سورة الحديد مدنيّة، وهي ألفان وأربعمائة وستّة وسبعون حرفا، وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة، وتسع وعشرون آية.
قال رسول الله ﷺ: [من قرأ سورة الحديد كتب من الّذين آمنوا بالله ورسوله] (^١).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خضع وصلّى لله ما في السّماوات من الملائكة من الخلق، ونزّهوه عن السّوء والأنداد، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ في ملكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (١)؛في أمره وقضائه.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له خزائن السّماوات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، ﴿يُحْيِي؛﴾ للبعث، ﴿وَيُمِيتُ؛﴾ عند انقضاء الآجال، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من الإحياء والإماتة، ﴿قَدِيرٌ﴾ (٢) أي قادر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ؛﴾ أي هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، لم يزل قديما قبل كلّ شيء، وهو الدائم بعد فناء كلّ شيء، وهو الظاهر الغالب على كلّ شيء، والظاهر هو القاهر، ومنه قوله ﴿فَأَصْبَحُوا﴾
_________________
(١) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٢٧ عن أبي بن كعب بإسناد ضعيف.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
﴿ظاهِرِينَ﴾ (^١) أي غالبين. ويقال: ظهر الأمير على بلد كذا؛ إذا غلب عليها، وهو الباطن الذي لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس. وقيل: معناه: هو الظاهر بأدلّته العالم بما بطن من أمور خلقه. وقيل: الباطن المحتجب عن الأبصار، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من الظاهر والباطن، ﴿عَلِيمٌ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ؛﴾ قد تقدّم تفسير ذلك.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي ما يدخل فيها فيستر، كما يعلم، ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها؛﴾ فيظهر، ويعلم، ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ،﴾ من ملك ورزق ومطر، ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها؛﴾ وما يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ؛﴾ أي وهو أعلم بأقوالكم وأفعالكم وعزائمكم في أيّ موضع كنتم، فليس يخلو أحد من علم الله وقدرته أينما كان في الأرض أو في السّماء أو في برّ أو في بحر، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).
وما بعد هذا: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٦).ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛﴾ أي صدّقوا بالله بأنّه خالقكم وإلهكم، وصدّقوا برسوله أنّه صادق فيما يؤدّيه إليكم، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ؛﴾ في الجهاد وعلى الضّعفاء، وغير ذلك من سبل الخير من الأموال التي جعلكم الله مستخلفين فيها بأن أورثكموها ممن كان قبلكم.
ويقال: إن الأموال التي في الدّنيا لا تخلو إمّا أن تكون قد صارت إلينا فنحن خلفاؤهم فيها، أو تصير منّا إلى غيرنا فهم خلفاءنا فنحفظها. قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧)؛أي لهم ثواب عظيم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ؛﴾ هذا استفهام إنكار؛ معناه: أيّ شيء لكم من الثّواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله بعد قيام الحجّة عليكم على
_________________
(١) الصف ١٥/.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وحدانيّة الله تعالى وتمام علمه وكمال ملكه، وأيّ عذر يمنعكم من الإيمان بالله تعالى، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ؛﴾ في ظهر آدم بأنّ الله ربّكم لا إله إلاّ هو ولا معبود سواه. وقيل: معنى ﴿(أَخَذَ مِيثاقَكُمْ)﴾ ركّب فيكم العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرّسول ﷺ.
قرأ العامّة «(أخذ)» بفتح الهمزة وفتح القاف (^١)،وقرأ أبو عمرو بضمّها على ما لم يسمّ فاعله. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨)؛يعني إن كنتم مصدّقين كما تزعمون.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ؛﴾ معناه: هو الذي ينزّل على عبده محمّد ﷺ آيات بيّنات، يعني القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشّرك إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩)؛يعني حين بعث الرسول ونصب الأدلّة.
قوله تعالى: ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق في نصرة الإسلام ومواساة الفقراء وأنتم ميّتون تاركون أموالكم، والله سبحانه يرزقكم، ويرث ما في السّماوات والأرض، يميت من فيهما ويرث من عليها.
قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ؛﴾ معناه:
لا يستوي منكم في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدوّ من قبل فتح مكّة مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبيّ: (نزلت هذه الآية في أبي بكر الصّدّيق ﵁) (^٢) قيل: هذا أنّه كان أوّل من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله، وأوّل من قاتل في الإسلام.
قال ابن مسعود: (أوّل من أظهر إسلامه بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصّدّيق ﵁،
_________________
(١) فتح القاف من مِيثاقَكُمْ.
(٢) ذكره الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٣٢.والبغوي في معالم التنزيل: ص ١٢٧٦.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
وقد شهد له النّبيّ ﷺ بأنّه أنفق ماله قبل الفتح) (^١).
قال العلاء بن عمرو: (بينا النّبيّ ﷺ جالس وعنده أبو بكر ﵁ وعليه عباءة، قد خلّها على صدره بخلال (^٢) إذ نزل جبريل ﵇ فقال: يا محمّد: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة؟ فقال: يا جبريل إنّه أنفق ماله قبل الفتح عليّ، قال: فأقرئه منّي السّلام وقل له: يقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال ﷺ: [يا أبا بكر؛ هذا جبريل يقرؤك السّلام من الله تعالى، ويقول لك ربّك: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟] فبكى أبو بكر ﵁ وقال: أعلى ربي أغضب؟! أنا عن ربي راض) (^٣).
وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجّة بيّنة على فضل أبي بكر وتقديمه على سائر الصّحابة، كما روي عن عليّ ﵁ أنه قال: (لا أوتى برجل فضّلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري) (^٤).
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا؛﴾ معناه: أولئك أعظم ثوابا وأفضل درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد فتح مكّة وقاتلوا بعده، وإنما فضّل الله المنافقين والمقاتلين من قبل الفتح؛ لأن الإنفاق والقتال في ذلك الوقت كان أشدّ على النفس، وكانت الحاجة اليها أمسّ لقلّة المسلمين.
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٢٧٦.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٤٠.
(٢) الخلال: العود الذي يتخلّل به، وما يخلّ به الثوب، فيربط به طرفي فرجته. مختار الصحاح: ص ١٨٧.
(٣) أخرجه البغوي في معالم التنزيل: ص ١٢٧٦ - ١٢٧٧ بسنده (عن العلاء بن عمرو الشيباني ثنا أبو إسحاق الفزاري ثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند رسول الله ﷺ) وذكره. وفي تفسير القرآن العظيم: ج ٤ ص ٣٠٨؛ قال ابن كثير: (هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه والله أعلم).
(٤) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٣٦.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٤٠؛وقال: (فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ).
[ ٦ / ٢٠٥ ]
ثم بيّن الله تعالى أنّ لكلا الفريقين الحسنى وهو الجنة، إلاّ أنّهم متفاوتون في الدّرجات فقال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى؛﴾ أي وكلا الفريقين وعد الله الجنة، وقرأ ابن عامر «(وكلّ)» بالرفع على الاستئناف على لغة من يقول: زيد ضربت. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠)؛أي عالم بما يعمله كلّ واحد منكم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١١)؛قد تقدّم تفسيره في البقرة. قال أهل العلم: القرض الحسن أن يكون من الحلال؛ لأنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا، وأن يكون من أحسن ما يملكه دون أن يقصد الرديء لقوله تعالى ﴿لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^١)،وأن يتصدّق وهو لحب المال ويرجو الحياة؛ لأنّ النبيّ ﷺ سئل عن أفضل الصّدقات فقال: [أن تتصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وأن تضع الصّدقة في الأحوج الأولى] (^٢).
وأن يكتم الصدقة ما أمكن لقوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٣)، وإن لا يتبع الصدقة المنّ والأذى لقوله تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ (^٤)، وأن يقصد بها وجه الله ولا يرائي بها، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدّنيا كلها قليلة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ (^٥) وأن يكون من أحب ماله، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ (^٦).وهذه تسعة أوصاف إذا استكملتها الصدقة كانت قرضا حسنا.
_________________
(١) البقرة ٢٦٧/.
(٢) إسناده صحيح، أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٢ ص ٢٥ و٢٣١ و٤١٥ و٤٤٧.والبخاري في الصحيح: كتاب الزكاة: باب فضل صدقة الصحيح الشحيح: الحديث (١٤١٩)،وفي كتاب الوصايا: باب الصدقة عند الموت: الحديث (٢٧٤٨).ومسلم في الصحيح: كتاب الزكاة: باب أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح: الحديث (١٠٣٢).
(٣) البقرة ٢٧١/.
(٤) البقرة ٢٦٤/.
(٥) النساء ٧٧/.
(٦) آل عمران ٩٢/.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
قوله تعالى: ﴿(فَيُضاعِفَهُ لَهُ)﴾ فيه قراءتان: من قرأ بالرفع فعلى العطف على «(يقرض)» أو على الاستئناف على معنى فهو يضاعفه، ومن قرأ بنصب الفاء فعلى جواب الاستفهام بالفاء (^١)،وقوله تعالى ﴿(وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)﴾ الأجر الكريم الذي يقع به النفع العظيم وهو الجنّة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ معناه: اذكر يوم تراهم، ويجوز أن يكون انتصاب اليوم على معنى ولهم أجر كريم يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم على الصّراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنّة.
وأراد بالنور القرآن، وقيل: نور الإيمان والطاعة، تظهر لهم فيمشون فيه، قال ابن مسعود: (يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره مثل الجبل، ومنهم من يؤتى نوره كالنّخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرّجل القائم، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرّة ويوقد أخرى) (^٢).وقال قتادة: (المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن وصنعاء ودون ذلك، حتّى أنّ من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلاّ موضع قدميه) (^٣).
قوله تعالى: ﴿(وَبِأَيْمانِهِمْ)﴾ قال الضحّاك ومقاتل: (وبأيمانهم كتبهم الّتي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم) (^٤).وتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ؛﴾ يعني أنهار اللّبن والخمر والعسل والماء، ﴿خالِدِينَ فِيها؛﴾ لا يموتون ولا يخرجون منها، ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا؛﴾ أي احذروا يوم يقول المنافقون للمؤمنين
_________________
(١) قاله أيضا الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٥ ص ٩٨.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٦٠٢٥).وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٤٤.وصححه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: سورة الحديد: الحديث (٣٨٣٧).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٦٠٢٤).
(٤) بمعناه قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٣٢٢.ومن قول الضحاك بمعناه أيضا، أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٦٠٢٦).
[ ٦ / ٢٠٧ ]
المخلصين: انظرونا نضيء بنوركم فنمضي معكم على الصّراط، وذلك أنّ المنافقين تغشاهم ظلمة حتى لا يكادون ينظرون مواضع أقدامهم، فينادون المؤمنين نقتبس من نوركم.
قرأ حمزة «(أنظرونا)» بقطع الألف وكسر الظاء؛ أي أمهلونا، وقال الزجّاج:
(معناه: انتظرونا أيضا)،وقال عمرو بن كلثوم (^١):
أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا
قال المفسّرون: إذا كان يوم القيامة، أعطى الله المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصّراط، وأعطى الله المنافقين نورا كذلك خديعة لهم فيما بينهم كذلك يمشون، إذا بعث الله ريحا وظلمة فانطفأ نور المنافقين، فعند ذلك يقول المؤمنون: ربّنا أتمم لنا نورنا، مخافة أن يسلب كما سلب المنافقون.
ويقول المنافقون حينئذ للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقولون لهم: لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فارجعوا وراءكم فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا، فيرجعون في طلب النّور فلا يجدون، فيقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النّور (^٢) فاطلبوا نورا، فإنّ المؤمنين حملوا النور من الدّنيا بإيمانهم وطاعتهم.
قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ؛﴾ معناه: فيميّز بين المؤمنين والمنافقين بأن يضرب بينهم بجدار كبير يقال له السّور، وهو الذي يكون عليه أصحاب الأعراف، وهو حاجز بين الجنّة والنار. قوله تعالى: ﴿لَهُ بابٌ؛﴾ أي للسّور باب، ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ؛﴾ وهي الجنّة التي فيها المؤمنون، ﴿وَظاهِرُهُ؛﴾ أي وخارج السّور، ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣)؛يعني جهنّم والنار.
_________________
(١) قاله الزجاج ونقل الشعر في معاني القرآن وإعرابه: ج ٥ ص ٩٨.
(٢) لم يكن رسمها واضح في المخطوط، وجرى ضبط العبارة من الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٤٦.
[ ٦ / ٢٠٨ ]
قوله تعالى: ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؛﴾ معناه: أنّ المنافقين ينادون المؤمنين من وراء السّور: ألم نكن معكم في الدّنيا على دينكم نناكحكم ونوارثكم ونصلّي معكم في مساجدكم، ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ؛﴾ أي أهلكتموها بالنّفاق والمعاصي والشّهوات وكلّها فتنة، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ؛﴾ بمحمّد الموت وبالمؤمنين الدوائر، وقلتم: يوشك أن يموت محمّد فنستريح منه.
قوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ؛﴾ أي شككتم في توحيد الله وفي نبوّة محمّد ﷺ، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ؛﴾ يعني: ما كانوا يتمنّون من قتل محمّد ﷺ وهلاك المسلمين، وغرّتكم أيضا الأباطيل وطول الآمال، ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ؛﴾ يعني الموت والبعث، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)؛أي وغرّكم الشيطان بحكم الله وإمهاله عن طاعة الله.
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ؛﴾ لا يقبل منكم بذل تفدون به أنفسكم من العذاب، ﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ ولا من الذين يظهرون الكفر.
قرأ ابن عامر والحسن ويعقوب: «(لا تؤخذ)» بالتاء.
قوله تعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ؛﴾ أي أولى بكم وأحقّ أن تكون مسكنا لكم قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كلّ شيء، وأنتم أولى بها، ومنه المولى لأنه أولى بعبيده من غيره، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٥)؛النار، قال قتادة: (ما زالوا على خدعة من الشّيطان حتّى قذفهم الله في النّار).
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؛﴾ معناه: أما حان للمؤمنين الذين تكلّموا بكلمة الإيمان إذا سمعوا القرآن أن تخشع قلوبهم لذكر الله وتلين وترقّ، قال ابن مسعود: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه إلاّ أربع سنين) (^١).والمعنى: يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة، ولا يخشع للذّكر قلبه. وقوله ﴿(وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)﴾ يعني القرآن، قرأ نافع وعاصم مخفّفا.
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٨ ص ٥٨؛ قال السيوطي: (أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود) وذكره. وصححه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: الحديث (٣٨٣٩).
[ ٦ / ٢٠٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ وهم اليهود والنصارى، وموضع ﴿(وَلا يَكُونُوا)﴾ النصب عطفا على قوله تعالى ﴿(أَنْ تَخْشَعَ)﴾ و﴿(وَلا يَكُونُوا)﴾،قال الأخفش: (وإن شئت جعلته نهيا) وهذه زيادة في وعظ المؤمنين، معناه:
ولا يكونوا في قساوة القلوب كالذين أعطوا التوراة والإنجيل من قبل المؤمنين، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ؛﴾ الزمان بينهم وبين أنبيائهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ؛﴾ قال ابن عباس: (مالوا إلى الدّنيا وأعرضوا عن مواعظ الله، فلم تلن قلوبهم عند سماع كلام الله تعالى) (^١).وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (١٦)؛أي خارجون عن طاعة الله، وإنّما قال ﴿(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ)﴾ لأنه كان منهم من أسلم.
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٧)؛تنبيه على الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على البعث والنّشور.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ؛﴾ قرأ ابن كثير وعاصم بتخفيف الصّاد من التّصديق، تقديره: إنّ المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الباقون تشديدها، يعني المصّدّقين من الصّدقة، أدغمت التاء في الصاد، ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالصّدقة والنفقة في سبيله، ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ،﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر «(يضعّف)» بالتشديد، وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١٨)؛يعني الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ؛﴾ واحدهم صدّيق وهو الكثير الصّدق، والصّدّيقون لم يشكّوا في الرّسل حين أخبروهم، ولم يكذّبوهم ساعة.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ قال بعضهم: تمام الكلام عند قوله (الصّدّيقون)،ثم ابتدأ فقال: (والشّهداء عند ربهم) وخبره: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ والشهداء على هذا القول يحتمل أنّ المراد بهم الأنبياء ﵈ الذين يشهدون يوم القيامة لمن صدّق بالتصديق وعلى من كذب بالتكذيب، ويحتمل أنّ المراد بهم الذين قتلوا في سبيل الله.
_________________
(١) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٢٨٧.
[ ٦ / ٢١٠ ]
وقال بعضهم: وقوله (والشّهداء) عطف على الصّدّيقين، ومعنى: الشّهداء على سائر المؤمنين، ففي الحديث: [المؤمنون شهداء الله في أرضه] (^١).وقال ﷺ: [كلّ مؤمن شهيد] (^٢). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٩).
قوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ؛﴾ يعني الحياة الدّنيا كاللّعب واللهو في سرعة فنائها وانقضائها، ونظير هذا قوله ﷺ: [الطّواف بالبيت صلاة] (^٣) أي كالصّلاة، ويقال: فلان يجري كالبحر في السّخاء، وفلان أسد؛ أي كالأسد في الشّجاعة.
وقوله تعالى ﴿(وَزِينَةٌ)﴾ أي منظر حسن، والمعنى: إنما الحياة الدّنيا لعب ولهو كلعب الصبيان، وزينة كزينة النّسوان، ﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ كتكاثر الدّهقان (^٤).
قال عليّ بن أبي طالب لعمّار بن ياسر: (لا تحزن على الدّنيا؛ فإنّها ستّة أشياء: مطعوم؛ ومشروب؛ وملبوس؛ ومشموم؛ ومركوب؛ ومنكوح، فأكبر طعامها العسل وهو بزاق ذبابة، وأكبر شرابها الماء وفيه يستوي جميع الحيوانات، وأكبر ملبوسها الدّيباج وهو نسج دودة، وأكبر مشمومها المسك وهو دم فأرة أو ظبية، وأكبر مركوبها الفرس وعليه يقتل الرّجال، وأكبر منكوحها النّساء وهو مبال في مبال) (^٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٣ ص ١٨٦.والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب آداب القاضي: باب اعتماد القاضي على تزكية المزكين وجرحهم: الحديث (٢٠٩٧١)،وقال: (رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب ورواه مسلم عن أبي الربيع).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢٦٠٥٨).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ١١ ص ٢٩:الحديث (١٠٩٥٥).والترمذي في الجامع: أبواب الحج: باب ما جاء في الكلام في الطواف: الحديث (٩٦٠).والنسائي في السنن: كتاب الحج: باب إباحة الكلام في الطواف: ج ٥ ص ٢٢٢،وإسناده صحيح.
(٤) الدّهقان: بكسر الدال أو ضمها: التاجر، فارسي معرب.
(٥) ذكره أيضا الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٤٤.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٥٥.
[ ٦ / ٢١١ ]
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ؛﴾ أي مثل الدّنيا كمثل مطر أعجب الزّرّاع نباته، والكفر في اللغة هو التّغطية، وسمّي الكافر كافرا؛ لأنه يغطّي الحقّ بالباطل، والزّارع يغطّي الحبّ بالأرض.
والمعنى: كمثل غيث أعجب الزّرّاع ما نبت من ذلك الغيث، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا؛﴾ أي ثم يبين فيصير مصفرّا بعد خضرته وريّه، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا؛﴾ أي متكسّرا مفتّتا تحت أرجل الدواب، كذلك الدّنيا تزول وتفنى، كما لا يبقى هذا الزرع.
قوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ؛﴾ أي عذاب شديد للكفّار والمنافقين، ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين المطيعين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢٠)؛هي في سرعة فنائها ونفادها مثل متاع البيت في سرعة فنائه وفراغه وسقوطه وانكساره.
وعن عليّ ﵁ أنّه كان يقول في صفة الدنيا: (أمّا ماضي فحكم، وأمّا ما يغني فأمانيّ وغرور).وقال رسول الله ﷺ: [الرّغبة في الدّنيا تكثر الهمّ والحزن، والزّهد في الدّنيا يريح القلب والبدن] (^١).
قوله تعالى: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي سابقوا إلى ما أمرتم وإلى التّوبة لتنالوا مغفرة من ربكم جنّة سعتها كسعة السّماء والأرض. وقيل: المراد بالآية السّبق إلى الجهاد والجمعة والجماعات وسائر أعمال البرّ، وباقي الآية ظاهر. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢١).
قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها؛﴾ معناه: ما أصاب أحدا مصيبة في الأرض من
_________________
(١) في مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٢٨٦؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أشعث بن نزار ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم).وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: الحديث (٦١١٦) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٢١٢ ]
قحط المطر وقلّة النبات ونقص الثّمار، ﴿(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)﴾ من المرض والموت وفقد الأولاد، إلاّ وهو مكتوب في اللّوح المحفوظ من قبل أن نخلق الأرض. ويقال: من قبل أن نخلق النّفس، ويقال: من قبل أن نقدّر تلك المصيبات في اللّوح المحفوظ؛ لأن خلق ذلك وتقديره على الله هيّن. والبرء في اللغة هو الخلق، والبارئ: الخالق، والبريّة:
الخليقة. قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٢)؛يعني إثبات ذلك كله مع كثرته على الله هيّن.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ؛﴾ بالصبر عند المصائب، والشّكر عند النّعم، لأنّ العاقل إذا علم الذي فاته كان مكتوبا عليه، دعاه ذلك إلى ترك الجزع، وكانت نفسه أسكن وقلبه أطيب، وإذا علم أنّ الذي أتاه من الدنيا كان مكتوبا له قبل أن يصير إليه، وأنه لا يبقى عليه، دعاه ذلك إلى ترك النظر.
قرأ أبو عمرو «(أتاكم)» بالقصر؛ أي جاءكم، واختاره أبو عبيد لقوله «(فاتكم)» ولم يقل: أفاتكم، وقرأ الباقون «(آتاكم)» بالمدّ؛ أي أعطاكم، واختاره أبو حاتم، وكان الحسن يقول لصاحب المال: (في ماله مصيبتان لم يسمع الأوّلون والآخرون بمثلها: يسلب عن كلّه ويسأل عن كلّه).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (٢٣)؛فيه ذمّ للفرح الذي يختال ويبطر بالمال والولد والولاية.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ؛﴾ يعني الذين يمتنعون عن أداء الحقوق الواجبة في المال، ويمنعون الناس عن أداء تلك الحقوق، وهذا نعت المختال الفخور.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٤)؛أي من يعرض عن الإيمان وعن أداء الحقوق، فإنّ الله هو الغنيّ عنه وعن إيمانه، وهو المحمود في أفعاله، قرأ نافع وابن عامر «(فإنّ الله الغنيّ)»،وقرأ الباقون «(هو الغنيّ)».
[ ٦ / ٢١٣ ]
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ؛﴾ أي بالآيات والحجج، ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ؛﴾ الذي يتضمّن الأحكام، وقوله تعالى: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ يعني العدل؛ أي أمر بالعدل، وقيل: يعني الذي يوزن به؛ أي أمرنا بالميزان، ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ؛﴾ أي ليتعاملون بينهم بالعدل والنّصفة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (نزل آدم من الجنّة ومعه الإبرة والمطرقة والكلبتين) (^١).وقيل: المراد بإنزال الحديد أنه خلقه الله في الجبال والمعادن. وقوله تعالى ﴿(فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)﴾ أي قوّة شديدة، لا يليّنه إلاّ النار. قوله تعالى: ﴿(وَمَنافِعُ لِلنّاسِ)﴾ يعني الفئوس والسكاكين والإبرة وآلة الحرب وآلة الدفع يعني السّلاح.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي وليعلم الله من ينصر دينه وينصر رسله بهذه الأسلحة، والله سبحانه لم يزل عالما بمن ينصر ومن لا ينصر؛ لأن علم الله لا يكون حادثا، لأنّ المراد بهذا العلم الإظهار والتمييز. وقوله تعالى (بالغيب) معناه: ولم ير الله ولا أحكام الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥)؛
فيه بيان أنه تعالى لم يأمر بالجهاد عن ضعف وعجز، إنما أمر به ليثيبنا عليه. وما بعد هذا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٦)،ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا؛﴾ أي أتبعنا الرّسل على إثر نوح وإبراهيم ومن كان من الرّسل من أولادهما، ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ؛﴾ أي أتبعنا به وأعطيناه الإنجيل دفعة واحدة، ﴿وَجَعَلْنا فِي﴾
_________________
(١) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٢٦١؛ قال القرطبي: (قال الثعلبي: قال ابن عباس: (نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: السّندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة) وحكاه القشيري وقال: والميقعة: ما يحدد به).وذكره الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٤٦.
[ ٦ / ٢١٤ ]
﴿قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ؛﴾ الحواريّين وأتباعهم، ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً؛﴾ يعني المودّة، كانوا متوادّين بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمّد ﷺ بقوله تعالى ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها؛﴾ ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدلّ عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية؛ أي جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ؛﴾ معناه: ما فرضناها عليهم تلك الرهبانيّة، بل هي غلوّهم في العبادة من حمل المشاقّ على أنفسهم، وهي الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنّكاح والتعبّد في الجبال، ما فرضنا عليهم ذلك إلاّ أنّهم طلبوا بها رضوان الله. وقيل: معناها: ما فرضنا عليهم إلاّ اتباع ما أمر الله.
قوله تعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها؛﴾ أي قصّروا فيما ألزموه أنفسهم ولم يحفظوها حقّ الحفظ، ويقال: إنه لمّا لم يؤمنوا بالنبيّ ﷺ حين بعث كانوا تاركين لطاعة الله تعالى غير مراعين لها فضيّعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، وتهوّدوا وتنصّروا وتركوا الترهيب.
قوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ؛﴾ وهم الذين أقاموا على دين عيسى حتى أدركوا محمّدا ﷺ فآمنوا به فأعطيناهم ثوابهم، قال ﷺ: [من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حقّ رعايتها، ومن لم يتّبعني فأولئك هم الهالكون] (^٢).قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧)؛معناه: وكثير منهم خالفوا دين عيسى فقالوا هو ابن الله أو نحوا من هذا القول.
_________________
(١) الفتح ٢٩/.
(٢) إسناده حسن، في الدر المنثور: ج ٨ ص ٦٤ - ٦٥؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان وابن عساكر من طرق عبد الله بن مسعود) وذكره مطولا. وفي مجمع الزوائد: ج ١ ص ١٦٣؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف وثقه أحمد وغيره، وفيه ضعف).
[ ٦ / ٢١٥ ]
والرهبانيّة في اللغة: خصلة يظهر فيها معنى الرّهبنة، وذلك إمّا في لبسه أو انفراده عن الجماعة للعبادة، قال رسول الله ﷺ: [لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد الله عليكم، فإنّ قوما شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصّوامع والدّيارات، ﴿رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾] (^١).
وعن عروة قال: (دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة وهي باذة الهيبة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم اللّيل ويصوم النّهار، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ، فلقي عثمان بن مظعون، فقال له: [يا عثمان إنّ الرّهبانيّة لم تكتب علينا، فما لك فيّ أسوة، فو الله إنّي لأخشاكم لله وأحفظكم لحدوده] (^٢).
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ؛﴾ أي يا أيّها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتّقوا الله وآمنوا برسوله محمّد ﷺ، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ؛﴾ أي يؤتكم نصيبين من ثوابه وكرامته، نصيبا لإيمانكم به اليوم ونصيبا لإيمانكم المتقدّم بالأنبياء ﵈.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ؛﴾ على الصّراط، كما قال تعالى ﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٣) فهذا علامة المؤمنين في القيامة. وقيل: معناه:
ويجعل لكم نورا بالإيمان في الدّنيا، يعني الهدى والبينات تهتدون به إلى طاعة الله، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ؛﴾ لمن مات على التوبة، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٢٨).
قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أي ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ وحسدوا المؤمنين منهم أن لا
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٨ ص ٦٦؛ قال السيوطي: (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن جبير عن أبيه عن جده) وذكره، وقال: (أخرجه أبو يعلى عن أنس) وذكره.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب النكاح: باب وجوب النكاح وفضله: الحديث (١٠٣٧٥).والإمام أحمد في المسند: ج ٦ ص ٢٢٦،وإسناده صحيح. وفي مجمع الزوائد: ج ٤ ص ٣٠٢:كتاب النكاح: باب حق المرأة على الزوج؛ قال الهيثمي: (رواه أبو يعلى والطبراني بأسانيد وبعض أسانيد الطبراني رجالها ثقات).
(٣) التحريم ٨/.
[ ٦ / ٢١٦ ]
يصرفوا النبوّة عمّن تفضّل الله بها عليه إلى غيره، وأنّ التوفيق بتقدير الله يعطي النبوّة من يشاء ممن كان أهلا لها، صالحا للقيام بها. وقيل: ليعلم الذين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ أنّهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ؛﴾ فآتى المؤمنين منهم أجرين، ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩)؛ يتفضّل على من يشاء من عباده المؤمنين، و(لا) في قوله (لئلاّ) زائدة المعنى، لأن يعلم مثل قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ (^١).
آخر تفسير سورة (الحديد) والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ص ٧٥/.
[ ٦ / ٢١٧ ]