سورة الحجرات مدنيّة، وهي ألف وأربعمائة وستّ وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية.
قال النّبيّ ﷺ: [من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه] (^١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وقالت عائشة ﵂ في قوله ﴿(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾: (أي تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم ﷺ) (^٢) ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ في تضييع حقّه ومخالفة أمره، ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ (١)؛بأفعالكم، وقال جابر: (نزل قوله تعالى: ﴿(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ في النّهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصّلاة) (^٣).
وقالت عائشة ﵂: (نزلن في النّهي عن صوم يوم الشّكّ)،وعن مسروق قال: (دخلت على عائشة ﵂ في يوم الشّكّ، فقالت للجارية:
_________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف: ج ٤ ص ٢٦٩،وهو من رواية الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طرق عن أبي بن كعب. وأخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٦٩.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط: ج ٣ ص ٣٤٤:الحديث (٢٧٣٤).وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٤٧ عزاه السيوطي للطبراني في الأوسط وابن مردويه.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٥١٦) عن الحسن وقتادة. وأصله عن أنس وجندب والبراء ﵃ كما عند البخاري في الصحيح: كتاب الأضاحي: الحديث (٥٥٦١ و٥٥٦٢ و٥٥٦٣).
[ ٦ / ٧٠ ]
اسقيه، فقلت: إنّي صائم، فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ (^١).
وعن الحسن البصريّ قال: (نزلت هذه الآية في الذبح يوم الأضحى، كأنّه قال: لا تذبحوا قبل ذبح النّبيّ ﷺ، وذلك أنّ ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النّبيّ ﷺ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح) (^٢).
وعن ابن عبّاس ﵁ قال: (سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ ﷺ بعث رهطا من أصحابه وهم سبع وعشرون رجلا، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو، وأمرهم أن يسيروا إلى بني عامر بن صعصعة، وأن يمرّوا على بني سليم، فباتوا عندهم، فلمّا كان عند الرّحيل، أضلّ أربعة من المسلمين بعيرا لهم، فاستأذنوا المنذر أن يتخلّفوا عنه حتّى يطلبوه، فأذن لهم.
وسار المنذر بمن بقي معه، وكانت بنوا سليم دسّت إلى بني عامر خبر أصحاب رسول الله ﷺ، فاستعدّوا لقتالهم واجتمعوا لهم، فسار أصحاب رسول الله ﷺ إلى بئر معونة، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المنذر وأصحابه، وقتل أحد الأربعة ورجع الثّلاثة إلى المدينة، فلقوا رجلين خارجين من المدينة فقالوا: ممّا أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فقالوا: إنّهما من عدوّنا، فقتلوهما وأخذوا سلبهما.
وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وذكروا له القصّة، فقال لهم ﷺ: [بئسما فعلتم، إنّهما من أهل ميثاقي من بني سليم، وهذا الّذي معكم من سلبهما من كسوتي].
وجاء السّليميّون يطلبون القود، فقال لهم النّبيّ ﷺ: [إنّ صاحبيكم اعتزما إلى عدوّنا، فلا قود فيهما ولكنّا نؤدّي إليكم الدّية] فأمر ﵇ أن تقسم ديتهما على أهل ميثاقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية) (^٣).
_________________
(١) ينظر: الرقم السابق.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٥١٦).
(٣) أخرج مسلم قصته في الصحيح: كتاب الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد: الحديث (٦٧٧/ ١٤٧) بلفظ مختلف عنه. والقصة أيضا في السيرة النبوية لابن هشام: ج ٢ ص ١٩٤٠.
[ ٦ / ٧١ ]
والمعنى: لا تقدّموا بقول ولا فعل حتى يكون النبيّ ﷺ هو الذي يأمركم في ذلك. وقيل: إنّ ناسا كانوا يقولون: لو أنّ الله تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا، فقيل: لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله، فإنّ الله أعلم بصلاح خلقه.
وقرئ «(لا تقدّموا)» بفتح التاء والدال، فيجوز أن يكون معناهما واحدا، يقال:
قدّمت في كذا وتقدّمت فيه، كما يقال عجلت في الأمر وتعجّلت فيه بمعنى واحد، ويجوز أن يكون معنى الضمّ: لا تقدّموا كلامكم ولا فعلكم وما أنتم صانعون في أمر من الأمور قبل أن يأمركم الله ورسوله. ومعنى قراءة الفتح لا تقدّموا بأمر ولا فعل بحضرة النبيّ ﷺ حتى يأمركم به.
وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس النبيّ ﷺ، فإذا سئل الرسول عن شيء خاضوا فيه، وتقدّموا بالفتوى والقول، فنهوا عن ذلك وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله قبل أن يقول رسول الله.
وقيل: معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله ﷺ، وكذلك بين يدي العلماء؛ فإنّهم ورثة الأنبياء، ودليل هذا ما روي عن أبي الدّرداء ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ أمشي أمام أبي بكر ﵁ فقال: [أتمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشّمس ولا غربت على أحد بعد النّبيّين والمرسلين خير من أبي بكر ﵁] (^١).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٢)؛ روي: أنّ رهطا من بني تميم قدموا على النّبيّ ﷺ، منهم الأقرع بن حابس وعطارد ابن الحاجب والحارث بن عمرو وغيرهم، فقاموا على باب المسجد، فنادى الأقرع ابن حابس: يا محمّد أتأذن لي في الكلام؟ فو الله إنّ حمدي لزين وذمّي لشين، فقال ﷺ: [كذبت! ذلكم الله تعالى].
_________________
(١) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٧١ بإسناده، وفيه مجهول. ووصله الخطيب في تاريخ بغداد: ج ١٢ ص ٤٣٣: ترجمة (٦٩٠١).ووصله أبو نعيم من طريق آخر في حلية الأولياء: ج ١٠ ص ٣٠١ - ٣٠٢.
[ ٦ / ٧٢ ]
ثمّ أذن لهم فدخلوا، فقال: [يا محمّد أتأذن لخطيبنا؟] فقال ﷺ: [ادعوا إليّ ثابت بن قيس بن شمّاس] فدعي له، فقال ﷺ: [ليتكلّم صاحبكم] فتكلّم، فقال ﵇: [أجب يا ثابت] فأجابه.
فقال الأقرع: [ائذن لشاعرنا يا محمّد] فقال ﵇: [ادعوا إليّ القارعة] يعني حسّان، فلمّا جاء حسّان قال ﷺ: [ليتكلّم شاعركم] فلمّا تكلّم، قال ﷺ:
[أجبه يا حسّان] فأجابه، فقال عطارد للأقرع: والله إنّ محمّدا المؤتى له-أي أعطي كلّ شيء-فإنّ خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا (^١).
وعلت الأصوات وكثر اللّغط، وكان أشدّهم صوتا وأعلاهم ثابت بن قيس، وكان به صمم لا يكاد يسمع إلاّ أن يصاح به فيجيب بمثله. فأنزل الله هذه الآية، ونهوا أن يرفعوا أصواتهم على صوت النبيّ ﷺ تعظيما له؛ لأن رفع الصّوت على الإنسان يوهم الاستخفاف به في ظاهر الحال.
وعن جابر بن عبد الله (^٢) قال: (لمّا جاء بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فنادوا على الباب: أخرج يا محمّد؛ فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قال: فخرج إليهم وقال:
[إنّما ذلكم الله الّذي مدحه زين وذمّه شين] قالوا: نحن أناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا لشاعركم ونفاخرك، فقال ﷺ: [ما بالشّعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا].فقال لشابّ من شبابهم: قم يا فلان فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فقال:
الحمد لله الّذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض وأكثرهم عدّة وسلاحا ومالا، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام: ج ٤ ص ٢٠٦ - ٢٠٨: قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات. وينظر: ج ٤ ص ٢١٢.
(٢) الحديث بطوله في كنز العمال: الغزوات والوفود: الحديث (٣٠٣١٦)،ونسبه إلى الروياني وابن منده.
[ ٦ / ٧٣ ]
فقال ﷺ لثابت بن قيس (^١)،وكان خطيب رسول الله ﷺ: [قم] فقام فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن النّاس وجوها فأعظمهم أخلاقا فأجابوه، والحمد لله الّذي جعلنا أنصاره، وردّ الله لرسوله وعزّ المدينة. فنحن نقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فمن قالها منع منّا ماله ونفسه، ومن أباها قتلناه، وكان قتله في الله علينا هيّنا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات.
فقالوا لشابّ منهم: قم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشّابّ (^٢) وقال:
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا منّا الرّءوس وفينا تقسم الرّبع
ونطعم النّاس عند القحط كلّهم لحم الشّواء اذا لم يؤنس القزع
إنّا أبينا ولا يأبى لنا أحد إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
فقال ﷺ: [أجبه يا حسّان] فقال:
إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم قد بيّنوا سنّة للنّاس تتّبع (^٣)
يرضى بهم كلّ من كانت سريرته تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع
ثمّ قال حسّان أيضا:
نصرنا رسول الله والدّين عنوة على رغم عات من معدّ وحاضر
بضرب كإيزاع المخاض مشاشه وطعن كأفواه اللّقاح الصّوادر
_________________
(١) في المخطوط: (لقيس بن ثابت).وهو تحريف، والصحيح كما أثبتناه.
(٢) شعر الزبرقان بن بدر في الفخر بقومه، كما في السيرة النبوية: ج ٤ ص ٢٠٨.و(القزع): السحاب الرقيق. يريد إذا لم تمطرهم السماء، فأجدبت أرضهم. و(وفينا تقسم الرّبع)،أي إننا رؤساء وسادة، وذلك لأن الرئيس كان ياخذ ربع الغنيمة في الجاهلية.
(٣) الذوائب: السادة، وأصله من ذوائب المرأة، وهي غدائرها التي تعلو رأسها، وأصله كما في المخطوط: (إن الذوائب من فهر هم شرعوا لقومهم سنة للناس).وكأن فيه سقط، وضبطناه كما في السيرة النبوية لابن هشام: ج ٤ ص ٢١٠.
[ ٦ / ٧٤ ]
وسل أحدا لمّا استقلّت شعابه بضرب لنا مثل اللّيوث الخوادر
ألسنا نخوض الخوض في حومة الوغى إذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدّار عين وننتمي إلى حسب من جذم غسّان قاهر
فلولا حياء الله قلنا تكرّما على النّاس بالخيفين هل من منافر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقال الأقرع بن حابس: والله لقد جئت لأمر ما حال حولا، وإنّي قد قلت شعرا فاسمعه، فقال هات، فقال:
أتيناك كيما يعرف النّاس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وإنّا رءوس النّاس في كلّ معشر وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة تكون بنجد أو بأرض التّهائم
فقال ﷺ: [أجبه يا حسّان] فقال:
بنو دارم لا تفخروا إنّ فخركم يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خول ما بين ظئر وخادم (^١)
فقال رسول الله ﷺ: [لقد كنت غنيّا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ النّاس قد نسوه] قال: فكان قول رسول الله ﷺ أشدّ عليه من حسّان، ثمّ رجع حسّان إلى شعره، فقال:
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ردافتنا عند احتضار المواسم (^٢)
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ولا تفخروا عند النّبيّ بدارم
وإلاّ ورب البيت مالت أكفّنا على هامكم بالمرهفات الصّوارم
_________________
(١) في كنز العمال: (ما بين قنّ وخادم).
(٢) في كنز العمال: وأفضل ما نلتم من الفضل والعلا ردافتنا من بعد ذكر المواسم
[ ٦ / ٧٥ ]
فقام الأقرع وقال: إنّ محمّدا المؤتى له، والله ما أدري ما هذا الأمر؛ تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعرا.
ثمّ دنا من النّبيّ ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، فقال ﷺ: [ما يضرّك ما كان قبل هذا].ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ وكساهم.
وكان قد تخلّف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنّه، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم، فازدرى به قيس بن عاصم، فقال النّبيّ ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ)﴾ (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)﴾ قال أبو بكر ﵁: والله لا أرفع أبدا على صوت رسول الله ﷺ) (^٢).
وعن ابن الزّبير ﵁ أنه قال: (ما حدّث عمر ﵁ رسول الله ﷺ بعد ذلك فسمع كلامه حتّى يستفهمه من شدّة خفض صوته) (^٣).
وكان ثابت بن قيس في أذنيه صمم وكان جهوريّ الصّوت، وكان إذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ فيتأذى بصوته، فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ)﴾ أي لئلا تحبط أعمالكم، يعني تبطل حسناتكم، جعل ثابت يبكي على قارعة الطريق، فمرّ به عاصم بن عديّ فقال: ما
_________________
(١) ذكره البغوي مختصرا في معالم التنزيل: ص ١٢٢٠.وأصله في السيرة النبوية: ج ٤ ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: تفسير سورة الحجرات: الحديث (٣٧٧٢)،وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وأخرجه في كتاب معرفة الصحابة: الحديث (٤٥٠٦) عن أبي بكر، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٤ و٦.والبخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (٤٨٤٥).والترمذي في الجامع: أبواب التفسير: الحديث (٣٢٦٦).
[ ٦ / ٧٦ ]
يبكيك يا ثابت؟! فقال: أخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فأخاف أن تحبط عملي وأن أكون من أهل النّار.
فمضى عاصم إلى رسول الله فأخبره، فقال: [اذهب وادعه لي] فدعاه لرسول الله، فقال: [ما يبكيك يا ثابت؟] قال: أنا صيّت يا رسول الله؛ وأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال ﷺ: [أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا ويدخلك الله الجنّة؟] فقال: رضيت يا رسول الله؛ لا أرفع صوتي بعدها عليك يا رسول الله (^١).فأنزل الله فيه وفي أبي بكر ﵁ وعمر وأمثالهم:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى؛﴾ أي أخلصها واصطفاها واختبرها، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصا، وقال ابن عبّاس: (معناه: أولئك الّذين أكرم الله قلوبهم).وقيل:
أذهب الشهوات عنها.
قال الزجّاج: أمر الله بتبجيل نبيّه ﷺ وأن يغضّوا أبصارهم عند ما يخاطبون بالسّكينة والوقار؛ لئلاّ تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون فلذلك قال: فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، قاتل ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة قتالا شديدا حتّى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع (^٢).
قوله تعالى: ﴿(يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ)﴾ الغضّ النّقص من كلّ شيء، قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (^٣)،وقوله تعالى ﴿(امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى)﴾ أي أخلصها للتّقوى. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)؛أي في الجنّة.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٥٢٣).وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٤٩؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٤٥٢٦).
(٣) لقمان ١٩/.
[ ٦ / ٧٧ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤)؛وذلك: أنّ قوما من بني العنبر وهم حيّ من تميم، بعث النّبيّ ﷺ إليهم سريّة، وأمّر عليهم عيينة بن الحصين الفزاريّ، فهربوا فسبى ذراريهم ونساءهم وجاء بهم إلى النّبيّ ﷺ، فجاء رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة ورسول الله ﷺ نائم.
فلمّا أبصرهم العيال بكوا عليهم، فنهضوا وعجّلوا قبل أن يخرج إليهم النّبيّ ﷺ، وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا، وكان ﷺ حينئذ نائما، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أيّ حجرة هو، فجعلوا يطرقون على جميع حجراته، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ حجرة وبيت، فطافوا على جميع الحجرات وهم ينادون:
اخرج علينا (^١).
وقوله تعالى: ﴿(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)﴾ وصفهم الله بالجهل وقلّة العقل وقلّة الصبر.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ؛﴾ يعني ولو أنّهم صبروا حتى تخرج إليهم للصّلاة لخلّى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه وأيقظوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم بقوله تعالى ﴿(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا)﴾ كنت تعتق كلّهم، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)؛لمن تاب منهم.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ؛﴾ وذلك: أنّ رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدّقا إلى بني المصطلق، وكان بينه وبينهم أحنة (^٢)، فلمّا اتّصل خبره بهم وسمعوا به اجتمعوا ليتلقّوه، ففرّ منهم وكرّ راجعا إلى المدينة، وقال لرسول الله ﷺ: إنّهم قد منعوا الزّكاة وارتدّوا عن الإسلام وقصدوا قتلي.
فبعث إليهم النّبيّ ﷺ خالد بن الوليد في جيش، وقال له: [انزل بساحتهم ليلا، فإن رأيت ما يدلّ على الإسلام من الأذان للصّلاة والتّهجّد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم بصدقاتهم].
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٢١٩.
(٢) الأحنة: الحقد في الصّدر، والجمع: حنّات، والمواحنة: المعاداة. ينظر: لسان العرب: ج ١ ص ٨٣: (أحن).
[ ٦ / ٧٨ ]
فلمّا سار إليهم خالد ليلا سمع فيهم الأذان والتّهجّد، فكفّ عنهم إلى أن دخل عليهم لا على وجه قتال، وقالوا: قد استبطأنا رسالة رسول الله ﷺ في الصّدقات، فسلّموها إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (^١).
وسمّى الوليد بن عقبة فاسقا، لكذبه الذي وقع به. الأغرّ أو الفاسق: الخارج عن طاعة بارتكاب كثير من الذّنوب. وقيل: الفاسق الذي لا يستحي من الله. وقيل:
هو الكذاب المعلن بالذنب. والنّبأ: الخبر عمّا يعظم شأنه فيما يعمل عليه.
قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا؛﴾ قد ذكرنا قراءتين فيه في سورة النساء، قوله تعالى:
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ؛﴾ أي لئلا تصيبوا قوما وهم مسلمون، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٦).
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ معناه: اعلموا أنّ رسول الله لو يجيبكم في كثير مما سألتموه لوقعتم في العنت وهو الإثم والمشقّة. وقيل: اتّقوا أن تكذبوا رسول الله وتقولوا باطلا، فإنّ الله يخبره فتفتضحوا، ثم قال: لو يطيعكم الرسول في كثير مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتّم؛ أي لوقعتم في العنت وهو الإثم والهلاك.
ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون فقال: ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ؛﴾ أي جعله أحبّ الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ؛﴾ حتى اخترتموه، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ؛﴾ أي بغّض إليكم هذه الأشياء: الكفر ظاهر المعنى، والفسوق والكذب والخروج عن أمر الله، والعصيان: جمع معاصي الله.
ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ (٧)؛أي المهتدون إلى محاسن الأمور.
ثم بيّن أنّ جميع ذلك تفضّل من الله تعالى فقال: ﴿فَضْلًا﴾
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٥٥؛ قال السيوطي: (أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي) وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣٣٠٣:الحديث (١٨٦٠٨).وفي مجمع الزوائد: ج ٧ ص ١٠٨ - ١١٠؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات).
[ ٦ / ٧٩ ]
﴿مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً؛﴾ أي تفضّلا من الله ورحمة، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ؛﴾ بما في قلوبهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ (٨)؛فيهم بعلمه.
قوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما؛﴾ نزل ذلك في الأوس والخزرج بسبب الكلام الذي جرى بين عبد الله بن أبي رأس المنافقين وعبد الله ابن رواحة لمّا استبّا (^١) جاء قوم هذا فاقتتلوا بالنّعال والتّرامي بالحجارة، ولم يكن بين الطّائفتين سيف.
وسبب اختصامهما أنّ رسول الله ﷺ وقف ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره وهي أرض سبخة، فأمسك عبد الله بن أبيّ أنفه وقال: إليك عنّي فو الله لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبد الله بن رواحة: والله لنتن حمار رسول الله أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد الله بن أبيّ رجل من قومه، وغضب لابن رواحة رجل من قومه، فاستبّوا وتحامل أصحاب كلّ واحد مع أصحاب الآخر، فتجادلوا بالأيدي والجريد والنّعال، فأنزل الله هذه الآية، فقرأها رسول الله ﷺ فاصطلحوا وكفّ بعضهم عن بعض.
وأقبل بشير بن النّعمان الأنصاريّ مشتملا على سيفه فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبيّ: أعليّ تشتمل بالسّيف يا بشير؟ قال: نعم والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك (^٢).
قوله تعالى: ﴿(فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما)﴾ أي بالدّعاء إلى حكم الله والرّضا بما في كتاب الله لهما وعليهما.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى؛﴾ أي طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصّلح، ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ؛﴾ حتى ترجع عن البغي إلى كتاب الله، والصّلح الذي أمر الله تعالى به.
_________________
(١) المعنى: سبّ بعضهم بعضا.
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الصلح: الحديث (٢٦٩١).ومسلم في الصحيح: كتاب الجهاد والسير: الحديث (١٧٩٩/ ١١٧).والطبراني في الأوسط: الحديث (٤٦٦٩).
[ ٦ / ٨٠ ]
والبغي هو الاستطالة، والعدول عن الحقّ وعمّا عليه جماعة المسلمين. والطائفة الباغية هي التي تطلب ما ليس لها أن تطلبه، قوله ﴿(فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ)﴾ أي حتى ترجع إلى طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛﴾ أي واعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي كلّ حكم، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩)؛أي يحبّ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما تولّوه، الإقساط في اللغة هو العدل، يقال:
أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، ومنه قوله ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (^١).
وعن ابن عمر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: [يا ابن أمّ عبد؛ هل تدري كيف حكم الله فيمن يفيء من هذه الأمّة؟] قال: الله ورسوله أعلم، قال: [لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيها] (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ؛﴾ يعني في الدّنيا والولاية، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ؛﴾ يعني بين كلّ مسلمين تخاصما وتقاتلا واختلفا، قرأ ابن سيرين «(بين أخويكم)» بالجمع، وقرأ حسن «(بين إخوانكم)» بالألف والنّون.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي أطيعوا الله ولا تخالفوا أمره، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٠).وعن أبي هريرة ﵁ قال: (المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه؛ ولا يعيبه ولا يخذله؛ ولا يتطاول عليه بالبنيان فيستر عنه الرّيح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار (^٣) قدره إلاّ أن يغرف له منه، ولا يشتري لبيته الفاكهة فيخرجون بها إلى أولاد جاره إلاّ أن يطعموهم منها) (^٤).
_________________
(١) الجن ١٥/.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب قتال أهل البغي: الحديث (٢٧٠٩).وفي مجمع الزوائد: ج ٦ ص ٢٤٣؛قال الهيثمي: (رواه البزار والطبراني في الأوسط وقال: لا يروي عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. قلت: وفيه كوثر بن حكيم وهو ضعيف متروك).
(٣) القتار: ريح القدر والشّواء.
[ ٦ / ٨١ ]
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ؛﴾ أي لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنّك رديء المعيشة لئيم الحسب وأشباه ذلك مما ينتقصه به وهو خير منه عند الله. وقيل: معناه: لا يعيّر قوم قوما لعلّ المسخور منه أفضل عند الله تعالى من السّاخرين، ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ،﴾ ولا يعيّر نساؤنا نساءنا لعلّ المسخورة منهنّ أفضل من السّاخرات.
وقيل: معناه: لا يسخر غنيّ من فقير لفقره.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي لا تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ؛﴾ أي لا يدع بعضكم بعضا باللّقب الذي يكرهه صاحبه؛ لأن عليه أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه.
وقال قتادة: (معناه: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق ويا منافق، ولا يقول لليهوديّ بعد أن آمن: يا يهوديّ) وذلك معنى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ؛﴾ قال عطاء: (هو كلّ شيء أغضبت به أخاك كقولك: يا كلب؛ يا خنزير؛ يا حمار).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ؛﴾ أي من لم يتب من التّنابز ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (١١)،وقال: (نزل قوله تعالى ﴿(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ)﴾ في نساء رسول الله عيّرن أمّ سلمة بالقصر).ويقال: نزلت في عائشة ﵂ أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس: (أنّ صفيّة بنت حييّ بن أخطب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنّ النّساء يعيّرنني يا يهوديّة بنت يهوديّين، فقال ﷺ: [هلاّ قلت: أبي
[ ٦ / ٨٢ ]
هارون وعمّي موسى وأنّ زوجي محمّد]) (^١) فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)﴾ أي لا يغتب بعضكم بعضا ولا يطعن بعضكم على بعض.
وقيل: اللّمز العيب في المشهر، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن زيد:
(اللّمز يكون باللّسان والعين والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللّسان)، قال الشاعر (^٢):
إن لقيتك تبدي لي مكاشرة وإن أغب فلأنت الهامز اللّمزه
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرّجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويهيّئ لهما طعامهما وشرابهما، ويصيب من طعامهما، فضمّ سلمان إلى رجلين من أصحابه في بعض أسفاره، فتقوّم سلمان معهما.
فاتّفق ذات يوم أنّه لم يعدّ لهما شيئا فغلبته عيناه فنام، فلمّا قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا، قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا: انطلق إلى رسول الله ﷺ واطلب لنا منه طعاما وإداما-وقيل: إنّهما قالا له: انطلق إلى النّبيّ ﷺ واسأله لنا فضل إدام إن كان عنده-فذهب فسأل فقال ﷺ: [انطلق إلى الخازن فليطعمك إن كان عنده] وكان الخازن يومئذ أسامة بن زيد، فانطلق إليه فلم يجد عنده شيئا.
فرجع إليهما فأخبرهما بذلك، فقالا: إنّه بخيل يأمره رسول الله ويبخل هو علينا، فقالا في سلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لقال: ليس فيها ماء! ثمّ جعلا يتجسّسان هل كان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ من الإدام. فلمّا جاءا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: [ما لي أرى حمرة اللّحم على أفواهكما؟] قالا: يا رسول الله ﷺ ما تناولنا يومنا هذا لحما؟ فقال: [ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة
_________________
(١) ذكره الثعلب في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٨١.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٣٢٦.والواحدي في أسباب النزول: ص ٢٦٤.
(٢) في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٨١؛ قال الثعلبي: (وقال محمد بن يزيد) وذكره بلفظ: إذا لقيتك عن شخط تكاشرني وإن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه
[ ٦ / ٨٣ ]
] فأنزل الله هذه الآية ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)﴾ (^١) ﴿وَلا تَجَسَّسُوا؛﴾ والظنّ الذي هو الإثم: أن يعرض بقلب الإنسان في أخيه ما يوجب الريبة فيحقّقه من غير سبب يوجبه، كما روي في الخبر: [إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث] (^٢).
وقوله تعالى ﴿(وَلا تَجَسَّسُوا)﴾ التّجسّس: البحث عن عيب أخيه الذي ستره الله عليه. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله ولا تتّبعوا عورات الناس، قال ﷺ: [لا تجسّسوا؛ ولا تحاسدوا؛ ولا تباغضوا؛ ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا] (^٣).
وروي: أنّ رجلا جاء إلى عمر بن الخطّاب ﵁ قال له: (إنّ فلانا يواظب على شرب الخمر، فقال له: إذا علمته يشربها فأعلمني. فأعلمه فذهب معه حتّى انتهى إلى داره، فدخل عليه وقال: أنت الّذي تشرب الخمر؟ فقال: وأنت تتجسّس عيوب المسلمين؟ فقال عمر: تبت أن لا أعود، فقال الرّجل: وأنا تبت لا أعود) (^٤).
وروى زيد بن أسلم: (أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ خرج ذات ليلة ومعه عبد الرّحمن بن عوف إذ شبّت لهما نار، فأتيا الباب فاستأذنا ففتح لهما فدخلا، فإذا رجل وامراة تغنّي وعلى يد الرّجل قدح، فقال عمر للرّجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: من هذه معك؟ قال: امرأتي، قال:
وفي القدح؟ قال: ماء زلال، فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول:
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه وأرّقني أن لا حبيب ألاعبه
فو الله لولا خشية الله والتّقى لزعزع من هذا السّرير جوانبه
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٧٠؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي عن سلمان).
(٢) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الأدب: الحديث (٦٠٦٦).
(٣) تقدم في الرقم السابق.
(٤) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٣٣٣؛ قال القرطبي: (وقال أبو قلابة) وذكر القصة وأن الرجل أبو محجن الثقفي. والحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب اللقطة: باب التجسس: الحديث (١٩٨٤٤).
[ ٦ / ٨٤ ]
ولكنّ العقل والحياء يكفّني وأكرم بعلي أن تنال مواكبه
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: ﴿(وَلا تَجَسَّسُوا)﴾ قال: صدقت، وانصرف) (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؛﴾ أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوء مما هو فيه، فإن يتناوله بما ليس فيه فهو بهتان، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: [أن تذكر من الرّجل ما يكرهه إذا سمعه] فقيل: يا رسول الله، وإن كان حقّا؟ فقال: [وإن كان حقّا، وأمّا إذا كان باطلا فهو البهتان] (^٢).
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: [إيّاكم والغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنى] قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: [إنّ الرّجل يزني ويتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه] (^٣).وقال ﷺ: [إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له، فإنّ ذلك كفّارة له] (^٤).
وعن ابن عمر ﵁ قال: (جاء ماعز إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي زنيت، فأعرض عنه حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النّبيّ ﷺ على رجلين يذكران ماعزا،
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٦٧؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف) وذكره من غير ذكر الشعر. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب التجسس: الحديث (١٨٩٣٩).وأخرجه الثعلبي بكماله في التفسير: ج ٩ ص ٨٣.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة: باب تحريم الغيبة: الحديث (٢٥٨٩/ ٧٠).وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في الغيبة: الحديث (٤٨٧٤).والترمذي في الجامع: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الغيبة: الحديث (١٩٣٤).
(٣) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٨٥ عن جابر وأبي سعيد ﵄. وأخرجه الطبراني في الأوسط: ج ٧ ص ٣٠٦:الحديث (٦٥٨٦).وفي مجمع الزوائد: ج ٨ ص ٩٢؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك).
(٤) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ج ٣ ص ١٨.والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ج ٢ ص ١٦٢.والشوكاني في الفوائد: ص ٢٣٣.وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال: ج ٤ ص ٢٢٢.
[ ٦ / ٨٥ ]
فقال أحدهما: هذا الّذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتّى رجم كرجم الكلب، فسكت عنهما حتّى مرّا على جيفة حمار، فقال ﷺ: [انزلا فأصيبا أكلة منه] فقالا:
يا رسول الله أنأكل من هذه الجيفة؟! فقال: [فما أصبتما من لحم أخيكما أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة ينغمس فيها] (^١).
وقال ﷺ: [لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم] (^٢).وقال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك فاجعلني في حلّ، قال: (إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله تعالى) (^٣).
والغيبة في اللغة: هي ذكر العيب بظهر الغيب، وذكر عيب الفاسق المصرّ على فسقه بمعنى يرجع إلى قبائح أفعاله على وجه التحقير له فليس بغيبة كما ورد في الحديث: [اذكروا الفاجر عمّا فيه كي يحذره النّاس] (^٤).
وكان الحسن يقول في الحجّاج: (جاءنا أخيفش وأعيمش، يخرج إلينا ثيابا قصيرة، والله ما عرف فيها عينان في سبيل الله، يرجّل جمّته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر فيهدر حتّى تفوته الصّلاة، لا من الله يتّقي ولا من النّاس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصّلاة أيّها الرّجل) ثم جعل الحسن يقول: (هيهات والله!! حال دون ذلك السّيف والسّوط) (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الحدود: باب رجم ماعز: الحديث (٤٤٢٨).والدارقطني في السنن: ج ٣ ص ١٩٦.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط: ج ١ ص ٣٢:الحديث (٨).والإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٢٩٩.وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في الغيبة: الحديث (٤٨٧٨).
(٣) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٨٦.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ١٩ ص ٣٥٧ - ٣٥٨:الحديث (١٠١٠).وفي المعجم الأوسط: ج ٥ ص ١٨٩:الحديث (٤٣٦٩).وفي المعجم الصغير: ج ١ ص ٣٥٧:الحديث (٥٩٨).وفي مجمع الزوائد: ج ١ ص ١٤٩؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الثلاثة وإسناد الأوسط والصغير حسن رجاله موثوقون واختلف في بعضهم اختلافا لا يضر).
(٥) ذكره القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٣٣٩.
[ ٦ / ٨٦ ]
قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا؛﴾ أي كما كرهتم أكل لحم الميت طبعا فاكرهوا غيبة الحيّ عقلا، فإنّ العقل أحقّ أن يتّبع من الطّبع. ووجه تشبيه الغيبة بأكل لحمه ميتا أنّ الاغتياب ذكر له بالسّوء من غير أن يحسّ هو بذلك، فهو بمنزلة الأكل من لحمه وهو ميّت لا يحسّ بذلك.
وعن ابن عبّاس أنّه دخل الكعبة فقال: (ما أطيب ريحك وأعظم حرمتك، ولحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك، إنّما جعلك الله حراما، وحرّم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنّ به السّوء).
وعن الحسن أنه قيل له: إنّ أقواما يجلسون مجلسك ويحفظون عليك سقط كلامك ثمّ يغيبونك، فقال: طمّعت نفسي في جوار الرّحمن وطول الجنان والنّجاة من النّيران ومرافقة الأنبياء ﵈، ولم أطمع نفسي في السّلامة من النّاس، إنّه لو سلم من النّاس أحد لسلم منهم خالقهم، فإذا لم يسلم منهم خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم.
قوله تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ؛﴾ أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسّوء غائبا. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ أي اتّقوه في الغيبة، ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ؛﴾ على من تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى؛﴾ نزلت في نفر من قريش قالوا حين سمعوا أذان بلال: أما وجد محمّد مؤذّنا غير هذا الغراب؟ والمعنى:
يا أيّها النّاس إنا خلقناكم من آدم وحوّاء، فكلّكم متساوون في النّسب، لأنّ كلّكم يرجع إلى أب واحد وأمّ واحدة. ومعنى الآية: الزّجر عن التفاخر بالأنساب، قال ﷺ:
[إنّما أنتم من رجل واحد وامرأة واحدة، ليس لأحد على أحد فضل إلاّ بالتّقوى] (^١).
_________________
(١) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٣٣٩ - ٣٤٠؛ قال القرطبي: (وقد أخرج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وذكره بمعناه. وعن عقبة بن عامر ﵁ أخرجه الطبري بمعناه أيضا في الحديث (٢٤٦٠٤).
[ ٦ / ٨٧ ]
ثم ذكر أنه إنما فرّق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال تعالى:
﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا؛﴾ الشّعوب جمع شعب بفتح الشّين؛ وهو الحيّ العظيم مثل ربيعة ومضر، والقبائل دونها وهو كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول جماعة من المفسّرين.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (يريد بالشّعوب الموالي، وبالقبائل العرب) (^١) وإلى هذا ذهب قوم فقالوا: الشّعوب من العجم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والتّرك، والقبائل من العرب. وقيل: معناه: وجعلكم متشعّبين مفرّقين نحو العرب وفارس والرّوم والهند وقبائل العرب وبيوتات العجم. والشّعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وجمعه شعاب.
والحاصل أنّ الشعوب رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، والقبائل دون الشّعوب وهم كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر؛ واحدتها عمارة بفتح العين، وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون؛ واحدها بطن وهو كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاد؛ واحدها فخذ وهم بني هاشم وبني أمية من لؤي، ثم الفصائل واحدها فصيلة وعشيرة.
قوله تعالى: ﴿(لِتَعارَفُوا)﴾ أي ليعرف بعضكم بعضا في النّسب لا لتفاخروا فيما بينكم، كما أنّ الله تعالى خالف بين خلقكم وصوركم لتعرفوا بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش «(لتعارفوا)» وقرأ ابن عبّاس «(لتعرفوا)» بغير ألف.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ،﴾ ﴿(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ)﴾ بفتح الألف، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣)؛معناه: إنّ أكرمكم في الآخرة اتقاكم لله في الدّنيا، وقال ﷺ: [إنّ الله قد أذهب نخوة الجاهليّة وتعظيمها بالآباء، النّاس من آدم؛ وآدم من التّراب؛ أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتّقوى] (^٢).
_________________
(١) ذكره عنه أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٦ ص ٣٤٤.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٧٩؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر) وذكره-
[ ٦ / ٨٨ ]
وقال ﷺ: [من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق الله] (^١) وقال: [كرم الرّجل دينه وتقواه، وفضله عقله، وحسبه خلقه] (^٢).
وقال ﷺ: [إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنّما أنتم بني آدم؛ أكرمكم عند الله أتقاكم] (^٣).
وقال ابن عبّاس: (كرم الدّنيا الغنى، وكرم الآخرة التّقوى)،وقال الشاعر:
ما يصنع العبد بعزّ الغنى والعزّ كلّ العزّ للمتّقي
من عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشّقي
قوله تعالى: ﴿*قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا؛﴾ نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدم على رسول الله ﷺ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلاّ الله، ولم يكونوا مؤمنين في السّرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يزعمون أنّهم مخلصون في إيمانهم، ولم يكونوا كذلك، وكانوا يقولون للنّبيّ ﷺ: يأتيك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وأتيناك بالأثقال والعيال والذراري، يمنّون على رسول الله، ولم نقاتلك كما تقاتلك بنو فلان وبنو فلان، ويريدون بذلك الصّدقة ويقولون: أعطنا. فأنزل الله هذه الآية (^٤).
_________________
(١) -بمعناه. ورواه الإمام أحمد في المسند: ج ٢ ص ٣٦١.وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: الحديث (٥١١٦).والترمذي في الجامع: كتاب التفسير: باب ومن سورة الحجرات: الحديث (٣٢٧٠)،وقال: هذا حديث غريب.
(٢) رواه الحاكم ف ي المستدرك: كتاب الأدب: باب لا تتكلموا ب الحكمة عند الجاهل: الحديث (٧٧٧٩).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب العلم: باب كرم المؤمن: الحديث (٤٣٣ - ٤٣٤).وابن حبان في الإحسان: كتاب البر والإحسان: الحديث (٤٨٣).وفي مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٢٥١؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط) وسكت عنه. وأخرجه الطبراني في الأوسط: الحديث (٦٦٨٢).
(٤) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة: باب تحريم ظلم المسلم وخذله: الحديث (٢٥٦٤/ ٣٤ ٠٣٣).
(٥) أخرجه الطبري في جامع البيان: ج ١٣ ص ١٨٣:الأثر (٢٤٦١٢).وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٥٨٣،ونسبه إلى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
[ ٦ / ٨٩ ]
والمعنى: أنّهم قالوا صدّقنا باللسان والقلوب، قل لهم يا محمّد: لم تؤمنوا؛ أي لم تصدّقوا بقلوبكم كما صدّقتم بألسنتكم (ولكن قولوا) استسلمنا وانقدنا مخافة السّبي والقتل، ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛﴾ في السّر كما أطعتم في العلانية، فتتوبوا من الكفر والنفاق، ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا؛﴾ أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛﴾ لمن تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٤)؛بمن مات على التوبة.
ومن قرأ «(لا يألتكم)» بالهمزة فهو من ألت يألت ألتا إذا نقص، ويقال: لات يليت ليتا بهذا المعنى، وكلا القراءتين بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي هم الذين أقرّوا وصدّقوا بوحدانيّة الله ونبوّة رسوله، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا؛﴾ أي لم يشكّوا في دينهم بعد الإيمان، ﴿وَجاهَدُوا؛﴾ العدوّ، ﴿بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛﴾ طاعة، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (١٥)؛في الإيمان.
فلمّا نزلت هذه الآية جاء القوم يحلفون لرسول الله ﷺ إنّهم يؤمنون في السرّ والعلانية، وقد علم الله منهم غير ذلك، فأنزل الله:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٦)؛معناه: كيف يعلّمون الله بالدّين الذي أنتم عليه، وهو عالم بكلّ شيء من كلّ وجه، وكيف يجوز أن يعلّم من كان بهذه الصّفة.
وقوله ﴿(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)﴾ وذلك أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يقولون للنبيّ ﷺ: قاتلتك العرب بأسيافهم ونحن جئناك بالأهل والذراري والأثقال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان،
فقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ؛﴾ يا محمّد؛ ﴿أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ؛﴾ فإنّ إجابتكم إلى الإسلام لم تكن إلاّ لاجابتكم على أنفسكم لا إنّكم أنعمتم على من دعاكم إلى ذلك.
ومن المعلوم أنّ حقّ الداعي إلى الهداية أعظم من حقّ المطيع بالإجابة، فليس للمطالب أن يطالب بالحقّ الذي له وينسى الحقّ الأعظم الذي عليه، ولذلك قال الله:
[ ٦ / ٩٠ ]
﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ؛﴾ وأخرجكم من الضّلال، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٧)؛في مقالتكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨)؛فيه بيان أنه لا ينفع المنافق عند الله كتمان الكفر؛ لأنه تعالى عالم به.
فإن قيل: كيف تجوز المنّة من الله تعالى، والمنّة مما يكدّر الصنيعة؟ قيل: إنّ المنّة عمّن يستغنى عنه تكدّر الصنيعة، وأمّا الله تعالى ليس من أحد إلاّ وهو محتاج إليه، فليس في منّته تكدير للنعمة لاستحالة أن يستغنى بغيره عنه. وقد يقال: إذا كفرت النعمة حسنت المنّة، وبالله التوفيق.
آخر تفسير سورة (الحجرات) والحمد لله رب العالمين
[ ٦ / ٩١ ]