سورة الجمعة مدنيّة، وهي سبعمائة وعشرون حرفا، ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشر آية. قال ﷺ: [من قرأها كتب له عشر حسنات بعدد من ذهب إلى الجمعة، وبعدد من لم يذهب إليها من أمصار المسلمين] (^١) وبالله التّوفيق.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؛﴾ ظاهر المعنى، ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)؛القدّوس: المستحقّ للتعظيم لتنزيه صفاته عن كلّ نقص، ويقال: معناه: كثير البركة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ؛﴾ الأمّيّون هم العرب كلّهم، من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنّهم لم يكونوا من أهل الكتاب. وأوّل ما ظهرت الكتابة في العرب ظهرت في أهل الطائف، تعلّموا من الحيرة، وتعلّم أهل الحيرة من أهل الأنبار.
وقوله تعالى ﴿(رَسُولًا مِنْهُمْ)﴾ يعني محمّدا ﷺ نسبه مثل نسبهم وجنسه مثل جنسهم، ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ؛﴾ يعني القرآن، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ؛﴾ أي يطهّرهم من الدّنس والكفر، فيجعلهم أزكياء بما يأمرهم به من التوحيد ويدعوهم إليه من طاعة، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛﴾ أي القرآن والعلم، ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)؛أي وقد كانوا قبل مجيئه إليهم بالقرآن لفي ضلال مبين، يعبدون الأصنام ويستقسمون بالأزلام.
_________________
(١) أخرجه الثعلبي في التفسير عن أبي بن كعب؛ ينظر: الكشف والبيان: ج ٩ ص ٣٠٥ بتفاوت في اللفظ.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)؛ معناه: وبعثه في آخرين منهم يعني الأعاجم، والنبيّ ﷺ مبعوث إلى كلّ من شاهده من العرب والعجم وإلى كلّ من يأتي منهم بعد ذلك.
وقوله تعالى (منهم) لأنّهم إذا أسلموا صاروا منهم، والمسلمون كلّهم يد واحدة وأمّة واحدة وإن اختلف أجناسهم. وقوله تعالى ﴿(لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)﴾ في الفضل والسّابقة؛ لأن التّابعين لا يدركون شأن الصحابة.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ يعني الإسلام والهداية إلى دينه، وقيل: النبوّة والكتاب والإسلام يعطيه الله قريشا ممن يراه أهلا له به، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٤)؛على من اختصّه بالنبوّة والإسلام، وقيل: ذو المنّ العظيم على خلقه ببعث محمّد ﷺ.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها؛﴾ معناه: مثل اليهود الذين أمروا بما في التّوراة، ويظهروا صفة محمّد ونعته فيها، ثم لم يفعلوا ما أمروا به ولم يؤمنوا بالنبيّ ﷺ، ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا؛﴾ أي يحمل كتبا من العلم عظاما لا يدري ما عليه وما حمل.
والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبّه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التّوراة وهي دالّة على الإيمان بالحمار يحمل كتب العلم، ولا يدري ما فيه، وليس حمل التوراة من الحمل على الظّهر، وإنما هو من الحمالة وهو الضّمان والكفالة والقبول كما في قوله تعالى ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾ (^١) أي يقبلنها. فاليهود ضمنوا العمل بها ثم لم يفعلوا بما ضمنوا وجحدوا بعض ما حملوا، فلذلك قيل: ﴿(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها)﴾.
قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ؛﴾ يعني اليهود كذبوا بالقرآن وبالتّوراة حين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥)؛الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء.
_________________
(١) الأحزاب ٧٢/.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦)؛هذا جواب لليهود في قولهم ﴿(نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ)﴾ وقال الله تعالى لنبيّه: قل لهم: إن ادّعيتم أنّكم أحبّاء الله وأهل ولايته وأنّ الجنة في الآخرة لكم من دون الناس، فاسألوا الله الموت إن كنتم صادقين في مقالتكم، قولوا: اللهمّ أمتنا كي تصلوا إلى نعيم الآخرة وتستريحوا من تعب الدّنيا، وسيميتكم الله إن قلتم ذلك.
كما روي في الحديث: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال لهم النّبيّ ﷺ:
[قولوا: اللهمّ أمتنا، فو الّذي نفسي بيده، ليس أحد منكم يقول ذلك إلاّ غصّ بريقه فمات مكانه] فكرهوا ذلك وأبوا أن يقولوا (^١)،وعرفوا أنّه سيكون ذلك إن قالوا.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي لا يتمنّون ذلك بما قدّموا من التكذيب بمحمّد ﷺ، والتحريف لصفته في التّوراة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٧)؛إخبار عن معلوم الله فيهم،
حذرهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ؛﴾ أي قل يا محمّد لليهود: إنّ الموت الذي تفرّون منه لأن تلقوه فإنه نازل بكم لا محالة عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)؛من خير أو شرّ.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ؛﴾ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ نداء سواه، كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر وعمر.
_________________
(١) هو معنى حديث روي عن النبي ﷺ أنه قال: [لو أنّ اليهود تمنّوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النّار].أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ١ ص ٢٤٨ عن ابن عباس ﵄. والطبري في جامع البيان: الأثر (١٢٩٦) من تفسير سورة البقرة. وفي مجمع الزوائد: ج ٦ ص ٣١٤؛قال الهيثمي: (قلت: هو في الصحيح بغير سياقه، ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح).
[ ٦ / ٢٧٤ ]
والنداء المشروع لهذه الصّلاة الأذان الثاني الذي يقوله المؤذّن عند صعود الإمام المنبر، كما روي عن السّائب بن يزيد أنه قال (ما كان لرسول الله ﷺ إلاّ مؤذّن واحد يؤذّن إذا قعد على المنبر، ثمّ يقيم إذا نزل، ثمّ أبو بكر كذلك، ثمّ عمر كذلك، فلمّا كان في أيّام عثمان ﵁ وكثر النّاس زاد نداء غيره) (^١).
قوله تعالى: ﴿(فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ)﴾ يعني الذهاب والمشي إلى الصّلاة، والسّعي:
هو إجابة النّداء في هذه الآية، والمبادرة إلى الجمعة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁ «(فامضوا إلى ذكر الله)» وكان يقول: (لو أمرت بالسّعي لسعيت حتّى سقط ردائي) (^٢).وقيل:
السّعي هنا هو العمل إذا نودي للصّلاة فاعملوا على المعنى إلى ذكر الله من التفرّغ له والاشتغال بالطّهارة والغسل والتوجّه إليه بالقصد والنيّة.
واختلف مشائخنا: هل يجب على الإنسان الإسراع والعدو إذا خاف فوت الجمعة أم لا؟ قال بعضهم: يلزمه ذلك بظاهر النصّ، بخلاف السّعي إلى سائر الجماعات لا يؤمر به وإن خاف الفوت. وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، وليس السّعي إلاّ العمل كما قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (^٣).وقال ﷺ: [إذا أتيتم الصّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السّكينة والوقار، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فاقضوا] (^٤)،وهذا عامّ في جميع الصّلوات.
قال بعضهم: فاسعوا إلى ذكر الله، يعني الصّلاة مع الإمام، وذلك هو المراد بذكر الله. وقال بعضهم: هي الخطبة لأنّها تلي النداء، عن أبي بكر ﵁ قال: قال
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٨ ص ١٥٨ - ١٥٩؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن السائب بن يزيد) وذكره.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٦٤٣٥).
(٣) النجم ٣٩/.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: الحديث (٣٤٠٤).والإمام أحمد في المسند: ج ٢ ص ٢٧٠ و٣١٨ و٤٢٧.ومسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب استحباب اتيان الصلاة بوقار: الحديث (١٥١ - ١٠٢/ ١٥٤).
[ ٦ / ٢٧٥ ]
رسول الله ﷺ: [من اغتسل يوم الجمعة خرجت ذنوبه وخطاياه، فإذا راح كتب الله له بكلّ قدم عمل عشرين سنة، فإذا قضيت الصّلاة أجيز بعمل مائتي سنة] (^١).
وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: [من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، ولبس من صالح ثيابه، ومسّ من طيب بيته أو دهنه، ثمّ لم يفرّق ما بين اثنين، غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيّام بعدها] (^٢).
وعن أنس ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: [يا معشر المسلمين، إنّ هذا يوما جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه، ومن كان عنده طيب فلا يضرّه أن يمسّ منه، وعليكم بالسّواك] (^٣).
وعن رسول الله ﷺ قال: [ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة، كلّ مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرّة مملوءة من الملائكة، يسبحون الله ويقدّسونه، ويقولون في تسبيحهم: اللهمّ اغفر لمن شهد الجمعة، اللهمّ اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة] (^٤).
وقال ﷺ: [إنّ يوم الجمعة وليلتها أربع وعشرون ساعة، لله تعالى في كلّ ساعة ستّمائة ألف عتيق من النّار] (^٥).
_________________
(١) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٣١٤،وأضاف قال: (عن أبي بكر الصديق وعمران بن حصين).
(٢) أخرجه ابن حبان في الصحيح: كتاب الصلاة: باب صلاة الجمعة: الحديث (٢٧٨٠) بإسناد صحيح. وبمعناه أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: باب الدهن للجمعة: الحديث (٨٨٣) عن سلمان الفارسي.
(٣) في كنز العمال: الحديث (٢١٠٥٥) عزاه المتقي الهندي إلى مالك والشافعي مرسلا.
(٤) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٣١٥ عن أنس. وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٨ ص ١١٩.
(٥) عن أنس، ذكره المتقي الهندي في كنز العمال: الحديث (٢١٠٣٤ و٢١٠٨٠ و٢١٠٨١).
[ ٦ / ٢٧٦ ]
وقال ﷺ: [لعلّ أحدكم يتّخذ الضّيعة على رأس ميل أو ميلين وثلاثة، تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي الجمعة فلا يشهدها، ثمّ تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه] (^١).
وقال ﷺ في الجمعة: [من تركها استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صيام له، ألا فلا حجّ له، إلاّ أن يتوب عليه، فإن تاب، تاب الله عليه] (^٢).
قوله تعالى: ﴿(وَذَرُوا الْبَيْعَ)﴾ قال الحسن: (إذا أذن المؤذّن يوم الجمعة لم يحلّ الشّراء ولا البيع، فمن باع تلك السّاعة فقد خالف الأمر، وبيعه منعقد) لأنه نهي تنزيه لقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛﴾ وهذا على الترغيب في ترك البيع، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩)؛ما هو خير لكم وأصلح.
قرأ العامّة «(من يوم الجمعة)» بضمّتين، وقرأ الأعمش بجزم الميم وهما لغتان، قال الفرّاء: (وفيها لغة ثالثة: جمعة بفتح الميم كما يقال: رجل ضحكة وهمزة ولمزة، وهي لغة بني عقيل) (^٣).
وإنّما سمّي هذا اليوم جمعة لما روي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ:
[سمّيت الجمعة جمعة لأنّ آدم جمع فيها خلقه] (^٤).وقيل: إنّ الله تعالى فرغ فيه من خلق المخلوقات. وقيل: تجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصّلاة.
وقيل: أوّل من سمّاها جمعة كعب بن لؤيّ، وكان يقال ليوم الجمعة: العروبة. وقيل:
أوّل من سمّاها جمعة الأنصار.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي إذا فرغتم من الصّلاة فانتشروا في الأرض، هذا أمر إباحة، قال ابن عبّاس: (إن شئت فاخرج،
_________________
(١) في صحيح مسلم: كتاب الجمعة: باب التغليظ في ترك الجمعة: الحديث (٨٦٥/ ٤٠) بمعناه. وعند ابن ماجة في السنن: كتاب إقامة الصلاة: الحديث (١١٢٦) بإسناد صحيح بمعناه أيضا.
(٢) أخرجه ابن ماجة في السنن: كتاب إقامة الصلاة: باب في فرض الجمعة: الحديث (١٠٨١).
(٣) قاله الفراء في معاني القرآن: ج ٣ ص ١٥٦.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٥ ص ٤٣٩،بإسناد صحيح.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
وإن شئت فصلّ إلى العصر، وإن شئت فاقعد).وكذلك
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠)؛إباحة لطلب الرّزق والتجارة والبيع بعد المنع.
وعن ابن عبّاس قال: (لم تؤمروا في هذه الآية بطلب شيء من الدّنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله تعالى) (^١).وقال الحسن: «وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)﴾ يعني طلب العلم) (^٢).والقول الأوّل أظهر.
واختلف العلماء في موضع وجوب الجمعة، وعلى من تجب، وكم يشترط له الجماعة؟ فقال أبو حنيفة: (لا تجب الجمعة إلاّ في مصر جامع لقوله ﵇: [لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع] (^٣) ولا تصحّ في القرى، ولا تجب على السّواد ولو قربت من المصر، إلاّ إذا كانت متّصلة به) (^٤).
وقال الشافعيّ: (تجب الجمعة على أهل السّواد إذا سمعوا النّداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذّن صيّتا، والأصوات هادئة والرّيح ساكنة).
وقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس: (تجب على كلّ من كان على عشرة أميال من المصر) (^٥).وقال سعيد بن المسيّب: (تجب على من كان دون المبيت).وقال الزهريّ: (على ستّة أميال)،وقال ربيعة: (أربعة أميال)،وقال مالك: (ثلاثة أميال).
وعند الشافعيّ: (تجب الجمعة في كلّ قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلاّ ظعن حاجة، فإذا كان كذلك وجب عليهم
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٣١٤.
(٢) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٣١٤.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل: ج ١ ص ٤٦٩ عن علي ﵁. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعة: الأثر (٥٧١٣) موقوفا على علي ﵁. وفي المحلى: ج ٥ ص ٥٢؛قال ابن حزم: (وقد صح عن علي ﵁) وذكره.
(٤) نقله ابن حزم في المحلى: ج ٥ ص ٥٣.
(٥) حديث عبد الله بن عمرو؛ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعة: الأثر (٥٦٩٣)، وقال: (على ميلين من الطائف).وعن أبي هريرة في الأثر (٥٦٩٤): (على رأس ستة أميال) من المدينة.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
إقامة الجمعة. وإن كان أقلّ من ذلك، وكان بقربها موضع تقام فيه الجمعة، فعليهم الحضور فيه للجمعة إذا كانوا بحيث يسمعون النّداء).وقال مالك: (إذا كانت القرية فيها سوق ومسجد وجب عليهم إقامة الجمعة).
وأما أهل الوجوب، فتجب الجمعة على كلّ مسلم إلاّ على أربعة: عبد؛ أو مريض؛ أو مسافر؛ أو امرأة، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنيّ حميد.
وأما العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: (تنعقد باثنين)،وقال أبو يوسف والليث بن سعد: (بثلاثة)،وقال أبو حنيفة ومحمّد وسفيان: (بأربعة)،وقال ربيعة: (باثني عشر)،وقال الشافعيّ: (لا تنعقد إلاّ بأربعين).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا؛﴾ قال الحسن: (أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحيّة بن خليفة الكلبيّ من الشّام بتجارة، وكان يقدم المدينة بكلّ ما يحتاج إليه من دقيق وبرّ وغيره، فينزل في سوق المدينة ويضرب الطّبل ليعلم النّاس بقدومه، فيخرجون إليه ليبتاعوا منه.
فقدم ذات يوم جمعة-وكان قبل إسلامه-ورسول الله ﷺ قائم يخطب على المنبر، فضرب الطّبل فخرج النّاس من المسجد، ولم يبق إلاّ ثمانية رهط ثبتوا مع النّبيّ ﷺوقيل: بقي اثنى عشر رجلا وامرأة-فقال ﷺ: [لو لحق آخرهم أوّلهم لالتهب الوادي عليهم نارا] فأنزل الله هذه الآية) (^١).
وقوله تعالى ﴿(انْفَضُّوا إِلَيْها)﴾ أي تفرّقوا بالخروج إليها ﴿(وَتَرَكُوكَ قائِمًا)﴾ على المنبر تخطب. وفي هذا دليل على وجوب استماع الخطبة؛ لأنّ الله تعالى عاتبهم على ترك الاستماع، ولو لم يكن فرضا لم يعاتبوا على ذلك.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٦٤٤٨ - ٢٦٤٥٤) بأسانيد عن السدي عن أبي مالك وجابر بن عبد الله، ومعمر عن الحسن وابن زيد وعن مجاهد وقتادة.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
ويستدلّ من هذه الآية على أنّ من السّنة أن يخطب الإمام قائما. والكناية في قوله تعالى (إليها) راجعة إلى التّجارة دون اللهو، وإنما خصّت التجارة بردّ الضمير إليها؛ لأنّها كانت أهمّ إليهم لأنّ السّنة كانت سنة مجاعة وغلاء سعر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ؛﴾ معناه: ما عند الله من ثواب الصّلاة والثبات مع النبيّ ﷺ خير من اللهو ومن التجارة، ﴿وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١)؛أي ليس يفوتهم من أرزاقهم لتخلّفهم عن الميرة شيء، ولا بتركهم البيع في وقت الصّلاة.
آخر تفسير سورة (الجمعة) والحمد لله رب العالمين.
[ ٦ / ٢٨٠ ]