء؟ فقال ﷺ: [قولوا: اللهمّ استر عوراتنا وآمن روعاتنا، يكفيكهم الله تعالى] (^٣) فأرسل الله على الكفّار ريحا باردة منكرة شغلتهم عن الاستعداد للحرب، ومنعتهم من الثّبات على المكان، وقلعت خيامهم وأكفأت أوانيهم، ورسول الله ﷺ والمسلمون منها في سلامة، وليس بينهم إلاّ مسافة الخندق، وكان ذلك إحدى معجزاته ﵇ كما قال ﷺ: [نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور] (^٤).
_________________
(١) في المخطوط: (الأزدي).ترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب: ج ٢ ص ٣٢٤: الرقم (١٣٠٠).
(٢) ذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٧.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٤٤.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الحديث (١٧٥٩٩).والطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦١٤).وفي الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٧٣؛ قال السيوطي: (أخرجه أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد ) وذكره.
(٤) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٧٣؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في-
[ ٥ / ١٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ،﴾ يعني الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وهم عيينة بن حصن وأبو سفيان بن حرب وبنو قريظة، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا،﴾ وهي الصّبا، أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم (^١)،وقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها،﴾ يعني الملائكة؛ ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٩).
وروي: أنّ شابّا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله هل رأيت رسول الله ﷺ؟ قال: (إي والله لقد رأيته) قال: والله لو رأيناه لحملناه على رقابنا، وما تركناه يمشي على الأرض، فقال له حذيفة: (يا ابن أخي أفلا أحدّثك عنّي وعنه؟) قال: بلى. قال: (والله لو رأيتنا يوم الخندق، وبنا من الجهد والجوع ما لا يعلمه إلاّ الله. قام رسول الله ﷺ فصلّى من اللّيل ما شاء الله، ثمّ قال: [ألا رجل يأتي بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنّة؟] فو الله ما قام منّا أحد ممّا بنا من الخوف والجوع والجهد. ثمّ صلّى ما شاء الله، ثمّ قال: [ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنّة؟] فو الله ما قام منّا أحد ممّا بنا من الجهد والخوف والجوع. فلمّا لم يقم أحد، دعاني فلم أجد بدّا من إجابته، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: [اذهب فجئ بخبر القوم، ولا تحدثنّ شيئا حتّى ترجع].
قال حذيفة: قمت وجنبيّ يضطربان، فمسح رسول الله ﷺ رأسي ووجهي، ثمّ قال: [اللهمّ احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته].قال: فانطلقت أمشي حتّى أتيت القوم، وإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل، ما يستمسك لهم بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا يطمئنّ لهم قدر. فبينما هم كذلك، إذ خرج أبو سفيان من رحله، فقال: يا معشر قريش؛ ما أنتم بدار مقام، لقد
_________________
(١) -الكنى وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس) وذكره. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة: الحديث (٨٦٠/ ٦٠).
(٢) الفسطاط فيه لغات: فسطاط وفسطاط وفسّاط وفسّاط وفسّاط وفستاط. وهو: بيت من شعر، ويطلق ويراد به أيضا المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط. والمراد هنا الأول. ينظر: كتاب الغريبين: ج ٥ ص ١٤٤٧.ومختار الصحاح: ص ٥٠٣.
[ ٥ / ١٦٩ ]
هلكت الخفّ والحافر (^١) وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الرّيح لا يستمسك لنا معها شيء، ولا تثبت لنا نار ولا تطمئنّ قدر. ثمّ عجّل فركب راحلته، وإنّها لمعقولة ما حلّ عقالها إلاّ بعد ما ركبها.
فقال حذيفة: فقلت في نفسي: لو رميت عدوّ الله فكنت قد صنعت شيئا، فأوترت قوسي وأنا أريد أن أرميه، ثمّ ذكرت قول رسول الله ﷺ: [ولا تحدثنّ شيئا حتّى ترجع].فحططت القوس ثمّ رجعت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلّي، فلمّا فرغ قال: [ما الخبر؟] فأخبرته بذلك، فضحك حتّى بدت أنيابه في سواد اللّيل. ثمّ أدناني منه وبي من البرد ما أجده، فألقى عليّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه وهو قائم يصلّي) (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ أي مالت عن كلّ شيء، فلم تنظر إلاّ إلى عدوّها مقبلا من كلّ جانب، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ،﴾ والحنجرة جوف الحلق. قال قتادة: (شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنّه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت).
وقوله تعالى: ﴿(وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يعني الملائكة، بعث الله ملائكة على المشركين فقلعت أوتاد الخيل وأطناب الفساطيط، وأطفأت النيران وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى وقع بهم الرعب فانهزموا من غير قتال.
قوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،﴾ أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف البصري، وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، ﴿(وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)﴾،يعني من قبل المغرب فيهم أبو سفيان في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السّلمي من قبل الخندق.
_________________
(١) الخفّ: واحد أخفاف البعير. والحافر حافر الفرس. والمراد هنا الإبل والخيل.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦١٦).ومسلم في الصحيح: كتاب الجهاد والسير: باب غزوة الأحزاب: الحديث (١٧٨٨/ ٩٩).
[ ٥ / ١٧٠ ]
وكان من حديث الخندق: أنّ نفرا من اليهود منهم حييّ بن أخطب وكنانة بن الرّبيع وهوذة بن قيس وأبو عمارة الوائليّ، وجماعة من بني النّضير خرجوا حتّى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ فأجابوهم فاجتمعوا مع قريش.
فسارت وقائدها عيينة بن حصين الفزاريّ، وسارت بنو مرّة وقائدها الحارث بن عوف، وسارت بنو أشجع وقائدها مسعر بن رخيلة الأشجعيّ، وسارت قريش وقائدها أبو سفيان.
فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وكان الّذي أشار بالخندق على رسول الله ﷺ سلمان، فقال: يا رسول الله، إنّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا. فحفره رسول الله ﷺ والمسلمون حتّى أحكموه.
فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من حفر الخندق، أقبلت قريش حتّى نزلت بمجمع الأسيال من رومة (^١)،فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون وهم ثلاثة آلاف من المسلمين، فكان الخندق بينهم وبين المشركين، وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف، وأتاهم العدوّ من فوقهم ومن أسفل منهم، حتّى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ، وظهر النّفاق في المنافقين، حتّى قال معتب بن بشير المنافق: كان محمّد وعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، فأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا (^٢).فذلك قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (١٠).
فأقام النّبيّ ﷺ وأقام الكفّار معه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم إلاّ الرّمي بالنّبل والحصى والحصار (^٣).
_________________
(١) اضطربت العبارة في المخطوط: (وأقبلت قريش حتى أقبلت بالمدينة).وضبطت كما في السيرة النبوية: ج ٣ ص ٢٣٠.
(٢) اختصر الطبراني قصة الخندق من السيرة النبوية لابن هشام: ج ٣ ص ٢٢٤ - ٢٣٣.وينظر: الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية بن هشام: ج ٣ ص ٤١٦ - ٤٢٥.
(٣) الحصار: (حصره) ضيّق عليه وأحاط به، وكلّ من امتنع عن شيء فقد حصر عنه، وأحصره حبسه. ينظر: مختار الصحاح: ص ١٣٩: (حصر)
[ ٥ / ١٧١ ]
فلمّا اشتدّ البلاء على النّاس واستطال، بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما من القوم، فجرى بينهما الصّلح حتّى وقع الكتاب ولم تقع الشّهادة، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما في ذلك، فقالا: يا رسول الله؛ أهذا شيء أمرك الله به أم أمر تحبّه أنت أم أمر تصنعه لنا؟ فإن كان أمرا من الله لك فلا بدّ لنا من العمل به، وإن كان أمرا تحبّه فاصنع ما شئت، وإن كان شيئا تصنعه لنا فعرّفنا به، فقال ﷺ: [بل والله ما صنعت ذلك إلاّ أنّي رأيت العرب قد رمتكم بقوس واحدة، وكالبوكم من كلّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم].
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ﷺ؛ لقد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من ثمارنا تمرة إلاّ قراء أو شراء، فكيف وقد أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السّيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال ﷺ:
[فأنت وذاك].فتناول سعد الصّحيفة الّتي كتبوا فيها صلحهم فمحاها (^١).
ثمّ إنّهم تراموا بالنّبل، فوقعت رمية في أكحل سعد بن معاذ فقطعته، رماه ابن الغرفة من قريش، فما زال أكحله يسيل دما حتّى خيف عليه، فقال سعد: اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنّه لا شيء أحبّ إليّ من جهاد قوم آذوا رسول الله ﷺ وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لنا شهادة ولا تمتني حتّى تقرّ عيني من بني قريظة.
ثمّ أتى نعيم بن مسعود الغطفانيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قد أسلمت وإنّ قومي من غطفان لم يعلموا بإسلامي، فمرني فيهم بما شئت، فقال ﵇: [إنّما أنت رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت].فخرج نعيم بن مسعود حتّى
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام: غزوة الخندق: هم الرسول بعقد صلح بينه وبين غطفان ثم عدل: ج ٣ ص ٢٣٤.
[ ٥ / ١٧٢ ]
أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهليّة، فقال لهم: يا بني قريظة؛ لقد علمتم ودّي لكم وما بيني وبينكم من المحبّة. قالوا: صدقت؛ لست عندنا بمتّهم.
فقال لهم: إنّ قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمّد، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم؛ لأنّ هذه بلدكم وبها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا إلى غيركم، وإنّ قريشا وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدون، إن رأوا لهم هاهنا صولة وغنيمة أخذوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين هذا الرّجل وهو رجل ببلدكم لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوه حتّى تأخذوا رهنا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم.
فقالوا له: لقد أشرت برأي ونصيحة.
ثمّ خرج حتّى أتى قريشا، فقال: يا معشر قريش؛ قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّدا، وقد بلغني أمرا رأيت حقّا عليّ أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عليّ.
قالوا: نفعل! قال: اعلموا أنّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه: أنّا قد ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب رقابهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم، فقال لهم: نعم. وأنتم إذا بعثت اليهود إليكم يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.
ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال لهم: يا معشر غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ النّاس إليّ، ولا أراكم تتّهموني. قالوا: صدقت! قال: فاكتموا عليّ، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فأرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى يهود بني قريظة نفرا من قريش وغطفان، فأتوهم وقالوا لهم: قد هلك الخفّ والحافر، فأعدّوا للقتال حتّى يفرغ ما بيننا وبين محمّد. فقال بنو قريظة: لسنا بالّذي نقاتل معكم حتّى تعطونا رهنا من رجالكم تكون ثقة بأيدينا، فإنّا نخاف أنّكم إذا اشتدّ عليكم الحرب والقتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، وهذا الرّجل قريب من بلادنا، ولا طاقة لنا به.
[ ٥ / ١٧٣ ]
فرجعت الرّسل بما قالت بنو قريظة، فقالت قريش وغطفان: والله إنّ الّذي حدّثنا به نعيم بن مسعود لحقّ. وأرسلوا إلى بني قريظة: والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، ولكنّكم إن كنتم تريدون الحرب فاخرجوا معنا فقاتلوا ونحن معكم. قالت بنو قريظة: لا نقاتل إلاّ إذا أعطيتمونا رهنا من رجالكم. فقالوا لهم:
حدّثنا نعيم بن مسعود بذلك فلم نصدّقه، فقالوا لهم: إنّ الّذي ذكره لكم حقّ.
وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الرّيح في ليلة شاتية شديدة البرد حتّى انصرفوا راجعين، والحمد لله رب العالمين (^١).
قوله تعالى: ﴿(وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)،﴾ فأمّا المنافقون فظنّوا أنّ محمّدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أنّ ما وعدهم الله تعالى حقّ، وأنه سيظهر دينه على الدّين كلّه ولو كره المشركون. قال الحسن في معنى: ﴿(وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)﴾:
(يعني ظنّ المؤمنون بالله خيرا، وظنّ المنافقون أنّ الكافرين ظهروا على المؤمنين) (^٢).
قرأ نافع وعاصم وابن عامر: ﴿(الظُّنُونَا)﴾ و﴿(الرَّسُولا)﴾ و﴿(السَّبِيلا)﴾ بإثبات الألف فيها وقفا ووصلا لأنه من أواخر الآي، وقرأ أبو عمرو بغير ألف وقفا ووصلا، وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل.
قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي في تلك الحال اختبر المؤمنون بالقتال ليتبيّن المخلص من المنافق. وقيل: معناه: امتحن المؤمنون بالخوف الشّديد الذي عنده يظهر المؤمن القويّ من المؤمن الضعيف، وذووا العزم الصحيح من غيرهم. وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ (١١) أزعجوا وحرّكوا تحريكا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقرّ على مكانه.
_________________
(١) قصة نعيم بن مسعود الغطفاني أخرجها ابن هشام في السيرة النبوية: ج ٣ ص ٢٤٠ - ٢٤٤.
(٢) في جامع البيان: الأثر (٢١٦٢٧).وفي التفسير الكبير لابن أبي حاتم: الأثر (١٧٦٠٨) عن الحسن قال: (ظنونا مختلفة: ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون).
[ ٥ / ١٧٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾ (١٢) معناه: وإذ يقول الذين يستبطنون الكفر والذين في قلوبهم شكّ وضعف اعتقاد: ما وعدنا محمّد أنّ فارس والروم يفتحان علينا ونحن في مكاننا هذا الذي لا يقدر أحد أن يبرز لحاجته إلاّ باطلا. قال قتادة: (قال ناس من المنافقين: يعدنا محمّد أن نفتح قصور الشّام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور) (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا؛﴾ قال مقاتل: (هم بنو سالم من المنافقين) (^٢)،وقال السديّ: (عبد الله بن أبيّ وأصحابه). ﴿(يا أَهْلَ يَثْرِبَ)﴾ أي يا أهل المدينة، قال أبو عبيدة: (يثرب اسم أرض، ومدينة الرّسول في ناحية منها) (^٣).وقوله تعالى: ﴿(لا مُقامَ لَكُمْ)﴾ أي لا موقف لكم في هذا الموضع، فارجعوا إلى المدينة.
وقرأ عاصم ﴿(لا مُقامَ)﴾ بضمّ الميم؛ أي لا إقامة لكم هاهنا؛ لكثرة العدوّ وغلبة الحراب، فارجعوا إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ؛﴾ معناه: ويستأذن فريق منهم النبيّ ﵇ في الرّجوع إلى منازلهم بالمدينة؛ وهم: بنو حارثة وبنو سلمة، وكانوا يعتلّون في الاستئذان بقولهم: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ؛﴾ أي بيوتنا خالية من الرّجال تخاف عليها، وقيل: معناه: إنّ بيوتنا ليست بجديدة. وقال مقاتل والحسن: (معناه:
قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السّرّاق) (^٥).وقال قتادة: (قالوا بيوتنا ممّا يلي العدوّ
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٣١).
(٢) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٨.
(٣) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٣١.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٤٨.
(٤) قاله الطبري في جامع البيان: مج ١١ ج ٢٠ ص ١٦٤.
(٥) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٩.
[ ٥ / ١٧٥ ]
ولا نأمن على أهلنا) (^١).فكذبهم الله تعالى وأعلم أنّ قصدهم الهرب، فقال ﷿:
﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ (١٣)؛من القتال ونصرة المؤمنين.
وقرأ ابن عبّاس وأبو رجاء: «(إنّ بيوتنا عورة)» بكسر الواو؛ أي قصيرة الجدران، فيها خلل وفرجة. قال الزجّاج: (يقال: عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر).والعورة في اللغة: ما ذهب عنه السّتر والحفظ، تقول العرب:
اعورّ الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضّرب، وعور المكان إذا بدت منه عورة. قال الشاعر:
متى تلقهم، لا تلق للبيت عورة ولا الضّيف محروما ولا الجار مرملا (^٢)
يقال: أرمل القوم إذا فرغ زادهم (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها؛﴾ أي لو دخلت المدينة على هؤلاء المنافقين من أطرافها، يعني: لو دخل عليهم هؤلاء الأحزاب من نواحيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها؛﴾ أي ثم دعوا إلى الشّرك لأجابوها سريعا وأعطوها من أنفسهم. والمعنى: لو أنّ الأحزاب دخلوا المدينة، ثم أمروهم بالشّرك لأشركوا.
وقرأ أهل المدينة «(لأتوها)» بالقصر؛ أي لفعلوها بأنفسهم، ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا﴾ (١٤)؛أي وما يلبثون بإجابتها إلاّ قليلا حتى يقبلوا. قال قتادة: (وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلاّ قليلا)،ويقال: ما يتلبّثون بالمدينة بعد إجابتهم إلاّ يسيرا حتى يهلكوا.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٣).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٤٨: متى تلقهم، لا تلق للبيت معورا ولا الضّيف مفجوعا ولا الجار مرملا
(٣) المرمل: الذي نفذ زاده؛ ومنه حديث أبي هريرة: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزاة، فأرملنا وأنفضنا. وحديث أمّ معبد: [وكان القوم مرملين] أي نفذ زادهم. ينظر: تهذيب اللغة للأزهري: ج ١٠ ص ١٤٩.ولسان العرب لابن منظور: ج ٥ ص ٣٢١.والروض الأنف: ج ٢ ص ٣٢٦.
[ ٥ / ١٧٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ؛﴾ قيل:
إنّهم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلمّا نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فلمّا كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد) (^١).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق ﴿(لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ)﴾ أي لا ينهزمون ولا يولّون العدوّ ظهورهم. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ (١٥)؛أي مطالبا مسئولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أنّ الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ؛﴾ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٦)؛أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتّعوا إلاّ قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين.
والمعنى: لا تمتّعون بعد الفرار في الدّنيا إلاّ مدّة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أنّ ما قدّره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ؛﴾ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا؛﴾ أي هلاكا وهزيمة، ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً؛﴾ أي خيرا وهو النصر. وهذا كلّه أمر للنبيّ ﷺ أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى:
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (١٧).
قوله تعالى: ﴿*قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا؛﴾ قال المفسّرون: هؤلاء قوم من المنافقين، كانوا يبطئون المجاهدين ويمنعونهم عن الجهاد. يقال: عاق يعوق؛ إذا منع، وعوّق إذا اعتاد المنع، وعوّقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٤٢).
[ ٥ / ١٧٧ ]
قال قتادة: (هم قوم من المنافقين، كانوا يقولون: ما محمّد وأصحابه إلاّ أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، دعوا هذا الرّجل فإنّه هالك، فخلّوهم وتعالوا إلينا) (^١).
وقوله تعالى: ﴿(وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا)﴾ أي ويعلم القائلين لإخوانهم تعالوا إلينا ودعوا محمّدا فلا تشهدوا معه الحرب، فإنّا تخاف عليكم الهلاك. وقوله:
﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (١٨)؛أي لا يحضرون القتال في سبيل الله إلاّ قليلا؛ أي لا يقاتلون إلاّ رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.
قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ؛﴾ أي بخلاء عليكم بأنفسهم وأموالهم، لا ينفقون شيئا منها في سبيل الله ونصرة المؤمنين. ثم أخبر عن جبنهم فقال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ،﴾ من الخوف والفزع كما تدور أعين الذي يحضره الموت فيغشى عليه، ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم لما يلحقهم من الخوف، ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ؛﴾ أي بسطوا ألسنتهم وأرسلوها، طاغين عليكم. قال الفرّاء: (معناه: آذوكم بالكلام وعضّوكم بألسنة سليطة ذربة) (^٢) يقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغا في خطابه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ؛﴾ أي بخلاء بالغنيمة، يخاصمون فيها ويشاحّون المؤمنين عليها عند القسمة، فيقولون: أعطونا فلستم أحقّ منّا! وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا؛﴾ أي هم وإن أظهروا الإيمان ونافقوا فليسوا بمؤمنين، ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ أي أبطل جهادهم وثواب أعمالهم؛ لأنه لم يكن في إيمان، ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط، ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (١٩)؛قال
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٤٧).ومعنى (ما هم إلا أكلة رأس) أي قليل، يشبعهم رأس واحد. وهو جمع آكل.
(٢) قاله الفراء في معاني القرآن: ج ٢ ص ٣٣٩.
(٣) ينظر: إعراب القرآن لابن النحاس: ج ٣ ص ٢١١.
[ ٥ / ١٧٨ ]
مقاتل: (معنى الآية: فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن والغنيمة، سلقوكم بألسنة حداد؛ أي بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، وسيقولون: أعطونا فلستم أحقّ بها منّا! فأمّا عند البأس والقتال فأجبن قوم وأخذلهم، وأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم) (^١).
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي يظنّ المنافقون من جبنهم وخبثهم أنّ الأحزاب لم يذهبوا إلى مكّة وقد ذهبوا، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ؛﴾ في المرّة الثانية؛ أي يرجعون إلى القتال، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ؛﴾ داخلون في البادية مع الأعراب، ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ؛﴾ أي يتمنّون لو كانوا في بادية بالبعد منكم، يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمّد وأصحابه؟! فيعرفون حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة. والمعنى بسؤالهم: أنه إذا كان الظّفر لكم شاركوكم، وإن كان للمشركين شاركوهم، كلّ هذا من الخوف والجبن. قرأ يعقوب «(يسّاءلون)» بالتشديد والمدّ، بمعنى يتساءلون؛ أي يسأل بعضهم بعضا عن أخباركم، ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٢٠)؛لو كان هؤلاء المنافقون فيكم ما قاتلوا إلاّ رميا بالحجارة من غير احتساب.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛﴾ أي لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة في الصّبر على القتال والثّبات عليه واحتمال الشّدائد في ذات الله، ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ؛﴾ يرجو ثواب الله، ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ،﴾ وثواب الدنيا والآخرة، ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (٢١)،وذلك: أنّ كل من ذاد أو ذكر الله في لسانه ازدادت رغبته في الاقتداء بالنبيّ ﷺ.
ومعنى الآية: لقد كان لكم في رسول الله اقتداء لو اقتديتم به، والصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد إذ كسرت رباعيّته وشجّ حاجبه وقتل عمّه، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلاّ فعلتم مثل ما فعل هو. وقوله تعالى: ﴿(لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ)﴾ يدلّ من قوله ﴿(لَكُمْ)﴾ وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين.
_________________
(١) ينظر: تفسير مقاتل بن حيان: ج ٣ ص ٤١،بلفظ قريب من هذا.
[ ٥ / ١٧٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ؛﴾ وذلك أنّ الله تعالى كان قد وعدهم في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ ..﴾. إلى قوله ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (^١) وقوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (^٢).وقوله تعالى: ﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢٢)؛أي ما زادهم ما رأوه إلاّ إيمانا وتصديقا بوعد الله وتسليما لآخره.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ؛﴾ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما عاهدوا الله عليه بالثّبات على الدّين والعمل بموجبه من الصّبر على القتال وغير ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ؛﴾ أي من وفّى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في سبيل الله. قيل: إنّ المراد به حمزة ابن عبد المطّلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد.
والنّحب في اللّغة: النّذر، وقيل: النّحب هو النّفس، ومنه النّحيب: وهو التّنفّس الشديد والنّشج في البكاء (^٣).والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ؛﴾ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: ﴿(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ)﴾ أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنّى، فذلك قضاء النّحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصّدق) (^٤)،قال ابن قتيبة: (﴿قَضى نَحْبَهُ﴾:قتل).
وأصل النّحب: النّذر، كان قوم نذروا أنّهم إن لقوا العدوّ قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمّد بن اسحاق:
(فمنهم من قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه) (^٥).
_________________
(١) الآية ٢١٤/.
(٢) الفتح ٢٨/.
(٣) النّشج: صوت معه يردّد الصبي بكاء في صدره، فيحزن ببكائه من يسمعه. ينظر: الغريبين في القرآن والحديث: ج ٦ ص ١٨٣٦.
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٧١).
(٥) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٦٦٧)؛قال: (حدثني يزيد بن رومان) وذكره. وذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٣٤.
[ ٥ / ١٨٠ ]
وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: طلحة بن عبيد الله ممّن قضى نحبه، ثبت مع رسول الله ﷺ حتّى أصيبت يده، فقال ﷺ: [أوجب طلحة الجنّة] (^١).
وعن أبي نجيح: أنّ طلحة بن عبيد الله كان يوم أحد عند النّبيّ ﷺ في الجبل، فجاء سهم متوجّه إلى النّبيّ ﷺ فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره.
وعن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال: [من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة] (^٢).وقال ﷺ: [من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله] (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢٣)؛أي ما غيّروا عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيّره المنافقون.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ؛﴾ أي صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ؛﴾ بنقض العهد، ﴿إِنْ شاءَ؛﴾ قال السديّ: (يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب) (^٤).فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذّبهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؛﴾ فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذّبهم إذا ماتوا على النّفاق، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا؛﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمًا﴾ (٢٤)؛بمن مات على التّوبة.
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا؛﴾ معناه:
وصرف الله الكفّار عن المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ؛﴾ بالرّيح
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٨٧ - ٥٨٨؛ قال السيوطي (أخرجه الحاكم).ومن طريق الزبير ﵁ أخرجه الترمذي في الجامع: أبواب الجهاد: باب ما جاء في الدرع: الحديث (١٦٩٢).
(٢) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٨٨؛ قال السيوطي: (أخرجه سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة).
(٣) عن جابر بن عبد الله، أخرجه الترمذي في الجامع: أبواب المناقب: الحديث (٣٧٣٩)،وقال: هذا حديث غريب.
(٤) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٨٩، ذكره السيوطي من تفسير قتادة، وقال: أخرجه الطبري.
[ ٥ / ١٨١ ]
والملائكة التي أرسلت عليهم، ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا؛﴾ أي لم يزل قويّا في ملكه، ﴿عَزِيزًا﴾ (٢٥)،في قدرته منيعا بالنّقمة من أعدائه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ؛﴾ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدّة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرّعب. وذلك أنّ بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنّوا أنّهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلمّا هزم الله المشركين ورجع النّبيّ ﷺ إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل ﵇ في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتّى يقاتلوا بني قريظة ويصلّى فيهم العصر؟! فقال ﷺ: [وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟!] فقال جبريل: لألهمنّك ذلك، فو الله لأدقّنّهم اليوم كما يدقّ البيض على الصّفا. فنادى رسول الله ﷺ في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرّعب في قلوب القوم حتّى طلبوا الصّلح، وأبوا إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخّره إلى أن يرى قرّة عين النّبيّ ﷺ، فاستجاب الله دعاءه. فلمّا طلبت بنو قريظة النّزول على حكم سعد، رضي رسول الله ﷺ، فحمل سعد إلى النّبيّ ﷺ وقد احتبس أكحله، فقال له النّبيّ ﷺ: [احكم فيهم].فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال ﷺ: [حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم].فلمّا قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات ﵀ (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦٨٨ - ٢١٦٩١) مطولا وفيه قصة.
[ ٥ / ١٨٢ ]
والصّياصيّ: جمع صيصة، وصيصة الثّور قرنه، سمّي بذلك؛ لأنّ قرنه حصنه الّذي يتحصّن به.
وروي: أنّ رسول الله ﷺ لمّا رجع من اللّيلة الّتي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النّبيّ ﷺ السّلاح، أتى جبريل ﵇ إلى النّبيّ ﷺ معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله ﷺ عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشّطت عقصته (^١)،فقال جبريل: قد وضعت السّلاح يا رسول الله؟! قال: [نعم] قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فو الله ما وضعت الملائكة السّلاح منذ أربعين ليلة، إنّ الله يأمرك بالسّير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظّهر، فأمر النّبيّ ﷺ مناديا ينادي: [من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلاّ في بني قريظة].وقدّم النّبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم عليّ ﵁ حتّى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله ﷺ، فرجع عليّ ﵁ حتّى لقي النّبيّ ﷺ بالطّريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: [أظنّك سمعت منهم أذى؟] قال: نعم.
فسار النّبيّ ﷺ نحوهم حتّى دنا من حصونهم، فقال لهم: [يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته] قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا (^٢).
فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرّعب. فلمّا أيقنوا أنّ رسول الله ﷺ غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر اليهود؛ إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيّها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: أمّا الأولى فنبايع هذا الرّجل ونصدّقه، فو الله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه الّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ولا نستبدل به غيره.
_________________
(١) العقيصة: الضّفيرة، وعقص الشّعر: ضفر وليّه على الرأس.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦٨٩).
[ ٥ / ١٨٣ ]
قال: فإن أبيتم هذه عليّ، فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد رجالا مصلّتين بالسّيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمّنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أنّ هذه ليلة السّبت، وإنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت أنّ الّذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف عليك من هم.
قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله النّبيّ ﷺ إليهم. فسألوه إن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنّه الذبح. قال أبو لبابة:
فعلمت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا أبرح حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهد الله تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلمّا علم رسول الله ﷺ أنّه قد مضى على وجهه ولم يأته قال: [أما إنّه لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذا فعل ما فعل، فما أنا بالّذي أطلقه حتّى يتوب الله عليه. ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبته، فقال ﷺ: [تبت على أبي لبابة] فثار النّاس إلى أبي لبابة ليطلقوه، فقال: والله لا حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الّذي يطلقني بيده. فجاء النّبيّ ﷺ فأطلقه.
قال: فلمّا أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله؛ إنّهم موالينا-أي حلفاؤنا-دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد علمت، وكان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسألهم إيّاه عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوس، قال رسول الله ﷺ: [يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن أحكّم فيهم رجلا منكم؟] قالوا: بلى، قال: [فذاك] إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم المرضى.
[ ٥ / ١٨٤ ]
فلمّا حكّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة، أتاه قوم فاحتملوه على حمار، وقد وطّئوا له وسادة من أدم، وكان رجلا جسيما. ثمّ أقبلوا به إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإنّ رسول الله ﷺ إنّما ولاّك ذلك لتحسن فيهم. فلمّا أكثروا عليه؛ قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنّ بني قريظة مقتولون.
فلمّا انتهى سعد إلى النّبيّ ﷺ قال: [قوموا إلى سيّدكم، فأنزلوه] فقاموا إليه، فقال: يا أبا عمرو؛ إنّ رسول الله قد ولاّك مواليك لتحكم بينهم، فقال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: أحكم فيهم أن يقتل الرّجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنّساء. فقال ﷺ: [لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبعة أرقعة].ثمّ استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ في دار «ابنة الحارث» (^١) امرأة من بني النّجّار، ثمّ بعث إليهم من يخرجهم إليه إرسالا، وأمر بضرب أعناقهم.
وكان فيهم يومئذ عدوّ الله حييّ بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى النّبيّ ﷺ أرسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك دأبهم حتّى فرغ منهم رسول الله ﷺ، ثمّ أتي بحييّ بن أخطب عدوّ الله وعليه حلّة له فقّاحيّة (^٢) ويداه مغلولتان إلى عنقه بحبل، ثمّ أجلس فضرب عنقه (^٣).
قالت عائشة ﵂: (كان عليّ والزّبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله ﷺ جالس هناك)،قالت عائشة: ولم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة واحدة، كانت والله عندي تتحدّث معي وتضحك، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها،
_________________
(١) ما بين «» سقطت من المخطوط.
(٢) أي لونها كلون الورد حين يتفتح.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦٩٠ - ٢١٦٩١).
[ ٥ / ١٨٥ ]
فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت عائشة:
فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت أنّها تقتل) (^١).قال الواقديّ: (واسم تلك المرأة نباتة) (^٢) امرأة الحكم القرظيّ، وكانت قتلت خلاّد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها رسول الله ﷺ بخلاّد بن سويد.
وعن الزهريّ ﵁ قال: (كان رجل من قريظة يقال له الزّبير بن باطا ويكنّى أبا عبد الرّحمن، مرّ يوما على ثابت بن قيس بن ثابت بن شمّاس في الجاهليّة يوم بغاث، أخذه وحزّ ناصيته ثمّ خلّى سبيله. فجاء ثابت بن قيس يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإنّي أريد أن أجازيك بما لك عندي من اليد، قال: افعل، فإنّ الكريم يجزي الكريم.
قال ثابت: فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ قد كان للزّبير عندي يد وصنيعة وله عليّ منّة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي دمه، فقال ﷺ: [هو لك] فأتاه، فقال له: يا شيخ؛ إنّ رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك. فقال: إنّي شيخ كبير، فإن ذهب أهلي وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله ﷺ فسألته أهله وولده، فقال: [هم لك] فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فسألته ماله، فقال: [هو لك] فأعلمته بذلك.
فقال لي: يا ثابت؛ ما فعل الّذي وجهه مرآة مضيئة كعب بن أسد؟ قلت:
قتل، قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادي حييّ بن أخطب؟ قلت: قتل، قال: فما فعل
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٦٩٢).
(٢) ذكره الواقدي في كتاب المغازي: غزوة بني قريظة: ج ٢ ص ١٨.
[ ٥ / ١٨٦ ]
مقدّمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: قتلوا كلّهم.
قال: فإنّي أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من الصّنيعة واليد إلاّ ما ألحقتني بالقوم، فو الله ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصائر حتّى ألقى الأحبّة.
فضرب ثابت عنقه) (^١).فلمّا بلغ أبا بكر الصّدّيق ﵁ قوله: ألقى الأحبّة، قال: تلقاهم والله في نار جهنّم خالدا فيها أبدا (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ؛﴾ أي ألقى في قلوبهم الخوف، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ؛﴾ يعني المقاتلة، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (٢٦)؛يعني الذراري،
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ؛﴾ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضّة والحليّ والعبيد والإماء، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها؛﴾ يعني أرض بني النّضير، وقيل: أرض خيبر.
والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطئوها الآن بأقدامكم يعني خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس والرّوم) (^٣)،وقال قتادة: (هي مكّة) (^٤).قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٢٧)؛فيه بيان أنّ الله قادر على إظهار الإسلام بغير القتال، وإنّما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم لجزيل الثواب.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ (٢٨)؛قال المفسّرون: كان بعض أزواج النبيّ ﷺ سألنه شيئا من عرض الدّنيا وآذينه بزيادة النّفقة، فهجرهنّ رسول الله ﷺ وآلى منهنّ شهرا أن لا يقربهن ولم يخرج إلى أصحابه للصّلوات.
_________________
(١) القصة بكاملها ذكرها الواقدي في كتاب المغازي: ج ٢ ص ٢٠ - ٢١.
(٢) ذكره الواقدي في كتاب المغازي: ج ٢ ص ٢١، بلفظ: (قال أبو بكر وهو يسمع قوله: ويحك يا ابن باطا، إنه ليس إفراغ دلو، ولكنه عذاب أبدي).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٠٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الأثر (١٧٦٥٠).
[ ٥ / ١٨٧ ]
فقالت الصحابة: ما شأن رسول الله؟ فقال عمر ﵁: إن شئتم ذهبت إليه لأعلمكم ما شأنه؟ فذهب إلى النّبيّ ﷺ فاستأذن فأذن له. قال عمر: فجعلت أقول في نفسي: أيّ شيء أكلّم به رسول الله ﷺ لعلّه ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله؛ لو رأيت فلانة وهي تسألني النّفقة فصككتها صكّة؟ فقال ﷺ: [فذلك الّذي أجلسني عنكم].فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله ﷺ شيئا فما كان من حاجته لك فأولى.
ثمّ جعل يتتبّع نساء النّبيّ ﷺ يكلّمهنّ، حتّى قال لعائشة ﵂: يغرّك أنّك امرأة حسناء وإنّ زوجك يحبّك، لتنتهينّ أو لينزلنّ الله فيكنّ القرآن. فقالت أمّ سلمة: يا ابن الخطّاب؛ أو ما بقي لك إلاّ أن تدخل بين رسول الله ونسائه! فمن تسأل المرأة إلاّ زوجها؟ فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ)﴾ إلى آخرها (^١).
وكان يومئذ مع رسول الله ﷺ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أميّة، فهؤلاء من قريش. وصفيّة بنت حييّ بن أخطب الخيبريّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويريّة بنت الحارث المصطلقيّة (^٢).
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ جالسا مع حفصة، فتشاجرا فيما بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم، قال: فأبوك إذا، فأرسل إلى عمر ﵁، فلمّا دخل عليها قال: تكلّمي، قالت: يا رسول الله تكلّم ولا تقل إلاّ حقّا! فرفع عمر يده فوجأ وجهها ثمّ رفع فوجأ وجهها، فقال النّبيّ ﷺ: [كفّ].
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٠٣).ومسلم في الصحيح: كتاب الطلاق: باب أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا: الحديث (١٤٧٨/ ٢٩).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٠٤) عن الحسن وقتادة.
[ ٥ / ١٨٨ ]
فقال عمر: يا عدوّة الله! أو يقول رسول الله إلاّ حقّا، والّذي بعثه بالحقّ لولا مجلسه ما رفعت يدي حتّى تموتي. فقام ﷺ فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه، يتغدّى ويتعشّى فيها، فأنزل الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها)﴾ الآية، فنزل النّبيّ ﷺ فعرض ذلك عليهنّ كلّهنّ، فلم يخترن إلاّ الله ورسوله، وكان آخر من عرض عليها حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ إنّي في مكان العائذة بك من النّار، والله لا أعود لشيء تكرهه أبدا، بل أختار الله ورسوله، فرضي عنها.
وقيل: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا نزلت عليه آية التّخيير بدأ بعائشة أحبّهنّ إليه، فخيّرها فاختارت الله ورسوله والدّار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه ﵇، وتابعها جميع نسائه على ذلك، فشكرهنّ الله وقصر نبيّه ﷺ عليهنّ، فقال (لا يحلّ لك النّساء من بعد) (^١).
قيل: لمّا نزلت هذه الآية، قال النّبيّ ﷺ: [يا عائشة؛ إنّي ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتّى تستأمري فيه أبوك] ثمّ قرأ هذه الآية، فقال:: ﴿(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها)﴾ إلى قوله: ﴿(وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ)﴾؛فقالت عائشة ﵂: قد علم الله أنّه أبويّ لم يكونا يأمرانني بفراقك، وهل أستأمر في هذا؟! إنّي أريد الله ورسوله والدّار الآخرة.
ثمّ قالت: يا رسول الله؛ لا تخبر أزواجك أنّي اخترتك. ثمّ فعل أزواج رسول الله ﷺ كما فعلت (^٢).
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٩٨٧؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن ﵄) وذكره بمعناه. وأخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٠٤).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٠٦ و٢١٧٠٧) بأسانيد عديدة. وابن أبي حاتم في التفسير: الحديث (١٧٦٥٢ - ١٧٦٥٥).والبخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٧٨٥)،وكتاب الطلاق: باب من خيّر أزواجه: الحديث (٥٢٦٢).
[ ٥ / ١٨٩ ]
وقيل: لمّا نزلت آية التّخيير، دعا رسول الله ﷺ نساءه وخيّرهنّ، وقال لعائشة:
[أمّا أنت فلا تحدثي من أمرك شيئا حتّى تشاوري أبويك] فقالت: أفيك أشاورهما؟! أنا أختار الله ورسوله والدّار الآخرة، ما لنا والدّنيا؟! فتبعها سائر أزواجه، ولم تختر واحدة منهنّ نفسها إلاّ المرأة الحميريّة (^١).
قوله تعالى: ﴿(فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ)﴾ أي أعطيكن مهركنّ ﴿(وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا)﴾ أي أطلّقكنّ على وجه السّنة. وقيل: معناه: أخرجكنّ من البيوت، لأنه ذكر المتعة قبل التّسريح.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي ثواب الله ورضى رسوله ﴿وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي الجنّة، ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ؛﴾ باختيار ثواب الله ورضى رسوله، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢٩)،في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵄: (يعني النّشوز وسوء الخلق) (^٢) ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ؛﴾ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين. والمعنى: يزيد في عذابها ضعفا، كما زيد في ثوابها ضعفا في قوله ﴿(نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ)﴾.
وإنّما ضوعف عذابهن على الفاحشة لأنّهن يشاهدن من الزّواجر ما يردع عن مواقعة الذّنوب ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (٣٠)؛أي وكان عذابها على الله هيّنا.
وقوله تعالى ﴿(يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ)﴾،قرأ ابن كثير وابن عامر «(نضعّف)» بالنون وكسر العين مشدّدة من غير ألف «(العذاب)» بالنصب (^٣)،وقرأ أبو
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٩٧؛ قال السيوطي: (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﵁) وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الحديث (١٧٦٥٧).
(٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٣٩.
(٣) في المخطوط: (العذاب بالنصف) وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه. ينظر: الحجة للقراءات السبعة: ج ٣ ص ٢٨٣.
[ ٥ / ١٩٠ ]
عمرو «(يضعّف)» بالياء وفتح العين والتشديد، ورفع ﴿(الْعَذابُ)﴾،قال أبو عمرو: (وإنّما قرأت هكذا مشدّدا من غير ألف لقوله ﴿(ضِعْفَيْنِ)﴾،يقال: ضعّفت الشّيء إذا جعلته مثله وضاعفته إذا جعلته أمثاله) (^١).وقرأ الباقون «(يضاعف)» بالألف ورفع ﴿(الْعَذابُ)﴾.
قوله تعالى: ﴿*وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي ومن يطع منكن لله ورسوله. وقيل: ومن تقم منكنّ على طاعة الله وطاعة رسوله، ﴿وَتَعْمَلْ صالِحًا؛﴾ فيما بينها وبين ربها، ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ؛﴾ أي نعطيها مكان كلّ حسنة عشرين حسنة، ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (٣١)؛أي حسنا؛ يعني الجنّة. والرّزق الكريم: ما سلم من كلّ آفة، ولا يكون ذلك إلاّ في الجنّة.
قرأ يعقوب «(تقنت)» بالتاء ومثله روي عن ابن عامر، وقوله ﴿(وَتَعْمَلْ صالِحًا)﴾، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف «(ويعمل صالحا يؤتها)» بالياء فيهما. وقرأ غيرهم ﴿(وَتَعْمَلْ)﴾ بالتاء (و﴿نُؤْتِها﴾) بالنّون. قال الفرّاء: (وإنّما قرئ ﴿(يَقْنُتْ)﴾ بالياء لأن ﴿(مَنْ)﴾ أداة تقوم مقام الاسم، يعبّر به عن الواحد والاثنين والجمع والمؤنّث والمذكّر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (^٢) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (^٣)، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ﴾).
قوله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ؛﴾ معناه: ليس قدركنّ عندي مثل قدر غيركن من النّساء الصالحات، أنتنّ أكرم عليّ، وأنا بكنّ أرحم وثوابكن أعظم، ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ؛﴾ الله. وشرط عليهنّ التقوى بيانا أنّ فضيلتهنّ إنّما تكون بالتّقوى لا باتّصالهن بالنبيّ ﷺ. وقيل: معناه: ليست حالتكن كحالة النّساء غيركن في الطاعة والمعصية والثواب والعقاب إن كنتن متّقيات عن المعاصي مطيعات لله تعالى.
_________________
(١) ذكره الطبري في جامع البيان: مج ١١ ج ٢٠ ص ١٩١ - ١٩٢ وضعّفه. وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٧٥؛ قال القرطبي: (وضعفه الطبري وهو كذلك غير صحيح).
(٢) يونس ٤٣/.
(٣) يونس ٤٢/.
[ ٥ / ١٩١ ]
قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ؛﴾ أي فلا تلنّ القول للرّجال على وجه يورث ذلك الطمع فيكن، فيطمع المنافقون في مواقعتكن، فقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ؛﴾ يعني زنى وفجور ونفاق. والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة؛ لأن ذلك أبعد من الطّمع من الزّينة.
وإنّما قال ﴿(لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ)﴾ ولم يقل كواحدة؛ لأن أحدا عامّ يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث، قال تعالى ﴿(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)﴾ (^١) وقال تعالى ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣٢)؛أي قلن قولا حسنا لا يؤدّي إلى الزينة، وقيل: معناه: وقلن ما يوجبه الدّين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ؛﴾ أي الزمن بيوتكن ولا تخرجن إلاّ في ضرورة.
قرأ نافع وعاصم ﴿(وَقَرْنَ)﴾ بفتح القاف، وهو من قررت في المكان أقرّ، وكان الأصل اقررن في بيوتكنّ، فحذفت الرّاء الأولى التي هي عين الفعل لأجل نقل التّضعيف، وألقيت حركتها على القاف كقوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (^٣) و﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ (^٤)،والأصل ظللت وظللتم. وقرأ الباقون «(وقرن)» بكسر القاف من الوقار؛ أي كنّ أهل سكينة ووقار، والأمر منه للرّجل قرّ، وللمرأة قرّي، ولجماعة النساء قرن، كما يقال من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن.
وعن محمّد بن سيرين قال: (قيل لسودة بنت زمعة: ألا تحجّين؛ ألا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، ثمّ أمرني الله أن أقرّ في بيتي، فو الله لا أخرج منه حتّى أموت. فو الله ما أخرجت من باب بيتها حتّى أخرجوا جنازتها ﵂) (^٥).
_________________
(١) البقرة ٢٨٥/.
(٢) الحاقة ٤٧/.
(٣) الواقعة ٦٥/.
(٤) طه ٩٧/.
(٥) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٩٩؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين) وذكره.
[ ٥ / ١٩٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى؛﴾ التّبرّج: التّبختر وإظهار الزّينة، وما يستدعي به من شهوة الرّجال وإبراز المحاسن للناس. والجاهلية الأولى: هي ما بين عيسى ﵇ ومحمّد ﷺ (^١)،كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتّخذ الدّرع من اللّؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وتعرض نفسها للرّجال. وقال بعضهم: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، كان نساؤهم أقبح ما يكون من النّساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه. فنهى الله تعالى هؤلاء عن فعل أهل الجاهليّة وأمرهنّ بإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة وطاعة الله ورسوله في باقي الآية.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ؛﴾ أي إنّما أمركنّ الله بما أمركنّ من الطاعة ولزوم البيوت ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ،﴾ يعني رجس الذّنوب والعيوب، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣٣).وقال ابن عبّاس: (عمل الشّيطان وما ليس فيه رضى).ومعنى الرّجس: السّوء وما يوجب العقوبة. والمراد بأهل البيت هاهنا نساء النّبيّ ﷺ لأنّهنّ في بيته. وقيل: أهل البيت كلّ من اتّصل بالنبيّ ﷺ من جهة نسب عليّ أو نسب على العموم (^٢).وعن أبي سعيد الخدريّ: (أنّ الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ أجمعين) (^٣).
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٠٢؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس) وذكره.
(٢) في المخطوط: (من جهة نسب أو نسب علي العموم).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٢٧).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الحديث (١٧٦٧٧).وفي مجمع الزوائد: ج ٧ ص ٩١؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني وفيه عطية ابن سعد، وهو ضعيف).وفي تهذيب التهذيب: ترجمة عطية: الرقم (٤٧٥٥)؛قال ابن حجر: (قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، ولعطية عن أبي سعيد أحاديث عدة، ومن غير أبي سعيد، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعدّ مع شيعة أهل الكوفة).وينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي: ج ٧ ص ٨٥:الرقم (١٥٣٠/ ٥٦٢).
[ ٥ / ١٩٣ ]
وعن أمّ سلمة ﵂ قالت: لمّا نزلت هذه الآية، دعا رسول الله ﷺ عليّا وفاطمة والحسن والحسين، فجمعهم وأتى بقطيفة خيبريّة فلفّها عليهم، ثمّ ألوى بيده إلى السّماء، فقال: [اللهمّ هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا] فقالت أمّ سلمة: أولست من أهلك؟ قال: [نعم] (^١) فدخلت الكساء بعد ما دعا وانقضى دعاؤه.
وعن عكرمة ﵁ أنه قال: (نزلت هذه الآية في أزواج النّبيّ ﷺ خاصّة، وليس هو الّذي تذهبون إليه) (^٢)،وكان عكرمة ينادي بهذا في السّوق (^٣)،واحتجّ بقوله في الخطاب ﴿(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ)﴾ وكلا الخطابين لأزواج النبيّ ﷺ، يعني الخطاب الأول ﴿(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)﴾،وهذا الخطاب الثاني. وإنه ذكّر الخطاب في قوله ﴿(عَنْكُمُ)﴾ و﴿(يُطَهِّرَكُمْ)﴾ لأنّ النّبيّ ﷺ كان فيهنّ فغلب المذكّر.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ؛﴾ أي واحفظن ما يقرأ عليكن في بيوتكن من القرآن والمواعظ. وهذا حثّ لهن على حفظ القرآن والأخبار ومذاكرتهن بهما للإحاطة بحدود الشّريعة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣٤)؛أي لطيفا بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه وبجميع مصالحهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ؛﴾ الآية، قال قتادة: (لمّا ذكر الله أزواج النّبيّ ﷺ دخل نساء من المسلمات عليهنّ؛ فقلن: ذكرتنّ ولم نذكر! فأنزل الله هذه الآية) (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٣٢ - ٢١٧٣٩).وفيها قال: [إنّك من أهلي] و[أنا معهم مكانك وأنت على خير] مرتين. كما أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الحديث (١٧٦٧٩).
(٢) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٠٣؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة) وذكره.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٤٠).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الأثر (١٧٦٧٥).
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٤٢).
[ ٥ / ١٩٤ ]
وقال مقاتل: (لمّا رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول الله ﷺ؛ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ النّساء لفي خيبة وخسارة! قال: [وممّ ذلك؟] قالت: لأنّهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرّجال. فأنزل الله هذه الآية) (^١).
وقال مقاتل: (قالت أمّ سلمة بنت أبي أميّة ونسيبة بنت كعب الأنصاريّة للنّبيّ ﷺ: ما بال ربنا يذكر الرّجال ولا يذكر النّساء في شيء من كتابه، فعسى أن لا يكون فيهنّ خير، ولا لله فيهنّ حاجة. فأنزل الله هذه الآية) (^٢).
وقيل: إنّ أزواج النبيّ ﷺ قلن: (يا رسول الله! ذكر الله ﷿ الرّجال في القرآن، ولم يذكر النّساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنّا نخاف أن لا يتقبّل منّا طاعة).فأنزل الله هذه الآية (^٣).
واعلم: أنّ الرجال والنساء يجازون بأعمالهم الصالحة مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما.
ومعنى الآية: ﴿(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ)﴾ يعني المخلصين بالتّوحيد والمخلصات ﴿(وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ)﴾ أي المصدّقين بالتوحيد والمصدّقات. والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام. والإيمان في اللغة: هو التّصديق، غير أنّ معنى الإسلام والإيمان في هذه الآية واحد.
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤١.والواحدي في أسباب النزول: ص ٢٤٠.والسيوطي في أسباب النزول: ص ١٣٩.
(٢) ذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٤٦،ولكنه في المطبوع (نسيبة بن كعب) وليس أنيسة كما في المخطوط. والصحيح نسيبة بنت كعب الأنصارية، وكما (أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه عن أم عمارة الأنصارية ﵂) ذكره السيوطي في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٠٨ وعزاه إليهم. وأخرجه الترمذي في الجامع: أبواب التفسير: الحديث (٣٢١١).والطبراني في المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٢٧:الحديث (٥١ و٥٢) وأخرجه الطبراني مرسلا في الحديث (٥٢).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٤٧) عن ابن عباس.
[ ٥ / ١٩٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ؛﴾ أي المطيعين لله في أوامره ونواهيه والمطيعات. والقانت: هو المواظب على الطاعة، والقنوت: طول القيام في الصّلوات. وقوله تعالى: ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ؛﴾ يعني الصّادقين في إيمانهم والصّادقات. وقوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ؛﴾ الصّابر: هو الذي يحبس نفسه عن جميع ما يجب الصّبر عنه، ويصبر على جميع ما يجب الصبر عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ؛﴾ يعني بالمتصدّقين الذين يؤدّون ما عليهم من الصّدقة المفروضة. ويقال: أراد به جميع الصّدقات. وأما الخاشع: فهو المتواضع لله تعالى وللناس.
وقوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ؛﴾ يعني الصّائمين صوم الفرض بنيّة صادقة، ولكن فطرهم على حلال. قال ابن عبّاس: (من صام شهر رمضان وثلاثة أيّام من كلّ شهر الغرّ البيض، كان من أهل هذه الآية، ويؤتون يوم القيامة بمائدة من الجنّة، يأكلون منها والنّاس في شدّة، ويظلّهم الله تحت ظلّ عرشه والنّاس في شدّة، وينفح من أفواههم ريح المسك) (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ؛﴾ أي عمّا لا يحلّ، وقوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ؛﴾ قيل: أراد به الذّكر في الصّلوات الخمس. وقيل: أراد به الذّكر باللّسان والقلب في جميع الأحوال. قال ابن عبّاس: (يريد في أدبار الصّلوات غدوّا وعشيّا وفي المضاجع، وكلّما استيقظ من نومه، وكلّما غدا وراح من منزله ذكر الله).وقال مجاهد: (لا يكون الرّجل من الذاكرين كثيرا حتّى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا) (^٢).وعن أبي هريرة؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: [من استيقظ من اللّيل وأيقظ امرأته فصلّيا ركعتين ركعتين، كتبا
_________________
(١) في مجمع الزوائد: ج ٣ ص ١٩٦؛قال الهيثمي: (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح).
(٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٢.وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: الأثر (١٧٦٨٥).
[ ٥ / ١٩٦ ]
من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات] (^١).وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣٥)؛وهو الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؛﴾ نزلت هذه الآية في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانت أمّهما أميمة بنت عبد المطّلب عمّة النبيّ ﷺ، خطب النّبيّ ﷺ زينب بنت جحش لزيد ابن حارثة مولاه، فكره أخوها عبد الله أن يزوّجها من زيد، وكان زيد عربيّا في الجاهليّة مولاه في الإسلام، كان رسول الله ﷺ أصابه من سبي الجاهليّة فأعتقه وتبنّاه.
فقالت زينب: لا أرضاه لنفسي، ثمّ قالت: يا رسول الله! أنا أتمّ نساء قريش من ابنة عمّك، فلم أكن لأفعل ولا أرضاه يا رسول الله، وقال أخوها عبد الله كذلك أيضا، وكانت زينب بيضاء جميلة، وكان فيها حدّة، فقال ﷺ: [لقد رضيته لك] فأنزل الله هذه الآية (^٢).
﴿(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ)﴾ أي ما ينبغي لمؤمن ﴿(وَلا مُؤْمِنَةٍ)﴾ يعني عبد الله بن جحش وأخته زينب إذا اختار الله تعالى ورسوله أمرا ﴿(أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ بخلاف ما اختار الله ورسوله.
قرأ أهل الكوفة ﴿(أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ بالياء للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الباقون بالتاء (^٣).وقوله تعالى ﴿(الْخِيَرَةُ)﴾ قراءة العامّة بفتح الياء؛ أي الاختيار،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب قيام الليل: الحديث (١٣٠٩)،وباب الحث على قيام الليل: الحديث (١٤٥١).وابن حبان في الإحسان: كتاب الصلاة: الحديث (٢٥٦٩) وإسناده صحيح.
(٢) ذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٤٦.وأخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٧٤٩ - ٢١٧٥٣).وفي الدر المنثور: ج ٦ ص ٦١٠؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن مردويه عن ابن عباس) وذكره بألفاظ.
(٣) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٨٧؛ قال القرطبي: (قرأ الكوفيون: (أَنْ يَكُونَ) بالياء، وهو اختيار أبو عبيد؛ لأنه قد فرق بين المؤنث وبين فعله. الباقون بالتاء؛ لأنّ اللفظ مؤنث، فتأنيث فعله حسن).
[ ٥ / ١٩٧ ]
وقرأ ابن السّميقع «(الخيرة)» بسكون الياء، وهما لغتان. وإنّما جمع الضمير في قوله ﴿(لَهُمُ الْخِيَرَةُ)﴾ لأن المراد بقوله ﴿(لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ)﴾ كلّ مؤمن ومؤمنة في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ أي فيما أمرته، ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (٣٦)؛أي فقد أخطأ خطأ، وذهب عن الحقّ والصواب ذهابا بيّنا.
فلما نزلت الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله. وكذلك رضي أخوها، فجعلت أمرها إلى رسول الله ﷺ، فزوّجها رسول الله ﷺ من زيد وساق إليهما ﵇ عشرة مثاقيل وستّين درهما؛ وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا؛ وخمسين مدّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ؛﴾ أي واذكر يا محمّد قولك ﴿(لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ)﴾ بالإسلام وغيره، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ؛﴾ بالإعتاق؛ وهو زيد ابن حارثة؛ وقع بينه وبين امرأته زينب تشاجر، فجاء زيد إلى النّبيّ ﷺ يشكوها بما كانت تستطيل عليه بشرفها.
فقال ﷺ لزيد على سبيل الأمر بالمعروف: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ؛﴾ امرأتك ولا تطلّقها، ﴿وَاتَّقِ اللهَ؛﴾ فيها ولا تفعل في أمرها ما تأثم به. قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ؛﴾ خطاب للنبيّ ﷺ، وذلك أنّ النّبيّ ﷺ أضمر في نفسه أنّه إن طلّقها زيد، تزوّجها هو وضمّها إلى نفسه صلة لرحمها وشفقة عليها، فعاتبه الله على ذلك وإخفائه؛ لكي لا يكون ظاهر الأنبياء ﵈ إلاّ كباطنهم.
وكان النبيّ ﷺ يعلم أنّهما لا يتّفقان لكثرة ما كان يجري بينهما من الخصومة، فجعل يخفيه عن زيد، وكان الأولى بالنبيّ ﷺ أن يدعوهما إلى الخلع فلم يفعل، وقال له: ﴿(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)﴾ خشية أنه لو خالعها ثم تزوّجها النبيّ ﵇ أن يطعن الناس عليه فيقال: تزوّج بحليلة ابنه بعد ما بيّن للناس أنّ حليلة الابن حرام على الأب، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ؛﴾ أي تخاف لائمتهم أن يقولوا:
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٢.
[ ٥ / ١٩٨ ]
أمر رجلا بطلاق امرأته ثمّ نكحها. قال ابن عبّاس في هذه الآية: (أراد بالنّاس اليهود، خشي أن يقول اليهود: تزوّج محمّد امرأة ابنه).وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؛﴾ أي هو أولى بأن تخشاه في كلّ الأحوال.
وعن عليّ بن الحسن: أن سئل عن هذه الآية فقال: (كان الله تعالى قد أعلم نبيّه ﵇ أنّ زينب ستكون من أزواجه، وأنّ زيدا سيطلّقها، فعلى هذا يكون النبي ﵇ معاتبا على قوله: ﴿(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)﴾ مع علمه بأنّها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، وإنّما كتم النّبيّ ﷺ لأنّه استحيا أن يقول لزيد: إنّ زوجتك ستكون امرأتي) (^١).
وقيل: إنّ زيد بن حارثة لمّا أراد فراقها، جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: [ما لك؟ أرابك منها شيء؟] قال:
لا والله يا رسول الله، ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنّها تتعظّم عليّ لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال ﷺ: [أمسك عليك زوجك واتّق الله].
ثمّ إنّ زيدا طلّقها، فلمّا انقضت عدّتها قال ﷺ لزيد: [ما أجد في نفسي أحدا أوثق منك، اذهب إلى زينب فاخطبها لي] قال زيد: فذهبت فإذا هي تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها عظمت في صدري، حتّى لم أستطع أن أنظر إليها حين علمت أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري؛ إنّ رسول الله ﷺ يخطبك؛ ففرحت بذلك، ونزل القرآن ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾ فتزوّجها رسول الله ﷺ فدخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أو لم عليها، أطعم النّاس الخبز واللّحم حتّى امتدّ النّهار (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: الحديث (١٧٦٩٥).
(٢) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦١٢؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن سعد وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس (رض».وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٩٢؛ قال القرطبي: (معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وترجم له النسائي: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارت ربها).
[ ٥ / ١٩٩ ]
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها؛﴾ قضاء الوطر في اللّغة: بلوغ منتهى ما في النّفس من الشّيء، يقال: قضى وطرا منها؛ إذا بلغ ما أراد من حاجته فيها، ثم صار عبارة عن الطّلاق؛ لأنّ الرجل إنّما يطلّق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة.
وعن أنس ﵁ أنّه قال: (لمّا انقضت عدّة زينب بنت جحش خطبها رسول الله ﷺ، ونزل قوله تعالى ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾ فجاء رسول الله ﷺ حتّى دخل عليها بغير إذن لقوله تعالى ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾.وكانت زينب تفاخر نساء النّبيّ ﷺ وتقول: زوّجكنّ أهلوكنّ، وزوّجني الله ﷿) (^١).
ومعنى الآية: ﴿(فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا)﴾ وطلّقها ﴿(زَوَّجْناكَها)﴾.وقوله تعالى:
﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا؛﴾ أي زوّجناك زينب لكيلا يظنّ أن امرأة المتبنّى لا تحلّ. والأدعياء: جمع دعيّ؛ وهو الذي يدعى ابنا من غير ولادة.
قال الحسن: (كانت العرب تظنّ أنّ حرمة المتبنّى كحرمة الابن، فبيّن الله «أنّ نساء» (^٢) الأدعياء غير محرّمة على المتبنّى وإن أصابوهنّ، وهو قوله ﴿(إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)﴾ بخلاف ابن الصّلب، فإنّ امرأته تحرم بنفس العقد).
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ (٣٧)؛معناه: وكان تزويج النبيّ ﷺ لزينب قضاء كائنا مكتوبا في اللوح المحفوظ.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ﴾ أي ما كان عليه من ضيق وإثم فيما شرّعه الله تعالى وأحلّه له كسنّة الله، ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ،﴾ أي سائر الأنبياء الماضين في التّوسعة عليهم في النّكاح،
_________________
(١) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٩٣؛ قال القرطبي: (وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي ﷺ) وذكره، ثم قال: (أخرجه النسائي عن أنس بن مالك) وذكره. وفي مجمع الزوائد: ج ٧ ص ٩١؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني من طرق، رجال بعضها رجال الصحيح). وذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٣.
(٢) ما بين «» ليس في الأصل، ويبدو أنه سقط من الأصل؛ لأنه من مقتضى إكمال المعنى.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
فقوله: ﴿(سُنَّةَ اللهِ)﴾ منصوب بنزع الخافض، وقوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٣٨)؛أي قضاء مقضيّا، أخبر الله تعالى أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ؛﴾ موضع ﴿(الَّذِينَ)﴾ الخفض؛ لأنه نعت الأنبياء ﵈ الذين خلوا من قبل، كانوا يبلّغون الرسالة، ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ،﴾ ويخشون الله ولا يخشون أحدا سواه، أي لا يخشون مقالة الناس، ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ (٣٩)؛أي مجازيا لمن يخشاه، وقيل:
حفيظا لأعمال العباد، مجازيا لهم.
قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ؛﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا تزوّج زينب، قال النّاس: إنّ محمّدا تزوّج امرأة ابنه! فأنزل الله تعالى ﴿(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ)﴾،يعني أنّه ليس بأبي زيد حتى تحرم عليه زوجته، ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ؛﴾ فعظّموه وأقرّوا به (^١).
قرأ الحسن وعاصم ﴿(وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)﴾ بفتح التاء؛ أي آخر النّبيّين، وقرأ الباقون بكسر التّاء على الفاعل؛ أي إنه ختم النّبيين بالنبوّة، ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٤٠)؛أي لم يزل عالما بكلّ شيء من أقوالكم وأفعالكم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤٢)؛
اختلفوا في المراد بالذّكر الكثير في هذه الآية. قال الكلبيّ:
(المراد به الصّلوات الخمس، وهي تتضمّن أذكارا كثيرة، وأراد بالتّسبيح التّنزيه في الصّلاة).وقال مجاهد: (هو أن لا ينساه أبدا).وقال مقاتل: (هو التّسبيح والتّحميد والتّهليل والتّكبير على كلّ حال، وهو أن يقول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلاّ الله؛ والله أكبر. وهذه الكلمات يتكلّم بهنّ صاحب الجنابة والغائط والحدث) (^٢).
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٤.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ١٩٦.
(٢) قال بعضه مقاتل كما في التفسير: ج ٣ ص ٤٩،ونقل عنه ابن أبي حاتم بعضه كما في التفسير الكبير: ج ٩ ص ٣١٣٨: الأثر (١٧٧٠٢).
[ ٥ / ٢٠١ ]
قال ﷺ: [يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرّكت بي شفاهه] (^١).
قوله تعالى: ﴿(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)﴾ بالغداة والعشيّ، قال الكلبيّ: (أمّا بكرة فصلاة الفجر، وأمّا أصيلا فصلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء).وقال بعضهم:
أراد بذلك صلاة الصّبح وصلاة العصر على قول قتادة، وصلاة المغرب على قول غيره.
وخصّ طرفي النهار بالذّكر؛ لأنه يجتمع عندهما ملائكة اللّيل والنهار، فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون، وتركناهم وهم يصلّون. وقيل: خصّ التسبيح بطرفي النهار؛ لأن صحيفة العبد إذا كان في أوّلها وآخرها ذكر وتسبيح يرجى أن يغفر له ما بين طرفي الصحيفة.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [ما جلس قوم قطّ يذكرون الله تعالى، إلاّ نادى منادي السّماء: أن قوموا فقد غفرت لكم ذنوبكم، وبدّلت سيّئاتكم حسنات] (^٢).
وقيل: معنى قوله ﴿(اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)﴾ أي باللّيل والنهار، وفي البرّ والبحر، والسّفر والحضر، والغنى والفقر، والصّحة والسّقم، والسّر والعلانية، وعلى كلّ حال.
وقال مجاهد: (الكثير هو الّذي لا يتناهى أبدا) (^٣).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ؛﴾ أي يرحمكم ويغفر لكم، وقوله ﴿(وَمَلائِكَتُهُ)﴾ أي يدعون لكم. وقيل: يأمر الملائكة بالاستغفار لكم.
والصّلاة من الله الرحمة بالثواب، ومن المؤمنين الدّعاء، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: ج ٧ ص ٣٢٦:الحديث (٦٦١٧) عن أبي هريرة (رض)، وقال: (لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المهاجر إلا أبو توبة). في تهذيب التهذيب: ج ١٠ ص ٥٠٠: ترجمة كريمة بنت الحسحاس المزنية (٨٩٦٥)؛قال: (علق البخاري حديثها هذا في كتاب التوحيد، وهو أحد الأحاديث المرفوعة التي لم يوصلها في الجامع)،وقال: (رواه إسماعيل أيضا عن أم الدرداء عن أبي هريرة، وكلاهما صحيح).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: الحديث (١٥٧٩) عن أنس بن مالك ﵁. وفي مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٧٦؛قال الهيثمي: (رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وفيه ميمون المرئي وثقه جماعة وفيه ضعف وبقية رجال أحمد رجال الصحيح).
(٣) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٥.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ؛﴾ أي من ظلمات المعاصي والجهل ﴿إِلَى النُّورِ؛﴾ العلم والطاعة، وقيل: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤٣)؛أي لم يزل رحيما بهم إذ رضي عنهم وأمر الملائكة بالاستغفار لهم.
قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ؛﴾ أي تحية المؤمنين من الله تعالى ﴿(يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)﴾ أن يسلّم عليهم، يقول لهم الملائكة بأمر الله: السّلام عليكم؛ مرحبا بعبادي المؤمنين الّذين أرضوني في دار الدّنيا باتّباع أمري. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^١).وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (٤٤)؛أي رزقا حسنا في الجنّة، وقيل: الأجر الكريم هو الذي يكون عظيم القدر.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا؛﴾ على أمّتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرّسالة، ﴿وَمُبَشِّرًا؛﴾ للخلق بالجنّة والثواب لمن أطاع الله وصدّقك، ﴿وَنَذِيرًا﴾ (٤٥)؛أي ومخوّفا بالنار والعقاب لمن عصى الله تعالى وكذبك.
وقوله تعالى: ﴿وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ؛﴾ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله تعالى بأمره، يعني إنّه أمرك بهذا. وقوله تعالى: ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾ (٤٦)؛أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك واهتدى بك، كالسّراج في الظّلمة يستضاء به.
وإنّما سمّي النبيّ ﵇ سراجا؛ لأنّه بعث والأرض في ظلمة الشّرك، فكان حين بعث كالسّراج في الظّلمة.
وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ (٤٧)؛أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما أعدّ لهم في الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ؛﴾ فيما يطلبونه منك، فقد ذكرنا تفسيره في أوّل السّورة. وقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي اصبر على أذاهم واحتمل منهم، ولا تشتغل بمجازاتهم إلى أن تؤمر فيهم بأمر، وهذا منسوخ بآية
_________________
(١) الزمر ٧٣/.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
السّيف. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ؛﴾ أي فوّض أمورك إليه، فإنه سيكفيك أمرهم إذا توكّلت عليه؛ أي توكّل عليه في كفاية شرّهم وأذاهم، ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (٤٨)؛إذا وكّلت أمرك إليه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ؛﴾ أي إذا تزوّجتموهنّ من قبل أن تجامعوهن، ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها،﴾ تستوفونها بالعدد لا بالحيض ولا بالشّهور.
والاعتداد هو استيفاء العدد، أسقط الله العدّة من المطلّقة قبل الدّخول لبراءة رحمها، فلو شاءت تزوّجت من يومها.
قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ (٤٩)؛أي أعطوهنّ متعة الطلاق، وهذا على سبيل الوجوب فيمن يدخل بها ولم يسمّ لها مهرا، وعلى النّدب في من سمّى لها مهرا ثم طلّقها قبل الدّخول.
وقال سعيد بن المسيّب: (نسخ حكم هذه الآية بقوله في سورة البقرة ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ (^١».وقال الحسن: (المتعة واجبة لكلّ مطلّقة ومختلعة وملتعنة، ولكن لا يجير عليها الزّوج) (^٢).
وقوله تعالى: ﴿(وَسَرِّحُوهُنَّ)﴾ أراد له التسريح عن المنزل لا عن النكاح؛ لأن حقّ الحبس لا يثبت إلاّ بأحد الأمرين: إما النكاح؛ وإما العدّة، وقد عدّ ما جميع في هذا الموضع بعدد الطّلاق المذكور.
والسّراح الجميل: هو الذي لا يكون فيه جفوة ولا أذى ولا منع حقّ. قال ابن عبّاس ﵄ في قوله ﴿(فَمَتِّعُوهُنَّ)﴾: (أي أعطوهنّ المتعة، قال: وهذا إذا لم يكن سمّى لها صداقا، فأمّا إذا فرض لها صداقا فلها نصف) (^٣).
_________________
(١) الآية ٢٣٧.
(٢) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٢٦؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد) وذكره بمعناه.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٧٦).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الأثر (١٧٧١٧).وفي الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٢٥؛ عزاه السيوطي لابن المنذر أيضا.
[ ٥ / ٢٠٤ ]
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أبحنا لك نساءك اللاّتي تزوّجتهن بمهور مسمّاة، وأعطيت مهورهنّ، وسمّى المهر أجرا لأنه يجب بدلا عن منافع البضع، كما أنّ الأجر يجب بدلا عن منافع الدّار والعبد.
قوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ؛﴾ أي وأبحنا لك ما ملكت يمينك؛ يعني الجواري التي يملكها. وقوله تعالى: ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ؛﴾ أي ممّا أعطاك الله من الغنيمة مثل جويريّة بنت الحارث، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب.
ويدخل في هذه اللفظة الشّراء والتزوّج، كما روي في صفيّة [أنّه ﵇ أعتقها ثمّ تزوّجها، وجعل عتقها صداقها] (^١).
قوله تعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ؛﴾ أراد به إباحة تزويج بنات عمّه وبنات عمّاته من (^٢) بني عبد المطّلب، ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ،﴾ وبنات خاله وبنات خالاته؛ يعني نساء بني زهرة من بني عبد مناف. وقوله تعالى: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ؛﴾ أي هاجرن معك من مكّة إلى المدينة، وهذا إنّما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ؛﴾ بلا مهر إن أراد النبيّ أن يتزوّجها، ومن قرأ ﴿(وَهَبَتْ)﴾ بالفتح، فمعناه: أحللناها أن وهبت، وهي قراءة الحسن، فالفتح على الماضي والكسر على الاستئناف (^٣)،وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها؛﴾ أي إن أراد النبيّ أن يتزوّجها فله ذلك. وقوله تعالى:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٢٤ ص ٥٤:الحديث (١٨٠ - ١٨٢).والبخاري في الصحيح: كتاب النكاح: باب من جعل عتق الأمة صدقها: الحديث (٥٠٨٦).
(٢) في المخطوط: (عن).
(٣) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢٠٩؛ قال القرطبي: (وقرأ الحسن البصري وأبي بن كعب والشعبي (أن) بفتح الألف، وقرأ الأعمش: (وامرأة مؤمنة وهبت).قال النحاس: (وكسر (إِنْ) أجمع للمعاني؛ لأنه قيل: إنهن نساء، وإذا تفح كان على واحدة بعينها؛ لأن الفتح على البدل من المرأة، أو بمعنى (لأن). ينظر: إعراب القرآن للنحاس: ج ٣ ص ٢١٩.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
﴿خالِصَةً لَكَ؛﴾ أي خاصّة لك، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛﴾ فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا وليّ ولا مهر إلاّ للنبيّ ﷺ، وهذا من خصائصه في النّكاح، كالتّخيير والعدد في النّساء.
ولو تزوّجها بلفظ الهبة وقبلها بشهود ومهر انعقد النكاح ولزم المهر، وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعيّ ومالك: (لا ينعقد النّكاح بلفظ الهبة إلاّ للنّبيّ ﷺ خاصّة؛ لأنّه تعالى قال ﴿(إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ)﴾ ولم يقل لك، لأنّه لو قال: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهّم أنّه يجوز ذلك لغيره ﵇ كما جاز في قوله تعالى: ﴿(وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ)﴾،لأنّه قال تعالى ﴿(خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)﴾.
وحجّة أبي حنيفة وأصحابه: أنّ إضافة الهبة إلى المرأة دليلا أنّ النبيّ لم يكن مخصوصا بالنكاح بلفظة الهبة، وإنّما كانت خصوصيّة في جواز النّكاح بغير بدل، ولو لم يكن بلفظ الهبة نكاحا لما قال تعالى ﴿(إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها)﴾،فلمّا جعل الله الهبة جوابا للاستنكاح، علم أنّ لفظ الهبة نكاح.
وقوله ﴿(خالِصَةً)﴾ نعت مصدر؛ تقديره: إن وهبت نفسها هبة خالصة لك بغير عوض، أحللنا لك ذلك من دون المؤمنين، فأمّا المؤمنون إذا قبلوا هذه الهبة على وجه النّكاح لزمهم المهر.
ويقال: إن الخالصة نعت للمرأة؛ أي جعلناها خالصة لك فلا تحلّ لغيرك من بعدك.
وقد اختلفوا في هذه المرأة التي وهبت نفسها للنّبيّ من هي؟ فقال قتادة: (هي ميمونة بنت الحارث) (^١).وقال الشافعيّ: (زينب بنت خزيمة، امرأة من الأنصار، وكانت تسمّى أمّ المساكين) (^٢).وقال الضحّاك ومقاتل: (هي أمّ شريك بن جابر من
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٩١) عن قتادة عن ابن عباس ﵄.
(٢) ذكره الطبري في جامع البيان: مج ١٣ ج ٢٤ ص ٢٩ من غير أن ينسبه إلى أجد.
[ ٥ / ٢٠٦ ]
بني أسد) (^١).وقال عروة بن الزّبير: (هي خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم) (^٢).
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ،﴾ أي قد علمنا المصلحة للمؤمنين في أن لا يتزوّجوا أكثر من الأربع، ولا يتزوجوا بغير مهر ولا وليّ ولا شهود. والمعنى: أوجبنا عليهم أن لا يتزوجوا أكثر من أربع بمهر وولي وشهود.
وقوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ،﴾ أي وقد علمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم حتى لا يجوز لهم التزويج بالمعتقة من غير مهر، وحتى لا يباح لهم بملك اليمين كما أبيح للنبيّ ﷺ، فإنه كان له الصفيّ من الغنيمة ولم يكن لغيره. وقيل: معناه وما ملكت أيمانهم ممن يجوز سبيه وحربه، فأما ما كان له عهد فلا.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ،﴾ أي ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم؛ تقديره: خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج، أي أحللنا لك ما ذكرنا؛ ليرتفع عنك الحرج والضيق. قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا،﴾ أي غفورا للنبي ﷺ في التزويج بغير مهر، ﴿رَحِيمًا﴾ (٥٠)،به في تحليل ذلك له. وقيل: غفور لمن يستحقّ المغفرة، رحيم بالعباد فيما يتّصل بالدّين والدنيا.
قوله تعالى: ﴿*تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ،﴾ معناه: تؤخّر من تشاء من فراشك من نسائك، وتضمّ إلى فراشك من تشاء منهن من غير حرج عليك. وهذا من خصائص النبيّ ﷺ تفضيلا له، أبيح له أن يجعل لمن أحبّ منهنّ يوما أو أكثر، ويعطّل من شاء منهنّ فلا يأتيها. وكان القسم واجبا على النبيّ ﷺ والتسوية بينهن، فلما «نزلت» (^٣) هذه الآية سقط الوجوب، وصار الاختيار إليه فيهن. قال منصور عن أبي رزين: (وكان ممّن آوى عائشة وأمّ سلمة وزينب
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٩٥).وقاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٥١.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٧٩٤).
(٣) ما بين «» سقط من المخطوط.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
وحفصة ﵅، وكان يسوّي بينهنّ في القسم، وكان ممّن أرجى سودة وجويريّة وصفيّة وأمّ حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهنّ ما شاء، وكان قد أراد أن يفارقهنّ، فقلن له: اقسم لنا ما شئت من نفسك، ودعنا على حالنا) (^١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ،﴾ معناه: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهنّ من القسمة وتضمّها إليه، فلا عتب عليك ولا لوم.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ،﴾ أي ذلك التخيير الذي خيّرتك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذا كان ذلك منزّلا من الله عليك، ويرضاهنّ كلّهن بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وإيواء. قال قتادة: (إذا علمن أنّ هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهنّ وأقلّ لحزنهنّ) (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ،﴾ والله يعلم ما في قلوبكم من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ، ويعلم ما في قلوبكم من الرّضا والسّخط وغير ذلك، ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا،﴾ بمصالح العباد، ﴿حَلِيمًا﴾ (٥١)،على جهلهم ولا يعاقبهم بكلّ ذنب.
قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ،﴾ قال قتادة: (وذلك أنّ النّبيّ ﷺ لمّا خيّر نساءه فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهنّ فقصره الله عليهنّ وحرّم عليه سواهنّ) (^٣).وكن يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وأمّ حبيبة، وصفيّة، وميمونة، وجويريّة، وسودة (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٨٠٢ و٢١٨٠٣).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٨١٢).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٨١٥).
(٤) ذكره أيضا البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٤٨.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢١٥.وابن عادل في اللباب: ج ١٥ ص ٥٧٣.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
ومعنى الآية: لا يحلّ لك من النساء سوى هؤلاء اللاّتي اخترنك، ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ،﴾ وليس لك أن تطلّق واحدة منهن وتزوّج بدلها. وقوله: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ،﴾ يعني ماريّة القبطية وغيرها من السّبايا. وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (٥٢)،أي حفيظا.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: [ما مات رسول الله ﷺ حتّى حلّت له النّساء] (^١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ،﴾ نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب، قال أنس ابن مالك: (لمّا بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أو لم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أمّي أمّ سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أدعو أصحابه إلى الطّعام فدعوتهم، فجعل القوم يدخلون فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم آخرون فيأكلون ويخرجون، فوضع النّبيّ ﷺ يده على الطّعام ودعا فيه، فأكلوا حتّى شبعوا وخرجوا، وبقيت طائفة منهم لم يخرجوا.
فقال ﷺ: [ارفعوا طعامكم] فرفعوا وخرج النّبيّ ﷺ وبقي أولئك القوم يتحدّثون في البيت فأطالوا المكث. وإنّما خرج رسول الله ﷺ لكي يخرجوا، فمشى رسول الله ﷺ إلى جميع بيوت أزواجه، ثمّ رجع فإذا القوم جلوس يتحدّثون في بيته، وكان النّبيّ ﷺ شديد الحياء، فأنزل الله هذه الآية) (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٨٢٥) بأسانيد عن عائشة وألفاظ. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٦ ص ٤١ و١٨٠ و٢٠١.والترمذي في الجامع: التفسير: باب ومن سورة الأحزاب: الحديث (٣٢١٦)،وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في السنن: كتاب النكاح: باب ما افترض الله ﷿ على رسوله: ج ٦ ص ٥٦.وابن حبان في الإحسان: كتاب التاريخ: باب صفته ﷺ واخباره: الحديث (٦٣٦٦)،وقال: (أرادت بذلك إباحة بعد حظر).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٣ ص ١٦٣.ومسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب زواج زينب بنت جحش: الحديث (١٤٢٨/ ٩٤).والترمذي في الجامع: التفسير: الحديث (٣٢١٨).
[ ٥ / ٢٠٩ ]
قال أنس: (فلمّا نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت، فقال ﷺ:
[وراءك يا أنس]) (^١).
ومعنى الآية: ﴿(لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ)﴾ ﷺ ﴿(إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)﴾ أي إلا أن يدعوا إلى الضيافة أو يؤذن لكم في الدخول، من غير أن يجتنبوا وقت الطعام فيستأذنوا في ذلك الوقت، ثم تقعدوا انتظارا لبلوغ الطعام ونضجه.
ومعنى: ﴿(غَيْرَ ناظِرِينَ)﴾ أي منتظرين نضجه وإدراكه، يقال: أنى يأني إناه، إذا حان وأدرك، وكانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام، فنهوا عن ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا،﴾ أي فتفرّقوا، ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ،﴾ ولا تجلسوا مستأنسين لحديث بعد أن تأكلوا، ﴿إِنَّ ذلِكُمْ،﴾ إنّ طول مقامكم بعد في منزل النبي ﵇، ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ،﴾ ﷺ، ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ،﴾ أن يأمركم بالخروج، ﴿وَاللهُ،﴾ ﷿، ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ،﴾ أي لا يمنعه عن بيان ما هو الحقّ استحياء منكم، وإن كان رسوله يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ،﴾ أي إذا سألتم أزواج النبيّ ﷺ من متاع البيت، فخاطبوهم من وراء الباب والسّتر، قال مقاتل: (أمر الله المؤمنين أن لا يكلّموا نساء النّبيّ ﷺ إلاّ من وراء حجاب) (^٢).وعن أنس ﵁ قال: قال عمر: (يا رسول الله إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب) (^٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يفعل حتّى نزلت هذه الآية) (^٤).وعن عامر ﵁ قال: (مرّ عمر ﵁ على
_________________
(١) في مجمع الزوائد: ج ٧ ص ٩٣؛قال الهيثمي: (رواه أبو يعلى وفيه سلم العلوي وهو ضعيف).
(٢) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٥٢ - ٥٣.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢١٨٣٧).
(٤) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب خروج النساء إلى البراز: الحديث (١٤٦).
[ ٥ / ٢١٠ ]
نساء النّبيّ ﷺ فقال لهنّ: احتجبن؛ فإنّ لكنّ على النّساء فضلا كما أنّ لزوجكنّ على الرّجال فضلا. فلم يلبثوا إلاّ يسيرا حتّى نزلت آية الحجاب).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أمر عمر بن الخطّاب نساء النّبيّ ﷺ فقال:
الحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطّاب إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟!) (^١).وقال أنس: (كنت أدخل على رسول الله ﷺ بغير إذن، فجئت يوما لأدخل فقال: [مكانك يا بنيّ، قد حدث بعد أن لا يدخل علينا إلاّ بإذن] (^٢).
وعن اسماعيل بن أبي حكيم (^٣) في قوله تعالى: ﴿(فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ)﴾ قال: (هذا أدب أدّب الله به الثّقلاء) (^٤).وقالت عائشة ﵂: (حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم فقال: ﴿(فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)﴾ (^٥).
قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ،﴾ أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الرّيبة. وهذا الحكم في الحجاب وإن نزل في أزواج النبي ﷺ، فالمعنى عامّ فيه وفي غيره، ونحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، إلا فيما خصّه الله به دون أمّته.
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ،﴾ أي ليس لكم أن تؤذوه بالدخول في منزله بغير إذنه، ولا بالحديث مع أزواجه ولا بشيء من الأشياء، ولا يحلّ لكم ذلك.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٣١٨٣٣) وإسناده ضعيف، قاله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢٢٤.
(٢) تقدم.
(٣) في المخطوط: (اسماعيل بن حكيم) والصحيح: اسماعيل بن أبي حكيم، وكما في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٤ ص ٢٢٤.
(٤) اسماعيل بن أبي حكيم القرشيّ، كان عاملا لعمر بن عبد العزيز، توفي سنة (١٣٠) من الهجرة، وكان قليل الحديث؛ قال ابن عبد البر في التمهيد: (كان فاضلا ثقة، وهو حجة فيما روى عنه جماعة من أهل العلم). ينظر: تهذيب التهذيب: الرقم (٤٧٠).
(٥) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢٢٤؛ قال القرطبي: (وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي) وذكره. وعلى ما يبدو أنه تحريف من ناسخ المخطوط.
[ ٥ / ٢١١ ]
قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا،﴾ نزل في طلحة بن عبيد الله، قال: (ينهانا محمّد ﷺ أن ندخل على بنات أعمامنا-يعني عائشة وهما من بني تيم بن مرّة-فلأن مات رسول الله ﷺ وأنا حيّ لأتزوجنّ عائشة) (^١).فحرّم الله أزواج النبي ﷺ على عامّة الناس، وجعلهنّ كأمّهاتهم في الإكرام والتحريم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ (٥٣)،أي إنّ الذي قلتم وتمنّيتم من تزويج أزواجه بعد موته كان عند الله عظيما في الوزر والعقوبة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ،﴾ أي إن تظهروا قولا أو تضمروه، فإنّ الله عالم بالظواهر والبواطن والضمائر. وقيل: معناه إن تظهروا أشياء من أمرهنّ، يعني طلحة، قوله تعالى: ﴿(أَوْ تُخْفُوهُ)﴾ أي تسرّونه في أنفسكم، وذلك أنّ نفسه حدّثته بتزويج عائشة. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥٤)،أي عليم بكل شيء من السرّ والعلانية.
فلمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله ونحن أيضا نكلّمهنّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ،﴾ الآية. أي لا حرج عليهن في إذن آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات.
فإن قيل: فهلاّ ذكر الأعمام والأخوال؟ قيل: إنّ العمّ والخال يجريان مجرى الوالدين في الرّؤية، وكان ذكر الآباء يتضمّن ثبات حكم الأعمام والأخوال. وقيل:
إنما لم يذكر الأعمام والأخوال لكي لا يدخل أبناؤهما، ولا يطمعا فيهن.
_________________
(١) ذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٥٣.ونسبة هذا القول ل (طلحة بن عبيد الله) فيه نظر، وكنى ابن عباس ﵄ ولم يصرح بالاسم ب (بعض الصحابة)،وفي رواية القشيري أبو نصر عبد الرحمن: (قال رجل من سادات قريش).قال ابن عطية: (لله درّ ابن عباس ﵄، وهذا عندي لا يصح على طلحة بن عبيد الله)،ينظر: الوجيز: ص ١٥٢١.ونقل القرطبي قال: (قال شيخنا الإمام أبو العباس: وقد حكى هذا القول عن بعض الفضلاء من الصحابة، وحاشاهم عن مثله! والكذب في نقله، وإنما يليق هذا القول بالمنافقين الجهال). الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢٢٩.
[ ٥ / ٢١٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ،﴾ قال ابن عباس ﵄: (يعني نساء المؤمنين، لا نساء اليهود والنّصارى يصفن لأزواجهنّ نساء رسول الله ﷺ إن رأينهنّ).وقوله تعالى: ﴿وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ،﴾ يعني العبيد والإماء، قيل:
حمله على الإماء أولى؛ لأن الحرّ والعبيد يختلفان فيما يباح لهما من النّظر، فلا يجوز للبالغين من العبيد أن ينظروا إلى شيء منهن.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ،﴾ أي واتّقين الله أن يراكنّ غير هؤلاء، وقيل: اتّقين الله في الإذن لغير المحارم في الدخول عليكن، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ،﴾ من أعمال العباد، ﴿شَهِيدًا﴾ (٥٥)،لم يغب عنه شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ،﴾ معناه: أنّ الله يترحّم على النّبيّ ويثني عليه، وقوله: ﴿(وَمَلائِكَتَهُ)﴾ أي والملائكة يدعون له بالرّحمة، وقوله تعالى: ﴿(يُصَلُّونَ)﴾ الضمير فيه يعود على الملائكة دون اسم الله تعالى؛ لأن الله ﷿ يفرد ذكره عن ذكر غيره إعظاما كما تقدم في قوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾. وقرأ ابن عباس: «(وملائكته)» بالرفع عطفا على محل قوله تعالى قبل دخول ﴿(إِنَّ)﴾،ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ﴾ (^١) وقد مضى ذلك.
وقيل: معنى قوله: ﴿(وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ)﴾ أي يثنون ويترحّمون ويدعون له. وقال مقاتل: (أمّا صلاة الله فالمغفرة، وأمّا صلاة الملائكة فالاستغفار له).وقوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ،﴾ أي قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، تعظيما وإجلالا وتفضيلا.
وعن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول الله كيف الصّلاة عليك؟ قال: [قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل
_________________
(١) المائدة ٦٩/.
[ ٥ / ٢١٣ ]
محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد] (^١).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: (إذا صلّيتم على النّبيّ ﷺ فأحسنوا الصّلاة عليه؛ فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلّمنا ذلك. قال: قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النّبيّين محمّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرّحمة. اللهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأوّلون والآخرون. اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥٦)،يجوز أن يكون معناه: واخضعوا لأمره خضوعا، ويجوز أن يكون معناه: الدّعاء بالسلام، يقول: السّلام عليك يا رسول الله. وعن الحسن قال: سئل النّبيّ ﷺ فقيل: يا رسول الله عرفنا السّلام عليك، فكيف الصّلاة عليك؟ قال: [قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد] (^٣).
والأفضل في هذا الباب أن تصلّي على محمّد وعلى آله، فتقول: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد. فإنّ اقتصر على أحدهما جاز.
واختلفوا في كيفيّة وجوب الصلاة على النبي ﷺ، فقال بعضهم: تجب في العمر مرّة واحدة بمنزلة الشهادتين، وإلى هذا ذهب الكرخيّ قال: (إذا صلّى عليه في عمره مرّة واحدة فقد أدّى فرضه، إلاّ أنّ المستحبّ لكلّ مسلم أن يكثر من الصّلاة عليه في مقابلة حقّه في الدّين علينا، كما يلزم المرء الدّعاء لأبويه المؤمنين ليقضي بذلك الدّعاء حقّهما عليه).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير بأسانيد: الحديث (٢٦٦ - ٢٨١):ج ١٩ ص ١١١ - ١١٦.والبخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٧٩٧).ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب الصلاة على النبي ﷺ: الحديث (٤٧/ ٤٠٦).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٤ ص ٢٣٤؛ قال القرطبي: (وروى المسعودي ) وذكره بإسناده. وفي كنز العمال: الحديث (٢١٩٣) عزاه للديلمي عن ابن مسعود. وقال الحافظ ابن حجر: (المعروف أنه رواه موقوف عليه، كذا رواه).
(٣) ذكره الطبري في جامع البيان من غير إسناد: ينظر: الأثر (٢١٨٥٣).
[ ٥ / ٢١٤ ]
وقال بعضهم: تجب عليه في كلّ مجلس مرّة بمنزلة سجدة التّلاوة. وقال الطّحاويّ: (تجب الصّلاة على النّبيّ ﷺ كلّما ذكر) واستدلّ بما روي أنّ جبريل ﵇ قال للنبيّ ﷺ: [من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فلا غفر الله له] (^١).وقال الشافعيّ ﵁: (الصّلاة عليه فرض في كلّ صلاة) وهذا قول لم يقل به أحد غيره (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،﴾ قال المفسّرون: هم المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله وشجّوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، وشاعر، وساحر كذاب. قال ﷺ: [ما من أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، جعلوا له ندّا وجعلوا له ولدا، وهو مع ذلك يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم] (^٣) وكذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير.
ومعنى: يؤذون الله، أي يخالفون أمر الله ويعصونه ويصفونه بما هو منزّه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى. وقوله تعالى: ﴿(لَعَنَهُمُ اللهُ)﴾ أي باعدهم الله يعني بالقتل والجلاء في الدّنيا، والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا﴾ (٥٧)،أي ذي هوان.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا،﴾ أي يرمونهم بما ليس فيهم، قال قتادة والحسن: (إيّاكم وإيذاء المؤمن؛ فإنّ الله يغضب له ويؤذي من آذاه) (^٤).وعن عبد الرحمن بن سمرة (^٥) قال:
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في الإحسان: كتاب الرقائق: باب الأدعية: الحديث (٩٠٧).
(٢) أدرج الناسخ كعادته عبارة: (كذا في تفسير عبد الصمد).وقد تقدم ذكره.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٨٦٠) عن قتادة. وذكره الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٨ ص ٦٣ عنهما. وفي الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٥٧؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم).
(٥) عبد الرحمن بن سمرة رضي الل ّه عنه أسلم يوم الفتح، يقال: اسمه عبد كلال، وقيل غير ذلك، فسماه-
[ ٥ / ٢١٥ ]
خرج النّبيّ ﷺ على أصحابه فقال: [رأيت اللّيلة عجبا، رأيت رجالا معلّقون بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الّذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا].
قوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٥٨)،أي فقد قالوا كذبا وجنوا على أنفسهم وزرا وعقوبة.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ،﴾ أي قل لنسائك وبناتك والحرائر من النساء يلقين على رءوسهن ووجوههنّ من جلابيبهن، والجلباب: هو المقنعة التي تستر بها المرأة ما يظهر من العنق والصدر، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة.
قال المفسّرون: يغطّين رءوسهن ووجوههن إلا عينا واحدة. وظاهر الآية يقتضي أن يكنّ مأمورات بالسّتر التام عند الخروج إلى الطّرق، فعليهن أن يستترن إلا بمقدار ما يعرفن به الطريق.
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥٩)،معناه: ذلك أقرب أن يعرفن الحرائر من الإماء فلا يؤذي الحرائر؛ لأن الناس كانوا يومئذ يمازحون الإماء ولا يمازحون الحرائر، وكان المنافقون يمازحون الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبنا أنّهن إماء. فأمر الله الحرائر بهذا النوع من السّتر قطعا لأعذار المنافقين.
وعن عمر ﵁: أنّه كان يضرب الإماء ويقول: (اكشفن رءوسكنّ ولا تتشبّهن بالحرائر) (^١).ومرّت جارية بعمر ﵁ متقنّعة، فعلاها بالدرّة وقال: (يا لكاع، أتتشبّهين بالحرائر، ألقي القناع) (^٢).
_________________
(١) -النبي ﷺ عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سجستان وكابل وغيرها، وشهد غزوة مؤتة، توفي سنة خمسين من الهجرة. ينظر: تهذيب التهذيب: الرقم (٣٩٩٥):ج ٥ ص ١٠٢.
(٢) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٦٠؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة ﵁) وذكره.
(٣) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٦٦٠؛قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس ﵁) وذكره.
[ ٥ / ٢١٦ ]
ويقال في معنى ذلك: ﴿(أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ)﴾ أي أقرب إلى أن يعرفن بالسّتر والصلاح؛ فييئس منهن فسّاق الرّجال، فلا يطمعون فيهن كطمعهم فيمن تتبرّج وتتكشّف.
قوله تعالى: ﴿*لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ،﴾ أي لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ،﴾ يعني الفجور وهم الزّناة وضعفاء الدّين عن أذى المؤمنين، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ،﴾ وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدوّ، ويقولون لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ،﴾ أي لنسلطنّك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلًا﴾ (٦٠)،أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا،
﴿مَلْعُونِينَ،﴾ مطرودين مبعدين عن الرّحمة، ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا،﴾ أي أينما وجدوا وأدركوا.
قوله تعالى: ﴿(مَلْعُونِينَ)﴾ نصب على الحال، وقيل: على الذمّ، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون مطرودون مخذولون.
وقوله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٦١)،أي أخذوا وقتلوا مرّة بعد مرّة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة الكفّار، ومن حقّ الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النّفاق، فلمّا وعدهم الله في هذه الآية فكتموه) (^١).
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ،﴾ أراد بالسّنة الطريقة التي أمر الله بلزومها واتباعها، وقد كانت هذه السّنة في الأمم الماضية، لمّا آذى المنافقون أنبياءهم، أمر الله أنبياءه بقتالهم.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٨٧٢).
[ ٥ / ٢١٧ ]
قال الزجّاج: (سنّ الله في الّذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا) (^١) ولا يبدّل الله سنّته فيهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ (٦٢)،أي هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ،﴾ قال الكلبيّ: (سأل أهل مكّة النّبيّ ﷺ عن السّاعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ،﴾ أي قل لهم يا محمّد: إنّما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (٦٣)،أي أيّ شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: ﴿(لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)﴾.
وما بعد هذه الآية:
﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (٦٥)،ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ،﴾ أي تقلّب وجوه الكفار ظهر البطن، وقيل: تقلّب إلى سواد، وقيل: تقلّب إلى الأقفية.
وقرأ أبو جعفر: «(تقلّب)» بفتح التاء بمعنى تتقلّب. وقرأ عيسى بن عمر: «(نقلّب)» بالنون وكسر اللام «(وجوههم)» بالنصب. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ (٦٦)،في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧) أي صرفونا عن الدّين وعن سبيل الهدى. قرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: «(ساداتنا)» بالألف وكسر التاء على جمع الجمع.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ،﴾ أي عذّبهم مثلي عذابنا، فيكون ضعف على كفرهم وضعف على دعائهم لنا إلى الضلال. وقوله:
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٦٨)،قرأ عاصم ﴿(كَبِيرًا)﴾ بالباء؛ أي عظيما، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة، وإنما اختاروا الكثرة لقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ (^٢) وقوله
_________________
(١) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ١٧٩.
(٢) البقرة ١٥٩/.
[ ٥ / ٢١٨ ]
تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (^١) فهذا يشهد للكثرة.
حدثنا محمّد بن الحسن العسقلاني، قال: (سمعت محمّد بن السري يقول:
رأيت في المنام كأنّي في مسجد عسقلان، وكأنّ رجلا يناظرني ويقول: ﴿(وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)﴾ وأنا أقول: «(كثيرا)».وإذا بالنبيّ ﷺ فدخل علينا المسجد، وكان في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبيّ ﷺ يقصدها.
فقلت: هذا النبيّ ﷺ، فقلت: السّلام عليك يا رسول الله استغفر لي. فأمسك عنّي، فجئته عن يمينه فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فأعرض عني، فقمت من تلقاء صدره، حدّثنا سفيان بن عيينة عن محمّد بن المنكدر وعن جابر بن عبد الله: [أنّك ما سئلت شيئا قط فقلت لا] فتبسّم ﵇ وقال: [اللهم اغفر له].فقلت: يا رسول الله إني وهذا نتكلّم في قوله تعالى: (والعنهم لعنا كثيرا)،فأنا أقول: (كثيرا) وهذا يقول:
﴿(كَبِيرًا)﴾،قال: فدخل النبيّ ﷺ المنارة وهو يقول: كثيرا، كثيرا، بالثاء إلى أن غاب عني صوته) (^٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا،﴾ أي لا تكونوا في أذى محمّد ﷺ كبني إسرائيل، الذين آذوا موسى بعيب أضافوه إليه، فبرّأه الله مما قالوا عليه، ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ (٦٩)، أي رفيع القدر والمنزلة.
واختلفوا في العيب الذي أضافه بنوا إسرائيل إلى موسى، قال بعضهم: كان هارون أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى لزيادة رفقه بهم، فلما مات هارون في حال غيبتهما عنهم، قالوا: إنّ موسى قتله لتخلص له النّبوة، فأحياه الله تعالى حتى كذبهم.
وقال بعضهم: كان أذاهم له أنهم رموه بالأدرة لكثرة حيائه واستتاره عن الناس، وكانت بنوا إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان
_________________
(١) البقرة ١٦١/.
(٢) ذكر القصة أيضا بإسناده الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٨ ص ٦٥.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٣ ص ٢٥٠ مختصره.
[ ٥ / ٢١٩ ]
موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (^١).
قال: فذهب يغتسل مرّة، فوضع ثوبه على حجر، فذهب الحجر بثوبه، فخرج موسى من الماء في إثر الحجر، يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوأته ﵇، فقالوا: والله ما به من بأس. فقام الحجر بعد ما نظروا إليه وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا. قال أبو هريرة: [والله إنّ بالحجر ندب ستّة أو سبعة من ضرب موسى] (^٢).قوله تعالى: ﴿(وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا)﴾ أي حظيّا لا يسأله شيئا إلا أعطاه.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ،﴾ أي اتّقوا عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٧٠)،قال ابن عباس:
«(صوابا)»،وقال الحسن: «(صادقا)» يعني كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله.
وقوله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ،﴾ قال ابن عبّاس: (معناه: يتقبّل حسناتكم) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ،﴾ بسداد قولكم، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧١)،أي فقد نال الخير كلّه وظفر به، والفوز العظيم هو الظّفر بالكرامة والرضوان من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ،﴾ معناه: إنا عرضنا الأمانة التي هي الشرائع والفرائض التي يتعلّق بأدائها الثواب وبتركها العقاب. قال ابن عباس: (عرضت الأمانة على السّماوات السّبع الّتي زيّنت بالنّجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهنّ بأخذ الأمانة بما فيها، قلن: وما فيها، قيل:
إن أحسنتنّ جزيتنّ، وإن أسأتنّ عوقبتنّ، قلن: لا. ثمّ عرضت الأمانة على الجبال الصّمّ الشّوامخ الصّلاب البواذخ) (^٣)، ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾. قال
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: (آدر: هو بهمزة ممدودة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء مخففتين، قال أهل اللغة: هو عظيم الخصيتين).المجلد الثاني: ص ٢٧٢.
(٢) أصل هذا القول حديث أبي هريرة كما في الصحيحين، أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الغسل: باب من اغتسل عريانا وحده: الحديث (٢٧٨).ومسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب جواز الاغتسال عريانا: الحديث (٣٣٩/ ٧٥).
(٣) البذح: الشّقّ، وفي رجل فلان بذوح؛ أي شقوق. ينظر: لسان العرب: (بذح):ج ١ ص ٣٥٠.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
ابن جريج: (قالت السّماء: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت فيّ الشّمس والقمر والنّجوم، لا أعمل فريضة ولا أبتغي ثوابا. وقالت الأرض: يا رب جعلتني بساطا ومهادا، وشققت فيّ الأنهار، وأنبتّ فيّ الأشجار، لا أتحمّل فريضة ولا أبتغي ثوابا ولا عقابا) (^١).
ومعنى قوله: ﴿(فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها)﴾ أي مخافة وخشية لا معصية ولا مخالفة، والعرض كان تخييرا لا إلزاما، قوله: ﴿(وَأَشْفَقْنَ مِنْها)﴾ أي خفن من الأمانة أن لا توفّيها، فيلحقهنّ العقاب، فأبوا ذلك تعظيما لدين الله وخوفا أن لا يقوموا به، وقالوا: نحن مسخّرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا.
قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٧٢)،يعني:
وحملها آدم ﵇ قال الله له: يا آدم إني عرضت الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ولم يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فتحمّلها آدم، وقال: حملتها بين أذنيّ وعاتقي.
قال ابن عباس: (عرض الله على آدم أداء الصّلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزّكاة عند محلّها، وصيام رمضان، وحجّ البيت، على أنّ له الثّواب وعليه العقاب، فقال: بين أذنيّ وعاتقي) (^٢).
وقال مقاتل: (قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حقّ رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك الكرامة وحسن الثّواب في الجنّة، وإن عصيت وأسأت معذّبك ومعاقبك. قال: قد رضيت يا رب، وتحمّلها. فقال الله ﷿: قد حمّلتكها. فذلك قوله تعالى: ﴿(وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا)﴾.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣١٥٩:الرقم (١٧٨١٣).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان بأسانيد: الرقم (٢١٨٩٥).
[ ٥ / ٢٢١ ]
قال الكلبيّ: (ظلمه حيث عصى ربّه وأخرج من الجنّة، وجهله حيث تحمّلها).
وقال مقاتل: (ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة ما حمّل) (^١).وقال مجاهد: (لمّا خلق الله السّماوات والأرض والجبال، عرضت الأمانة عليها فلم تقبلها، فلمّا خلق الله آدم عرضها عليه فقال: قد تحمّلتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحمّلها وبين أن أخرج من الجنّة إلاّ قدر ما بين العصر والظّهر) (^٢).
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: (إنّ الله قال لآدم: إنّي عرضت الأمانة على السّماوات والأرض فلم يطقنها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن حفظتها أجرت، وإن ضيّعتها عوقبت، قال: قد تحمّلتها. فما بقي في الجنّة إلاّ كقدر ما بين الظّهر والعصر حتّى خرج منها) (^٣).
وقال زيد بن أسلم: (الأمانة هي الصّوم والغسل من الجنابة)،وقال بعضهم:
(هي أمانات النّاس والوفاء بالعهود، فحقّ على كلّ مؤمن أن لا يغشّ مسلما في شيء لا قليل ولا كثير).
وقال السديّ: (هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وذلك أنّ آدم ﵇ لمّا أراد أن يحجّ إلى مكّة، قال: يا سماء احفظي أولادي بالأمانة، فأبت.
وقال للأرض كذلك، فأبت. وقال للجبال كذلك، فأبت. ثمّ قال لابنه قابيل:
أتحفظهم بالأمانة؟ قال: نعم، تذهب وترجع فتجد أهلك كما يسرّك. فانطلق آدم ورجع وقد قتل قابيل هابيل، فذلك قوله تعالى: ﴿(وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا)﴾ يعني قابيل حين حمل أمانة أبيه ثمّ لم يحفظها) (^٤).
قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ،﴾ أي ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرّسل، ونقض الميثاق
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٥٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣١٦٠: الرقم (١٧٨١٥).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٨٩٥).
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢١٩٠٥) مطولا، والأثر (٢١٩٠٦) مختصرا.
[ ٥ / ٢٢٢ ]
الذي أقرّوا به حين أخرجوا من ظهر آدم. قال الحسن: (هؤلاء الّذين خانوها، وهم الّذين ظلموها).
قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ لأنّهم أدّوا الأمانة، وهي الفرائض. وقيل: معنى الآية: إنّا عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق، وشرك المشرك فيعذّبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي يعود عليهم بالمغفرة والرّحمة إن حصل منهم تقصير في بعض الطاعات، وكذلك ذكر بلفظ التوبة، فدلّ على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا،﴾ للمؤمنين إذا تابوا، ﴿رَحِيمًا﴾ (٧٣)،بمن مات على التوبة.
آخر تفسير سورة (الأحزاب) والحمد لله رب العالمين.
[ ٥ / ٢٢٣ ]