سورة الأحقاف مكّيّة، وهي ألفان وخمسمائة وخمسة وخمسون حرفا، وستّمائة وأربعون كلمة، وخمس وثلاثون آية. [من قرأها أعطي من الأجر بعدد كلّ رمل في الدّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات] هكذا قال النّبيّ ﷺ (^١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ ينتهي إليه وهو يوم القيامة تنتهي إليه السّماوات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائهما وانقضائهما.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٢)؛أي معرضون عمّا خوّفوا به من القرآن، ولا يتدبّرون ولا يتفكّرون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ من الملائكة والأصنام، وتدّعون أنّها آلهة، ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ؛﴾ أي أخبروني ماذا خلقوا من الأرض، لأنّ الخالق هو الذي يستحق العبادة، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أم لهم نصيب في خلق السّماوات، فذلك ما أشركتموهم في عبادة الله تعالى، ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا؛﴾ القرآن فيه برهان ما تدّعون، ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ؛﴾ معناه ائتوني ببقية من علم المتقدّمين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف: ج ٤ ص ٣٠٦.وأخرجه الثعلبي وابن مردويه والواحدي بأسانيدهم إلى أبي بن كعب ﵁.
[ ٦ / ٥ ]
وقيل: الأثارة؛ والأثرة-بإسكان الثاء-والأثرة-بفتحها-معناها: الرّواية من العلماء، يقال: فلان يأثر الحديث عن فلان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (^١)،والعلم المأثور هو المروي.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛﴾ أي أبعد ذهابا عن الصّواب ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب دعاء ولو دعاه، ﴿(إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)﴾ يعني الأصنام، ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ (٥) أي عن دعاء من دعاها؛ لأنّها جماد لا تسمع ولا تبصر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (٦)
معناه: وإذا جمع الناس يوم القيامة صارت الأصنام أعداء لمن عبدها في الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (^٢)،وقال: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)؛ويقولون: إنّ محمّدا أتى به من نفسه، وهو قوله:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا؛﴾ أي لا يقدرون أن يردّوا عنّي عذابه، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عنّي إن افتريت عليه شيئا؟ وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ؛﴾ أي الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التّكذيب به والقول فيه إنه سحر وكهانة، ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛﴾ أي القرآن جاء من عند الله، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٨)؛في تأخير العذاب عنكم حين لم يعجّل عليكم بالعقوبة.
قال الزجّاج: (هذا دعاء لهم؛ أي التّوبة، معناه: أنّ من أتى من الكبائر بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله ثمّ تاب، فالله غفور رحيم؛ أي غفور له رحيم به) (^٤).
_________________
(١) المدثر ٢٤/.
(٢) فاطر ١٤/.
(٣) القصص ٦٣/.
(٤) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٣٤،والعبارة هنا أتم.
[ ٦ / ٦ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ؛﴾ أي ما أنا أوّل رسول أرسل إلى الناس، قد بعث قبلي كثر من الرّسل. والبديع من كلّ شيء المبتدع، ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ؛﴾ أيتركني بمكّة أو يخرجني منها أو يخرجكم. وقيل: معناه: لا أدري أموت أم أقتل، ولا أدري أيّها المكذّبون أترمون بالحجارة من السّماء أو يخسف بكم.
وهذا إنّما هو في الدّنيا، فأمّا في الآخرة فقد علم أنه في الجنّة، وأنّ من كذبه في النار، ألا تراه يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ؛﴾ وقد أوحي إليه ما يصير إليه الكافر والمؤمن في الآخرة. وقيل: معناه: وما أدري ماذا أومر به في الكفّار من حرب أو سلم، وما أدري ماذا يفعل الله بهم أيعاجلهم الله بالعقوبة أو يؤخّرها عنهم.
قوله تعالى: ﴿(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ)﴾ أي ما أتّبع إلاّ القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا، ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٩)؛أي أنذركم وأبيّن لكم الشرائع.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ؛﴾ ثم اختلفوا، والمراد بشاهد في هذه الآية فقال من ذهب إلى أنّ هذه السّورة مكّية كلّها: أنّ المراد به يامين بن يامين، فإنّ عبد الله بن سلام ممّن أسلم بالمدينة، وهذا شاهد قدم بمكّة فآمن. وقيل: إنّ المراد بالشاهد موسى ﵇ كان من بني إسرائيل، وكان شهادته للنبيّ ﷺ في التوراة من تصديق القرآن، ومثل القرآن هو التوراة (^١).
وقال ابن عبّاس: (هو عبد الله بن سلام)،روي: أنّه قدم من الشّام، فأتى النّبيّ ﵇ ليلا وشهد أنّ نعته مكتوب في التّوراة فآمن به، ثم قال: أخبئني في البيت، ثمّ أحضر اليهود سلهم عنّي، فإنّهم سيذكرونني عندك ويخبرونك بمكاني من العلم.
ففعل ذلك رسول الله ﷺ واستخبر اليهود وقال لهم: [ما تقولون في عبد الله ابن سلام؟] فقالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وبقيّة المتقدّمين منّا.
فقال ﷺ: [أرأيتم إن آمن بي تؤمنوا أنتم؟] فقالوا: إنّه لا يفعل ذلك.
_________________
(١) بمعناه؛ قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٣٥.
[ ٦ / ٧ ]
فكرّر عليهم النّبيّ ﷺ مرّة بعد أخرى حتّى قالوا: نعم، فخرج عبد الله بن سلام وقال لهم: ألم يأتكم في التّوراة عن موسى ﵇: إذا رأيتم محمّدا ﷺ فأقرءوه منّي السّلام وآمنوا به؟ ثمّ جعل يوقفهم من التّوراة على مواضع منها فيها ذكر النّبيّ ﷺ وصفته، وكانوا يستكبرون ويجحدون، فقال عبد الله بن سلام للنّبيّ ﷺ: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، أرسلك بالهدى ودين الحقّ. فقالوا: ما كنت أهلا لما أتينا عليك، ولكنّك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك (^١).
ومعنى الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن من عند الله، أنزله وكفرتم أيّها المشركون، (وشهد شاهد من بني إسرائيل) عبد الله بن سلام على صدق النبيّ ﷺ في نبوّته (على مثله) أي عليه أنّه من عند الله، والمثل صلة. وقوله تعالى (فآمن) يعني الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، وجواب (إن) محذوف؛ وتقديره: أليس قد ظلمهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠)؛وقيل: تقدير الجواب: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) أفأمنوا عقوبة الله، ﴿(إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ)﴾ يعني المعاندين بعد الوضوح والبيان يحرمهم الله الهداية.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ؛﴾ أي قال الكفار من بني أسد وغطفان وأشجع لمن أسلم من جهينة ومزينة وأسلم وغفار: (لو كان هذا) يعنون القرآن (خيرا) مما نحن عليه لما سبق رعاة الشاة ونحن أرفع منهم، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ؛﴾ مع ظهوره ووضوحه، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مع ذلك، ﴿هذا؛﴾ القرآن؛ ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (١١)؛كذب متقادم اتّبعه محمّد وأحبّاؤه في عصره.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: الآثار (٢٤١٧٢ - ٢٤١٧٦).
[ ٦ / ٨ ]
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً؛﴾ أي ويشهد للقرآن كتاب موسى قبله إمام يقتدى ونجاة من العذاب لمن آمن به، ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ وهذا القرآن مصدّق لما في التوراة. وقوله تعالى: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا؛﴾ أي بلسان عربيّ تعقلونه. ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، ويكون (لسانا) توكيدا، كما يقال: جاءني زيد رجلا صالحا، يريد: جاءني زيد صالحا، وقال الزجّاج: (قوله تعالى: (اماما) نصب على الحال) (^١)؛تقديره: وتقدّمه كتاب موسى ﵇ إماما.
وفي الكلام محذوف تقديره: إماما ورحمة فلم يهتدوا به، يدل عليه قوله تعالى:
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ (^٢) وذلك أنّ المشركين لم يهتدوا بالتوراة فيتركوا عبادة الأصنام ويعرفوا منه صفة النبيّ ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ؛﴾ غير الكتب التي قبله ﴿(لِسانًا عَرَبِيًّا)﴾ منصوب على الحال؛ أي مصدّق لما بين يديه عربيّا. ومعنى قوله تعالى ﴿(كِتابُ مُوسى إِمامًا)﴾ أي يقتدى به؛ يعني التوراة، (ورحمة) من الله للمؤمنين به؛ قيل: القرآن.
وعن عروة عن أبيه (^٣) قال: (كانت زنّيرة (^٤) امرأة ضعيفة البصر، فلمّا أسلمت كان الأشراف من مشركي قريش يستهزءون بها ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمّد خيرا ما سبقتنا إليه زنّيرة (^٥).فأنزل الله تعالى فيها وفي أمثالها ﴿(وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ)﴾ أي أساطير الأوّلين) (^٦).
_________________
(١) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٣٦.
(٢) الأحقاف ١١/.
(٣) في المخطوط: (عن زياد عن أبيه).
(٤) في المخطوط: (زيرة وزبيرة).
(٥) زنيرة، هي مولاة لأبي بكر، وهي أحد السبعة الذين كانوا يعذّبون في الله، اشتراها أبو بكر وأعتقها، وكانت مولاة لبني عبد الدار، فلما أسلمت عميت، فقال المشركون: أعمتها اللات والعزى لكفرها باللات والعزى، فردّ الله عليها بصرها. رواه هشام بن عمرة عن أبيه. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج ٤ ص ٤٠٦: الرقم (٣٣٨٨).
(٦) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ١٨٩؛ قال القرطبي: (قاله عروة بن الزبير).
[ ٦ / ٩ ]
قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ؛﴾ أي أنزلناه لتخوّف، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا،﴾ يعني مشركي مكّة. ومن قرأ بالياء أسند الفعل إلى الكتاب (^١).وقوله تعالى: ﴿وَبُشْرى﴾ أي وهو بشرى، ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢)؛الموحّدين، يعني الكتاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤).
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا؛﴾ في الآية دليل (^٢) على أنّها نزلت في رجل بعينه؛ لأنّ الناس كلّهم لا يكون حملهم ورضاعهم ثلاثون شهرا، ولا يقولون إذا بلغوا أربعين سنة: ﴿(رَبِّ أَوْزِعْنِي)﴾.وجاء في التفسير: أنّها نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁ (^٣).
قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا؛﴾ أي على كلفة ومشقّة، وأراد به الحمل في البطن إذا ثقل عليها الولد، قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا؛﴾ يريد شدّة الطّلق ومشقّة الوضع. قرأ أهل الكوفة «(إحسانا)» وهي قراءة ابن عبّاس ﵁.
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا؛﴾ أي حمله ستّة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهرا. وروى عكرمة عن ابن عبّاس ﵁ قال: (إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعته أحد وعشرين شهرا).وقال مقاتل وعطاء والكلبيّ: (هذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁، وكان حمله وفصاله هذا القدر) (^٤)،ويدلّ على صحّة هذا قوله تعالى: ﴿(حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ )﴾ ثم إلى آخر الآية. وقرأ الحسن ويعقوب «(وفصله)» بغير ألف.
_________________
(١) ومن قرأ بالياء، المعنى: لينذر الكتاب الذين ظلموا، ومن قرأ بالتاء، المعنى: لينذر محمد ﷺ الذين ظلموا.
(٢) في المخطوط: (لها دليل).
(٣) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤١؛ قال السيوطي: (أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس) وذكره.
(٤) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٢٢.
[ ٦ / ١٠ ]
قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵁: (أشدّه بضع وثلاثون سنة) وقال: (ثماني عشرة سنة).وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبيّ ﷺ ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره. فلما ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛﴾ ونبئ رسول الله ﷺ دعا ربّه، ﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ؛﴾ أي ألهمني شكر نعمتك، ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ؛﴾ بالهداية والإيمان حتى لم أشرك بك شيئا، ﴿وَعَلى والِدَيَّ؛﴾ أبي قحافة عثمان بن عمر وأمّي أمّ الخير بنت صخر بن عمر، قال عليّ ﵁: (هذه الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا، ولم يجتمع أحد من الصّحابة والمهاجرين أبواه غيره، وأوصاه الله بهما) (^١).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ؛﴾ فأجاب الله وأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلاّ أعانه الله عليه، واستجاب الله في درّيته حين قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي؛﴾ فلم يبق له ولد ولا والد إلاّ آمنوا بالله وحده، قال موسى بن عقبة (^٢): (لم يدرك أربعة النّبيّ ﷺ هم وأبناؤهم إلاّ هؤلاء: أبو قحافة، وأبو بكر، وابنه عبد الرّحمن، وأبو عتيق بن عبد الرّحمن بن أبي بكر ﵁) (^٣).قال البخاريّ: (أبو عتيق أدرك النّبيّ ﷺ).
قوله (وأصلح لي في درّيّتي) أي اجعل أولادي كلّهم صالحين، وقوله:
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٥)؛أي إنّي أقبلت إلى كلّ ما يجب وأسلمت لك بقلبي ولساني وإنّي من المخلصين، فأسلم أبوه وأمّه ولم يبق له ولد إلاّ أسلم.
_________________
(١) ذكره القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ١٩٤.
(٢) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، تابعي روى عن جمع من الصحابة، وله كتاب المغازي، قال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى: كان مالك يقول: (عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة) وفي رواية أخرى عنه: (عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي).ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب: الرقم (٧٢٧٣).
(٣) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١١٨٦،ولم يعزه إلى أحد.
[ ٦ / ١١ ]
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا؛﴾ أي أهل هذه الصّفة الذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا وهو الطاعات، ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ؛﴾ التي سبقت في الجهل، وقوله تعالى: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ؛﴾ أي يدخلون في أصحاب الجنّة وعدا صدقا من الله تعالى، ﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١٦)؛به في الدّنيا على ألسنة الرسل.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما؛﴾ نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر، قال لأبيه وأمه قبل أن يسلم حين كانا يدعوانه إلى الإسلام، ويخبرانه بالبعث بعد الموت وهو يأبى ويسيء القول لهما، فقال لهما: ﴿(أُفٍّ لَكُما)﴾ أي أفّ قذفا لكما، كما يقال عند شمّ الرائحة الكريهة، ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي؛﴾ أي تخوّفانني أن أخرج من القبر وقد مضت القرون من قبل ولم يخرج أحد منهم من قبره، أين عبد الله بن جدعان؟ أين فلان وأين فلان؟! ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ؛﴾ يعني أبويه يدعوان الله له بالهدى ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ؛﴾ أي صدّق بالبعث، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ،﴾ بالبعث، ﴿فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧)؛فيقول لهما: ما هذا الذي تقولان إلاّ أكاذيب الأوّلين (^١).
والاستغاثة بالله دعاؤك الله ليغيثك على ما نابك، والجارّ محذوف؛ تقديره:
يستغيثان بالله. وقرأ القرّاء والأعمش «(أن أخرج)» بفتح الألف وضمّ الراء (^٢).
قال ابن عبّاس: (فلمّا ألحّ عليه أبواه في دعائه إلى الإيمان؛ قال لهما: أحيوا لي عبد الله بن جدعان، فإنّه كان شيخا صدوقا، وأحيوا لي عامر بن كعب، ومشايخ
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤١٩١) وإسناده ضعيف، ولم يسمه. والقصة حكاها مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٢٣.والقصة مختلقة من مروان بن الحكم على عبد الرحمن بن أبي بكر، فاتهمه مروان بهذا حين طلب من أهل المدينة البيعة ليزيد بن معاوية، فعارضه عبد الرحمن. وكذّبت عائشة ﵂ مروان في ادعائه وزعمه كما أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: سورة الأحقاف: الحديث (٤٨٢٧).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ١٩٧؛ قال القرطبي: (وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش) وذكره.
[ ٦ / ١٢ ]
من قريش حتّى أسألهم عن ما تقولان، وأخرجا لي بعض آبائي وأجدادي من قبورهم لأسألهم، فإن صدّقوا كما آمنت) (^١).
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي وجبت عليهم كلمة العذاب في أمم قد مضت من قبلهم، ﴿مِنْ؛﴾ كفار، ﴿الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (١٨)؛الإيمان. ثم أسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه، وكان من أفاضل المؤمنين.
وذهب الحسن إلى أنّ الآية نزلت في كافر عاقّ لوالديه مكذّب للبعث (^٢)،مات على كفره، قال: (لأنّ قوله ﴿(أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)﴾ إعلام بأنّهم لا يؤمنون) وإلى هذا القول ذهب الزجّاج (^٣).
ويروى أن معاوية كتب إلى مروان: (لتأخذنّ على النّاس البيعة ليزيد) فكره ذلك عبد الرّحمن وقال: (أتأخذون البيعة لأبنائكم؟!) قال مروان: هذا الّذي يقول الله فيه ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فلمّا بلغ ذلك عائشة فقالت: (كذب مروان! والله ما هو به، إنّما أنزل الله ذلك في رجل من بني أميّة، ولو شئت أن أسمّيه لسمّيته لكم، ولكن أشهد أنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه، فهو في قصص من لعنه الله) (^٤).
_________________
(١) في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣٢٩٥ نقله ابن أبي حاتم عن السدي. وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ١٩٧؛ قال القرطبي: (قال ابن عباس والسدي وأبو العالية ومجاهد) وذكره.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤١٩٢).
(٣) في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٣٨؛قال الزجاج: (فقال بعضهم: إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه، وهذا يبطله قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ فأعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وإذا أعلم بذلك فقد أعلم أنهم لا يؤمنون، وعبد الرحمن مؤمن، ومن أفاضل المؤمنين وسرواتهم. والصحيح أنها نزلت في الكافر العاق).
(٤) القصة لها ألفاظ وإيجاز وتفصيل، في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤٤؛ قال السيوطي: (أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك) وذكر القصة بلفظ: أن عبد الرحمن بعد أن أنكر على مروان، أمر مروان بأخذه، فدخل بيت عائشة فلم يقدر عليه، وجرى الحديث. ينظر: الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٨٢٧).وفي الشرح قال ابن حجر: (لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته، أصح إسنادا وأولى بالقبول).
[ ٦ / ١٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا؛﴾ أي ولكلّ الفريقين من الكافرين والمؤمنين منازل مما عملوا، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٩)؛أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيّئاتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ؛﴾ أي وأنذرهم يوم يعرض كفّار مكّة على النار ويقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا؛﴾ أي أذهبتم أموالكم، وقيل: قوّتكم وشبابكم في لذاتكم في الدّنيا، لا في طلب رضى الله، بل في وجوه محرّمة، وانتقصتم بطيّباتكم في الدّنيا، ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها،﴾ (ف) ليس لكم، ﴿فَالْيَوْمَ،﴾ ههنا حسنات، وإنما ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ أي الهوان الشديد باستكباركم في الأرض بالباطل، وخروجكم من أمر الله تعالى إلى المعصية.
وعن ابن عبّاس: أنّ عمر ﵁ قال للنّبيّ ﷺ: (أدع الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع الله على فارس والرّوم وهم لا يعبدون الله تعالى) فقال ﷺ: [أوفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا] (^١).
وروي: أنّ عمر ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ في بيت حفصة وإنّه لمضطجع على حصير، وإنّ بعضه لعلى التّراب، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفا، فسلّمت ثمّ جلست، فقلت: يا رسول الله؛ أنت نبيّ الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الدّيباج والحرير، فقال ﷺ: [يا عمر؛ إنّ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا أخّرت لنا طيّباتنا]) (^٢).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر كان يقول: (والله ما نعبأ بلذات العيش بأن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالنّبيذ فينبذ لنا، حتّى إذا صار مثل عين يعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنّا أردنا أن نستبقي طيّباتنا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب المظالم: باب الغرفة والعلية: الحديث (٢٤٦٨).ومسلم في الصحيح: كتاب الطلاق: باب في الولاء: الحديث (٣٤ و١٤٧٩/ ٣٥).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الأطعمة: باب ذكر معيشة النبي ﷺ: الحديث (٧١٥٤)، وقال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
[ ٦ / ١٤ ]
لأنّا سمعنا الله ﷿ يذكر قوما فقال ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ (^١).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (رأى عمر ﵁ في يديّ لحما معلّقا فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: وكلّما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ (^٢).
وعن محمّد بن ميسرة قال: قال جابر بن عبد الله: (اشتهى أهلي لحما فشريته ومررت بعمر، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهى أهلي اللّحم فاشتريت هذا اللّحم بدرهم، فقال: أو كلّما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه، أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا» (^٣).
وعن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة قال: (دخل عتبة بن فرقد على عمر ﵁ وهو يكوّم كعكا شاميّا ويتفوّق لبنا حازرا (^٤) فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت أن يصنع لك طعام ألين من هذا؟ فقال: يا ابن فرقد؛ أترى أحدا من العرب أقدر على ذلك منّي؟ فقال: ما أحد أقدر على ذلك منك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: سمعت الله تعالى عيّر أقواما فقال ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها)﴾ والله لو شئت أن أكون أصلبكم طعاما وأحسنكم ثيابا لفعلت، ولكن أستبقي دنياي لآخرتي) (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ١ ص ٤٩.وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤٦ عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الحلية.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤٥؛ قال السيوطي: (أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان) وفي ص ٤٤٦؛قال: (أخرجه أحمد في الزهد عن الأعمش) وذكره بلفظه.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: الحديث (٣٧٥٠) وفيه القاسم بن عبد الله العمري.
(٤) الحازر: العابس الباسر، والحزاور: الذي انتهى إدراكه. ينظر: لسان العرب: (حزر).
(٥) أخرجه أبو نعيم بأسانيد أخرى وألفاظ من قول عمر ﵁، كما في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: ج ١ ص ٤٩ عن الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى وبعض أصحاب عمر ﵁.
[ ٦ / ١٥ ]
وعن حفص بن أبي العاص قال: (كنت أتغدّى مع عمر ﵁ فيجيء بخبز متقطّع يابس غليظ، فجعل يأكل منه ويقول لنا: كلوا، فجعل يعتذر فقال: ما لكم لا تأكلون؟ قلنا: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، ما نستطيع لكنّا نرجع إلى طعام ألين من طعامكم هذا.
فقال: يا ابن العاص أما ترى أنّي قادر أن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة، وأن يخبز في تنّور، وآمر بعناق سمينة فليسمط عنها شعرها ثمّ تخرج مصليّة كأنّها كذا وكذا، أما ترى أنّي أقدر أن أعمل إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثمّ أنشّ عليه من الماء فيصبح كأنّه دم غزال؟ قال: قلت والله يا أمير المؤمنين لجادّ ما نعت العيش؟ قال: أجل والله الّذي لا إله إلاّ هو، لولا أنّي أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش، ولكنّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿(أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها)﴾ (^١).
وكان يقول: (لا تنخلوا الدّقيق فإنّه كلّه طعام)،وكان عمر ﵁ يتغدّى اللّبن والقديد، وعن الزهريّ ﵁ قال: (حدّثني عبد الله بن عبّاس عن عمر ﵁ أنّه حدّثه: أنّه دخل على رسول الله ﷺ فوجده على حصير مرمولا (^٢) قد أثّر الشّريط في جنبه متوسّدا وسادة من أدم حشوها ليف، قال عمر ﵁: فالتفتّ في البيت فو الله ما رأيت شيئا يردّ البصر إلاّ إهابا جلودا معطوفة قد سطع ريحها، فبكيت وقلت: يا رسول الله، إنّك خيرة الله من خلقه، وهذا كسرى وقيصر في الدّيباج والحرير، فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: [أوفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا]) (^٣).
وروي: أنّ عمر ﵁ قدم من الشّام، فصنع له طعام طيّبا فقال: هذا لنا! فما لنفوس المسلمين الّذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشّعير؟ فقال خالد بن الوليد:
_________________
(١) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢٠١.وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤٧، ذكره السيوطي مختصرا وقال: (أخرجه ابن سعد وعبد بن حميد عن حميد بن هلال).
(٢) الأرمل: الرجل الذي لا امرأة له. وفي المخطوط: (سرير مرمولا).
(٣) أخرجه ابن حبان في الإحسان: الحديث (٤١٨٨).
[ ٦ / ١٦ ]
لهم الجنّة يا أمير المؤمنين، فاغرورقت عينا عمر بالدّموع، ثمّ قال: لئن كان حظّنا في الخطام وهم في رياض الجنّة، لقد باينونا بونا بعيدا) (^١).
وروي: أنّ النّبيّ ﷺ دخل على أهل الصّفّة، فرآهم يرقّعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعا، فقال: [هل أنتم اليوم خير من قوم يعدو أحدهم في خلّة ويروح في أخرى، ويعدّ عليه بجفنة ويراح (^٢) بأخرى] (^٣).
قوله تعالى: ﴿(فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ)﴾ يعني يوم القيامة تجزون العذاب الذي فيه ذلّكم وخزيكم، ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٢٠).
قوله تعالى: ﴿*وَاذْكُرْ أَخا عادٍ؛﴾ أي اذكر يا محمّد لقومك أهل مكّة أخا عاد وهو هود ﵇، ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ؛﴾ أي إذ خوّف قومه وحذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا بالأحقاف، وهو جمع حقف وهو المستطيل المعوجّ من الرّمل، قال عطاء: (رمال بلاد الشّعر)،وقال مقاتل: (هي باليمن في حضرموت) (^٤)،وقال ابن عبّاس: (واد بين عمان ومهرة) (^٥) وإلى مهرة ينسب الجمال المهريّة.
وقال قتادة: (ذكر لنا أنّ عادا كانوا حيّا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشّعر، وكانوا من قبيل إرم) (^٦).وقال ابن زيد: (الأحقاف: ما استطال من الرّمل وأشرف كهيئة الجبل، ولم يبلغ أن يكون جبالا، وجمعه حقف، والأحقاف جمع الجمع) (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤١٩٦).
(٢) في المخطوط: (بخصلة ويراج).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢٤١٩٧) معلقا. وأخرجه الترمذي في الجامع: أبواب الزهد: الحديث (٢٤٧٦)،وقال: حسن غريب. وأبو نعيم في الحلية: ج ١ ص ٣٤٠: ذكر أهل الصفة.
(٤) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٢٥.
(٥) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤١٠٤).
(٦) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٢٠٩) وفيه: (وكانوا أهل رمل).
(٧) بمعناه؛ أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٢١٠).
[ ٦ / ١٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ؛﴾ أي وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى قومهم، ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ؛﴾ أي لم يبعث رسولا قبل هود ولا بعده إلاّ بالأمر بعبادة الله وحده، وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه، ثم عاد إلى كلام هود لقومه بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢١)؛تقدير الكلام: إذ أنذر قومه بالأحقاف وقال: إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العذاب عذاب الدّنيا، ويحتمل عذاب الآخرة.
قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا؛﴾ أي قالوا: يا هود أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا؛﴾ من العذاب، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٢) إنّ العذاب نازل بنا،
﴿قالَ،﴾ لهم هود: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بمجيء العذاب، ﴿عِنْدَ اللهِ،﴾ يعلم متى يأتيكم العذاب وأنا ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ؛﴾ إليكم من الوحي والإنذار، والمعنى: إنما أنا مبلّغ، والعلم بوقت العذاب عند الله، ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (٢٣)؛أي أمر الله وعقابه.
قوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ؛﴾ معناه: فلمّا رأوا العذاب الذي خوّفوا به عارضا كهيئة السّحاب تستقبل أوديتهم التي كانوا إذا رأوا الغيم من نواحيها كانت سنتهم سنة خصب، ظنّوه سحاب خير، ﴿قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا؛﴾ أي هذا الذي وعدتنا به سحاب قد عرض في السّماء ممطرنا، فقال لهم هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٤)؛أي ريح الدّبور جاءت من قبل المغرب فيها عذاب أليم وجيع لكم.
قال المفسّرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيّاما، فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، فلمّا رأوه مستقبل أوديتهم استكبروا وقالوا: ﴿(هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)﴾ غيم فيه مطر، فقال هود: ﴿(بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ)﴾ ثم بيّن ما هو؛ فقال: ﴿(رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ)﴾.
قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها؛﴾ أي تهلك كلّ شيء مرّت به من الناس والدواب والأموال، ﴿فَأَصْبَحُوا؛﴾ يعني عادا؛ ﴿لا يُرى إِلاّ﴾
[ ٦ / ١٨ ]
﴿مَساكِنُهُمْ؛﴾ قال الزجاج: (معناه لا ترى شيئا إلاّ مساكنهم، والمعنى: لا تر أيّها المخاطب إلاّ مساكنهم، لأنّ السّكّان والأنعام بادت بالريح) (^١).
قال ابن عبّاس: (فلم يبق إلاّ هود ومن معه)،وعن ابن عبّاس قال: (لمّا رأوا العارض قاموا، فأوّل ما عرفوا أنّه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرّعاة والمواشي تطير به الرّيح بين السّماء والأرض، فرأوا الفساطيط والضّعائن ترفعها الرّياح كأنّها جراد فدخلوا بيوتهم وأغلقوا على أنفسهم الأبواب، فجاءت الرّيح فقلعت أبوابهم واحتملتهم إلى عنان السّماء، ثمّ هرعتهم وأهالت الرّمال، فكانوا تحت الرّمل سبع ليال وثمانية أيّام حسوما لهم أنين، ثمّ أمر الله بعد ذلك فاحتملتهم فرمت بهم في البحر) (^٢).
وقرأ الأعمش وحمزة وعاصم ويعقوب «(فأصبحوا لا يرى)» بياء مضمومة «(إلاّ مساكنهم)» بالرفع أي لا ترى الناس إلاّ مساكنهم لأنّهم كانوا تحت الرّمل.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٥)؛أي هكذا نجزي من أجرم جرمهم بمثل ما جازيناهم. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الرّيح فزع، وقال: [اللهمّ إنّي أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به] وكان يقوم ويقعد ويتغيّر لونه، فيقول له:
ما لك يا رسول الله؟! فيقول: [إنّي أخاف أن تكون مثل قوم هود حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا] (^٣).
_________________
(١) بمعناه؛ قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٤٠.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٥٠؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس).وأخرجه أبو الشيخ في العظمة: ص ٢٨١:الرقم (٨٣٨/ ٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة الاستسقاء: باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم: الحديث (٩٨٨/ ١٥).والترمذي في الجامع: أبواب الدعوات: الحديث (٣٤٤٩)،وقال: حسن. وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٤٩؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة ﵂) وذكره.
[ ٦ / ١٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ؛﴾ الخطاب لأهل مكّة، والمعنى: ولقد مكّنا عادا فيما لم نمكّنكم فيه من البسطة في المال والولد وزيادة القوّة والقامة وشدّة الأبدان، قال المبرّد: (ما) في قوله (فيما) بمنزلة (الّذي) و(إن) بمنزلة (ما) (^١).
وتقديره: ولقد مكنّاهم في الذي ما مكنّاكم فيه، ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً؛﴾ أي قلوبا يعقلون بها فلم ينفعهم ذلك من عذاب الله إذ نزل بهم بسبب أنّهم، ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ؛﴾ دلائل الله، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٢٦)؛أي نزل بهم عقاب استهزائهم بالرّسل، أخبر الله أنّهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكّر فيما يدلّهم على التوحيد ما أعطاهم الله من الحواسّ التي تدرك بها الأدلّة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى؛﴾ هذه زيادة التخويف لأهل مكّة، والمعنى: ولقد أهلكنا ما حولكم من أهل القرى مثل عاد وقوم تبّع باليمن وقوم صالح بالحجر وقوم لوط على طريقكم بالشّام، أراد بالقرى المهلكة باليمن والشّام. قوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٧)؛وبيّنا لكم الآيات في كلّ وجه لكي ترجعون من الكفر إلى الإيمان، وقيل: معناه: وبيّنا الآيات لعلّ أهل القرى يرجعون.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبانًا آلِهَةً؛﴾ فهلاّ حين نزل بهم العذاب أعانهم الذين عبدوهم من دون الله ليقرّبوهم إلى الله في زعمهم، وقوله تعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ؛﴾ أي بل ما نفعوهم، وقوله تعالى:
﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ؛﴾ أي إنّ دعاءهم آلهتهم هو إفكهم وافتراؤهم، ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٨)،يعني اتّخاذهم الآلهة من دون الله هو كذبهم وافتراؤهم على الله أنّها آلهة.
_________________
(١) في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٣٤٠؛قال الزجاج: (.. (إن) ههنا في معنى (ما) و(إن) في النفي مع (ما) التي في معنى (الذي) أحسن في اللفظ من (ما) ).
[ ٦ / ٢٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ؛﴾ معناه: اذكر إذ وجّهنا نفرا من الجنّ؛ وذلك أنّ رسول الله ﷺ لمّا آيس من إسلام أهل مكّة، خرج إلى الطّائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلمّا انصرف من الطّائف راجعا إلى مكّة (^١) ووصل بطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جنّ نصيبين من اليمن فاستمعوا القرآن.
قال ابن عبّاس: (كانوا تسعة نفر) (^٢)،وقال الكلبيّ ومقاتل (^٣): (كانوا سبعة صرفوا إلى النّبيّ ﷺ ليستمعوا منه وينذروا قومهم).وهو قوله تعالى: ﴿(يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)﴾.
فلمّا انتهوا إلى النبيّ ﷺ قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا؛﴾ أي فلما فرغ من التلاوة قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وإنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا شيئا لم يسمعوا مثله، فلما فرغ من القرآن انصرفوا إلى قومهم مخوّفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٢٩)،أي فلما فرغ من التلاوة انصرفوا إلى قومهم منذرين؛ أي محذّرين إياهم عذابا إن لم يؤمنوا، وهذا قاله (^٤) سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر.
وقال آخرون: بل أمر رسول الله ﷺ أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله، فقرأ عليهم القرآن، فصرف الله نفرا من الجنّ وجمعهم له، فقال ﷺ لأصحابه: [إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ اللّيلة، فأيّكم تبعني] فأطرقوا، فقال لهم مرّة ثانية، فأطرقوا، فقال لهم مرّة ثالثة، فاتّبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله بن مسعود: (لم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل النّبيّ ﷺ شعبا يقال له
_________________
(١) في المخطوط: (فلما انصرف إلى مكة راجعا إلى مكة) وهو غير مناسب تماما فأثبتناه.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٢٢٦).
(٣) بمعناه؛ قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٢٨.
(٤) في المخطوط: (وهذه مقولة).
[ ٦ / ٢١ ]
شعب الحجون، وحطّ لي ثمّ أمرني أن أجلس فيه، وقال: [لا تخرج منه حتّى أدعو إليك].
ثمّ انطلق حتّى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النّور تهوي، وسمعت لفظا شديدا حتّى خفت على رسول الله ﷺ، وغشيته سودة كبيرة حالت بيني وبينه حتّى ما سمعت صوته، ثمّ طفقوا يتقطّعون أمثال قطع السّحاب ذاهبين.
ففزع رسول الله ﷺ مع الفجر، وقال: [أنمت؟] قلت: لا والله؛ ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالنّاس حتّى سمعتك تفزعهم بعصاك تقول:
[اجلسوا] فقال: [لو خرجت لم آمن عليك أن يختطفك بعضهم] ثمّ قال: [هل رأيت؟] فقلت: نعم؛ رأيت رجالا سودا.
قال: [أولئك جنّ نصيبين، سألوني المتاع فمنعتهم بكلّ عظم حليل وروثة وبعرة] فقالوا: يا رسول الله ﷺ يقذّرها للنّاس علينا، فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بالعظم والرّوث، فقلت: يا رسول الله ﷺ وما يعني ذلك منهم؟ قال:
[إنّهم لا يجدون عظما إلاّ يجدون عليه لحمة يوم أكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبّها يوم أكلت].
فقلت: يا رسول الله سمعت لفظا كثيرا شديدا، قال: [إنّ الجنّ تدارت في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم].ثمّ قال لي رسول الله:
[هل معك ماء؟] فقلت: يا رسول الله معي نبيذ تمر في إداوة، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ به وقال: [ثمرة طيّبة وماء طهور] (^١).
وعن رسول الله ﷺ قال: [الجنّ على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيّات وكلاب يحلّون ويظعنون] (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٢٢٩ و٢٤٢٣٠ و٢٤٢٣١).وذكره مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٢ ٢ ص ١٧٧:الحديث (٥٧٣)،وليس فيه (كلاب) ولفظه: [وصنف يحلّون ويظعنون].وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير:-
[ ٦ / ٢٢ ]
قوله تعالى: ﴿(فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا)﴾ أي قال بعضهم لبعض: أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كان يقع بعضهم على بعض من شدّة رغبتهم في سماع القرآن؛ قوله تعالى: ﴿(فَلَمّا قُضِيَ)﴾ أي فلمّا فرغ من تلاوة القرآن، وقرأ لاحق ابن حميد (^١) «(قضى)» بفتح القاف والضاد يعني النبيّ ﷺ؛ ثم جعل النبيّ ﷺ أولئك النفر من الجنّ رسلا إلى قومهم.
وأسماء أولئك النّفر: شاضر وماصر ومنشي وماشي والأحقب (^٢) وعمرو بن جابر وزوبعة.
وعن ابن مسعود ﵁: (أن كان في نفر من أصحاب رسول الله يمشون، ورفع لهم إعصار، ثمّ جاء إعصار أعظم منه، ثمّ انقشع فإذا حيّة قتيل، فعمد منّا رجل إلى ردائه فشقّه وكفّن الحيّة ببعضه ودفنها! فلمّا جنّ اللّيل إذا امرأتان تسألان: أيّكم دفن عمرو بن جابر؟! فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إنّ فسقة الجنّ اقتتلوا مع مؤمنيهم، فقتل عمرو بن جابر وهو الحيّة الّتي رأيتم وهو النّفر من الجنّ الّذين استمعوا القرآن) (^٣).
وذكر: أنّ حية دخلت على رجل من التابعين وهي تلهث عطشى فسقاها، ثم إنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلّم عليه وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا من جنّ نصيبين اسمه زوبعة.
_________________
(١) -الحديث (٣٧٥٤)،وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).وأخرجه ابن حبان في الإحسان: كتاب التاريخ: باب بدء الخلق: الحديث (٦١٥٦) كلهم عن ثعلبة الخشني. وفي إسناده قال الشيخ شعيب: (إسناده قوي).وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: ص ٣٨٨ بإسناده واللفظ يطابق ما نقله المصنف ﵀. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: ج ٨ ص ١٣٦؛وقال: (رواه الطبراني ورجاله وثقوا، وفي بعضهم خلاف).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٦؛ قال القرطبي: (وقرأ لاحق بن حميد وخبيب بن عبد الله بن الزبير) وذكره.
(٣) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٦؛ قال القرطبي: (ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد، ومنهم عمرو بن جابر ذكره ابن سلام ).
(٤) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٤؛قال القرطبي: (ذكره ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سمّاه).
[ ٦ / ٢٣ ]
وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فاذا قائل يقول يا سرق اشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال من أنت رحمك الله؟ فقال رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ لم يبق منهم إلا أنا وسرق (^١)،وهذا سرق قد مات.
وقد قتلت عائشة ﵂ حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قد قتلت رجلا مؤمنا من الجنّ الذين قدموا على رسول الله ﷺ فقالت: لو كان مؤمنا ما دخل على حريم رسول الله ﷺ، فقيل لها: ما دخل عليك إلاّ وأنت متقنّعة، وما جاء إلاّ ليستمع الذّكر، فأصبحت عائشة فزعة واشترت رقابا فأعتقتهم (^٢).
ويقال: الذين جاءوا ليستمعوا القرآن كانوا يهودا فأسلموا، ولذلك قوله تعالى: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٠).
قوله تعالى: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ؛﴾ يعني محمّدا ﷺ، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣١)؛فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجنّ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فواقفوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، فقال بعضهم: أمرهم ونهاهم.
واختلف العلماء في مؤمني الجنّ، فقال بعضهم: ليس لمؤمني الجنّ إلاّ نجا منهم من النار، وتأوّلوا فيه، قوله: ﴿(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)﴾، وعن الليث أنه (الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم) (^٣).وقال آخرون: إذا كان عليهم العقاب في الإساءة، وجب أن يكون لهم
_________________
(١) نقله القرطبي عن السهيلي كما في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٤.
(٢) نقله القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٥.
(٣) ذكره أيضا البغوي في معالم التنزيل: ص ١١٩٢.ونقله القرطبي عن أبي حنيفة كما في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٧.
[ ٦ / ٢٤ ]
الثواب في الإحسان مثل الإنس، وعن الضحّاك قال: (الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون) (^١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي لا يعجز الله ولا يفوته، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ؛﴾ الذين لا يجيبون الرسل، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٢).
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ؛﴾ أي لم يضعف عن إبداعهنّ، ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٣)؛والمعنى: أليس الله بقادر على إحياء الموتى فيما ترون يا أهل مكّة، فإنّ خلق السموات والأرض بما فيهنّ من العجائب والبدائع أعظم من إعادة الحياة في الميّت بعد ما كانت فيه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٤)؛الآية ظاهرة المعنى.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؛﴾ وهم خمسة أولو الكتب والشرائع: محمّد ﷺ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم (^٢)،وقيل: إنّهم رسل سلخوا من جلودهم فلم يجزعوا.
وقيل: أراد بأولي العزم الأنبياء كلّهم، وحرف (من) على هذا القول لتبيين الجنس كما في قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (^٣)،قال ابن يزيد: (كلّ الرّسل كانوا أولي عزم) (^٤).
_________________
(١) نقله أيضا البغوي في معالم التنزيل: ص ١١٩٢.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢١٨.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٥٤؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس).
(٣) الحج ٣٠/.
(٤) ذكره بهذا المعنى أيضا: البغوي في معالم التنزيل: ص ١١٩٣.وأخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٢٤٢).
[ ٦ / ٢٥ ]
وقال بعضهم: كلّ الأنبياء أولو عزم إلاّ يونس ﵇، ألا ترى أنّ نبيّنا ﷺ نهي عن أن يكون مثله لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مغاضبا لقومه، فابتلاه الله بالحوت فابتلعه، وقيل: أولو العزم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر، قال الله تعالى فيهم ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^١).
وقال مقاتل: (أولو العزم ستّة: نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النّار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على البئر والسّجن، وأيّوب صبر على الضّرّ) (^٢).قال ابن عبّاس: (العزم: الصّبر)،وقال القرظيّ: (الرّأي والصّواب).
وقال الحسن: (أولو العزم أربعة: إبراهيم وموسى وداود وعيسى ﵈، أمّا إبراهيم فعزمه أنّه قيل له: أسلم، فقال أسلمت لرب العالمين، وابتلي في ولده وماله ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (^٣)،وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (^٤)، وأمّا موسى فعزمه أنّ قومه كلّما قالوا له: إنّا لمدركون، قال: كلاّ إنّ معي ربي سيهدين. وأمّا داود ﵇ فعزمه أنّه أخطأ خطيئة فبكى عليها أربعين سنة. وأمّا عيسى فعزمه أن لم يضع لبنة على لبنة زهدا في الدّنيا) (^٥).
فكأنّ الله تعالى قال لنبيّه ﷺ: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل؛ أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ﵇، وكن واثقا بنصر مولاك مثل ثقة موسى ﵇ مهتمّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ﵇، زاهدا في الدّنيا مثل زهد عيسى ﵇، فقال الشاعر:
_________________
(١) الآية ٩٠.
(٢) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٢٣١.ونقل عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢٢٠.
(٣) البقرة ١٢٤/.
(٤) النجم ٣٧/.
(٥) ذكره أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٢٢١.
[ ٦ / ٢٦ ]
أولو العزم نوح والخليل كلاهما موسى وعيسى والنّبيّ محمّد
فلمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ ﷺ: [والله لأصبرنّ كما صبر أولو العزم من الرّسل، وأجهد كما جهدوا، ولا قوّة إلاّ بالله] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ؛﴾ وذلك أنّ النبيّ ﷺ ضجر بعض الضّجر من كفرهم، وأحبّ أن ينزل العذاب بمن أبى منهم الإسلام، فأمر بالصّبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أنّ العذاب منهم قريب، فقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ؛﴾ من العذاب في الآخرة؛ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ؛﴾ أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدّنيا والقبور كأنّه ساعة، لأنّ ما مضى كأنّه لم يكن وإن كان طويلا.
وتمّ الكلام، ثم قال تعالى: ﴿بَلاغٌ؛﴾ أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليك، والبلاغ بمعنى التبليغ بلّغكم محمّد ﷺ عن الله ﷿. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٢٥)؛أي لا يقع العذاب إلاّ بالعاصين الخارجين عن أمر الله تعالى، وقيل: معناه: ما يهلك إلاّ مشرك أو منافق.
آخر تفسير سورة (الأحقاف) والحمد لله رب العالمين
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤٥٤؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة ﵂).وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الحديث (١٨٥٨٣).
[ ٦ / ٢٧ ]