سورة النّحل مكّيّة (^١)،وهي سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف، وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية. قال ﷺ: [من قرأها لم يحاسبه الله بالنّعيم الّذي أنعم الله به عليه في الدّنيا] (^٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ؛﴾ قال ابن عبّاس: (لمّا نزل قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ (^٣) قال الكفّار بعضهم لبعض: إن يزعم أنّ القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتّى ننظر ما هو كائن، فلمّا رأوا أنّه لا ينزل شيئا قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (^٤)،فانتظروا قرب السّاعة، فلمّا امتدّت الأيّام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئا تخوّفنا به، فأنزل الله ﷿ ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب النّبيّ ﷺ لا يشكّ أنّ العذاب قد أتى، فقال الله ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يعني العذاب، فجلس النّبيّ ﷺ) (^٥).
_________________
(١) في التفسير: ج ٢ ص ٢١٣؛قال مقاتل بن سليمان: (مكّيّة كلّها غير قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ [الآية ١٢٦ - ١٢٨ آخر السورة].وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا [الآية/ ١١٠].وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ [الآية ١٠٦/] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا [الآية ٤١/].وقوله تعالى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً [الآية ١١٢/].فإنّ هذه الآيات مدنيّات) واختلفوا في ذلك، واتفقوا على أنها تسمى سورة النعم بسبب ما عدّد فيها من النعم.
(٢) ذكره الزيلعي في (تخريج أحاديث الكشاف) وعزاه للثعلبي عن أبي أمامة عن أبي بن كعب. وابن مردويه والواحدي في الوسيط. وهو حديث لا يصح.
(٣) القمر ١/.
(٤) الأنبياء ١/.
(٥) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦١٩٦) من طريق ابن جريج مختصرا.
[ ٤ / ٥٧ ]
وأما ذكر لفظ الإتيان في هذا؛ فلأنّ أمر الله في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (^١).قوله تعالى:
﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)؛أي تنزيها له تعالى بصفات المدح عمّا يشركون به من الأصنام.
قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ؛﴾ أي ينزّل الملائكة بالوحي، ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ؛﴾ قرأ الأعمش «(ينزل)» بفتح الياء وجزم النون وكسر الزّاي، قال ابن عبّاس: (يعني بالملائكة جبريل وحده)،ويسمّى الوحي روحا؛ لأنّه تحيا به القلوب والحقّ، ويموت الكفر والباطل.
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا؛﴾ أي أن أعلموا بالتّخويف أن لا إله إلا الله، ﴿فَاتَّقُونِ﴾ (٢)؛أي فاتّقوا المعاصي. قوله تعالى: ﴿(أَنْ أَنْذِرُوا)﴾ في موضع النصب بنزع الخافض؛ أي بأن أنذروا.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي ليستدلّ بهما على توحيد الله، وليعمل بالحقّ، ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)؛من أن يكون له شريك.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٤) قال ابن عبّاس: (نزل في أبيّ بن خلف الجمحيّ حين قال ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (^٢».والمعنى: خلق الإنسان من نطفة منتنة وأنعم عليه حالا بعد حال إلى أن أبلغه الحالة التي تخاصم عن نفسه، فينكر إعادته بعد موته.
قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها؛﴾ أي وخلق لكم الأنعام، وهي ذوات الحقاف والأظلاف دون الحوافر. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ؛﴾ أي ما يدفّيكم من أصوافها وأوبارها من الأكسية ونحوها، ومن القلانس واللّحاف، ومنافع أخر من ألبانها ونسلها، والرّكوب والحمل عليها، والفرش والبيوت من أصوافها. قوله تعالى: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٥)؛يعني لحومها.
_________________
(١) النحل ٧٧/.
(٢) يس ٧٨/.
[ ٤ / ٥٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٦)؛أي ولكم فيها منظر حسن، يقال: هذه مواشي فلان، فيكون له في ذلك جمال، قال قتادة: (وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها) (^١)،وقوله تعالى: ﴿(حِينَ تُرِيحُونَ)﴾ أي حين تريحونها في العشيّ من مراعيها إلى مباركها التي تأوي إليها، ﴿(وَحِينَ تَسْرَحُونَ)﴾ أي تخرجون بها بالغداة من مراحها إلى مسارحها.
قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ؛﴾ أراد به الإبل تحمل أمتعتكم وزادكم، وما يثقل عليكم إلى بلد قصدتموه للحجّ إلى مكّة، أو تجارة إلى سائر البلدان، لولا الإبل لكان لا يمكنكم بلوغ تلك البلد إلا بجهد ومشقّة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)؛أي متفضّل منعم عليكم.
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً؛﴾ أي وخلق لكم الخيل والبغال والحمير؛ لتركبوها وتتزيّنوا بها زينة، فيحصل لكم منافعها، وحسن منظرها للناس، كما قال تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (^٢).قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨)؛أي يخلق أشياء لا تعرفونها لم يسمّها لكم.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ الله تعالى خلق أرضا بيضاء مثل الدّنيا ثلاثين مرّة محشوّة خلقا من خلق الله، لا يعلمون أنّ الله يعصى طرفة عين] قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟ قال: ما يعلمون أنّ الله خلق آدم؟] قالوا: فأين إبليس عنهم؟ قال: ما يعلمون أنّ الله خلق إبليس] ثمّ قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ٧١؛ حكاه القرطبي بلفظ: (ولأنّها إذا راحت توفّر حسنها وعظم شأنها وتعلّقت القلوب بها؛ لأنّها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا). واللفظ في المتن أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٢١٣).
(٢) الكهف ٤٦/.
(٣) بمعناه في الدر المنثور: ج ٥ ص ١١٣؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس
[ ٤ / ٥٩ ]
وهذه الآية مما يستدلّ بها على كراهية لحم الخيل على مذهب أبي حنيفة؛ لأنّ الله تعالى قال في الأنعام ﴿(وَمِنْها تَأْكُلُونَ)﴾ ولم يذكر في آية الخيل والبغال إلا الركوب والزينة.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ؛﴾ أي وعلى الله بيان الهدى والضّلالة ليتّبع الهدى وتجتنب الضّلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ (^١)،وقال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (^٢).قوله تعالى:
﴿(وَمِنْها جائِرٌ)﴾ أي من الطّرق ما هو عادل عن الحقّ، قال: يعني اليهوديّة والنصرانية والمجوسية، وقال ابن المبارك: (يعني الأهواء والبدع).قوله: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩)؛إلى جنّته وثوابه، ولأرشدكم كلّكم.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ؛﴾ مثل البرك والغدران، ولكم، ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١٠)؛ترعون أنعامكم، يعني الكلأ والأشجار التي ترعاه الإبل.
قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١١)؛ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٢)؛تسخير الليل والنّهار، مجيء كلّ واحد منهما عقب الآخر بتقدير الله؛ لينصرف الناس في معايشهم بالنّهار، ويسكنوا بالليل، وتسخير الشمس والقمر والنّجوم مجيئه بها في أوقات معلومة.
قوله تعالى: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي وسخّر لكم ما خلق في الأرض من الدواب والأشجار وغيرها، ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ،﴾ ومناظره وصوره، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣)؛دلائل الله.
_________________
(١) وذكره).وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ٨٠ عزاه القرطبي قال: ذكره الماوردي.
(٢) الانسان ٣ /.
(٣) الشمس ٨/.
[ ٤ / ٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا؛﴾ يعني السّمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها؛﴾ وهو العرض لاستخراج اللّؤلؤ والمرجان لتلبسه نساؤكم.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ؛﴾ أي وترى السّفن في البحر مقبلة ومدبرة تشقّ الماء يمينا وشمالا، يقال: مخرت السفينة البحر، إذا جرت جريا شقّت الماء شقّا، والمخر صوت هبوب الرّيح، والسفينة تجري بالرّيح، فسمّيت السفينة مواخر، والواحدة ماخرة. قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٤)؛يعني لتركبوه للتّجارة، فتطلبوا الربح من فضل الله لكي تشكروا نعمه.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛﴾ أي وجعل فيها جبالا عالية يابسة لئلاّ تحرك بكم الأرض، و؛ أجرى فيها، ﴿وَأَنْهارًا،﴾ مثل النّيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وجعل فيها، ﴿وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥)،طرق منافعكم؛ لكي تهتدوا إلى الموضع الذي تقصدونه.
قوله تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١٦)؛أي جعل في الأرض أعلاما للمسافرين من الجبال وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿(وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)﴾ معناه: إنّ من يسير بالليل فإنّما يهتدي إلى الطّرق في البرّ والبحر بالنّجوم مثل الثّريا وبنات نعش والفرقدين، يهتدي بها إلى القبلة والطّرق.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ أي أفمن يخلق هذه الأشياء وهو الله تعالى كمن لا يقدر أن يخلق شيئا وهي الأصنام، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٧) أنّهما لا يستويان في استحقاق العبادة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها؛﴾ يعني إذا أردتم أن تعرّفوا بفاضل نعم الله عليكم في الخلق والرّزق والتمكّن من الأمور في الدّنيا لم تقدروا على إحصاء هذه النّعم، ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ؛﴾ لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَحِيمٌ﴾ (١٨)؛بهم بالإمهال إلى وقت التّوبة.
[ ٤ / ٦١ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ يعني الأصنام، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٢٠)؛والله تعالى هو الخالق لها.
قوله: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ؛﴾ يعني الأصنام، والمعنى: كيف تخلق شيئا، وهي أموات لا روح لها.
وإنما جمع بين قوله ﴿(أَمْواتٌ)﴾ وبين قوله ﴿(غَيْرُ أَحْياءٍ)﴾ لأنه يقال: فلان ميّت وإن كان حيّا، إذا كان لا ينتفع به، فكأنّ الله تعالى بيّن أنه لم يسمّ الأصنام أمواتا من حيث أنه لا ينتفع بها، ولكن لأنه لا حياة فيها، فكيف يعبدون ما لا يخلق وما لا يرزق ولا ينفع، وهو مع ذلك من الأموات.
قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢١)؛أي وما تشعر الأصنام متى يبعث الناس من القبور فيحاسبون، فكيف يرجو الكفار الجزاء من قبل الأصنام، و﴿(أَيّانَ)﴾ كلمة اختصار أصلها (أيّ) و(أنّ).
قوله تعالى: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ وهو ﷿، ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ؛﴾ للحقّ، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢٢)؛وهم متعظّمون عن قبول الحقّ أنفة من اتّباعه واتّباعك.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ؛﴾ أي حقّا إنّ الله يعلم سرّهم وعلانيتهم، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (٢٣).
قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؛﴾ أي إذا قيل لهؤلاء الكفار: ما الذي يدّعي محمّد ﷺ أنه ينزل عليه من الله، ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٤) أي الذي تذكرون أنه منزل كلام الأولين، وما يسطّرون في كتبهم من الأخبار والأقاصيص.
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ؛﴾ أي آثامهم، ﴿كامِلَةً؛﴾ أي وافرة، ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ ليحملوا، ﴿وَمِنْ أَوْزارِ؛﴾ أي آثام، ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ،﴾ يصرفونهم عن محمّد ﷺ والقرآن، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ،﴾ بلا علم ولا حجّة، يعني يكون عليهم إثم إضلالهم غيرهم لا أن يحملوا ذنوب غيرهم، كما
[ ٤ / ٦٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (^١).وقوله تعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٢٥)؛ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ؛﴾ أي قد مكر الذين من قبل هؤلاء بأنبيائهم، كما مكر هؤلاء المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكّة؛ ليصدّوا الناس عن دين الله، فأتى الله بنيان أولئك من القواعد بالعذاب، ﴿فَخَرَّ،﴾ فوقع، ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ؛﴾ الهدم والاستئصال، ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)؛بإتيان العذاب منه.
وقد اختلفوا في هؤلاء الذي خرّ عليهم السقف، قال بعضهم: هو نمرود بن كنعان الذي بنى صرحا طوله خمسة آلاف وخمسون ذراعا، وعرضه عرض ثلاثة آلاف وخمسون ذراعا؛ ليصعد إلى السّماء، فوقع الصرح على الذي كانوا فيه، وأهلك الله نمرود بالبعوض. وقال بعضهم: هذا على وجه المثل، فكأنه جعل أعمالهم بمنزل الباني بناء سقط عليه.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؛﴾ تشركونهم معي في العبادة، وقوله تعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛﴾ أي قال المؤمنون: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٧) إنّ الذّلّ اليوم والهوان على الكافرين،
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبض أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ،﴾ واستسلموا وانقادوا للمذلّة والهوان، يقولون: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ؛﴾ أي من معصية في الدّنيا، فيقول المؤمنون: ﴿بَلى؛﴾ قد فعلتم ذلك، ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨)؛وتقول لهم خزنة جهنّم،
﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢٩)؛عن توحيد الله وعبادته.
_________________
(١) الأنعام ١٦٤/.
[ ٤ / ٦٣ ]
قوله تعالى: ﴿*وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ أهل مكّة لمّا بعثوا إلى أعقاب مكّة رجالا؛ ليصدّوا النّاس عن دين الله، بعث النّبيّ ﷺ رجالا من أصحابه: عبد الله بن مسعود وغيره، فكان وافد النّاس إذا قدم فردّه الكفّار عن النّبيّ ﷺ وعن الإيمان، سأل أصحاب النّبيّ ﷺ: ﴿(ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: خَيْرًا)﴾ أي أنزل حقّا وصوابا).
وعلى هذا انتصب قوله ﴿(خَيْرًا)﴾،وإنما ارتفع قوله في جواب المقتسمين من كفّار مكّة ﴿(أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)﴾ لأنّهم كانوا لا يقرّون بإنزاله، بل كانوا يقولون على جهة التكذيب هو أساطير الأولين.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ؛﴾ أراد بالحسنة الثناء والمدح على ألسنة المؤمنين، وقيل: للّذين قالوا لا إله إلا الله يضعّف له بعشر، ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ؛﴾ يعني الجنّة خير مما يصل إليهم في الدّنيا، ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٠).
ثم فسّر دار المتّقين فقال: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ؛﴾ أي بساتين إقامة، ﴿يَدْخُلُونَها،﴾ يوم القيامة، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا؛﴾ أي من تحت أشجارها، ﴿الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ؛﴾ كذلك تكون مجازاة الله، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ (٣١)؛للشّرك والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ عند قبض أرواحهم، ﴿طَيِّبِينَ؛﴾ أي زاكية أعمالهم متمسّكين بما أمروا به مجتنبين لما نهوا عنه، طيّبة أرواحهم بما يبشّرون به من الجنّة، ﴿يَقُولُونَ؛﴾ أي يقول لهم الملائكة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٢)؛في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ؛﴾ أي ما ينظر أهل مكّة في تكذيبهم للرّسول واستبطائهم العذاب، إلاّ أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؛﴾ بعذاب الاستئصال، ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ هؤلاء الكفار من تكذيب الرّسل مثل ما فعل هؤلاء فعذبهم الله ﴿وَما﴾
[ ٤ / ٦٤ ]
﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ؛﴾ بذلك، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؛﴾ (٣٣) ظلموا أنفسهم حيث فعلوا ما استوجبوا به العذاب.
قوله تعالى: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا؛﴾ أي عقاب ما عملوا، أراد بالسّيئات العقاب كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (^١) ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٤)؛أي وحلّ بهم ما كانوا يستهزءون به من العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ هذا نظير الآية التي في الأنعام ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ (^٢) قد تقدّم تفسيره، يعني كفار أهل مكّة.
وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ من الأمم الماضية من تكذيب الأنبياء مثل ما فعل هؤلاء، فلم يكن ذلك حجّة لهم، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣٥)؛عن الله بلغة يعرفونها. وقال بعضهم: إنما قالوا هذا القول استهزاء وسخرية كما قال قوم شعيب: أتنهانا عمّا كان يعبد آباؤنا.
قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا؛﴾ كما بعثناك رسولا في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛﴾ أي اجتنبوا الشيطان وعبادة كلّ ما تعبدون من دون الله، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي الكفر. قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي في أرض الذين عاقبهم الله، ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٦)؛أي كيف صار عاقبة مكرهم.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ؛﴾ أي إن تطلب يا محمّد من جهتك هداهم، ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ؛﴾ أي يحكم عليه بالضّلالة، ومن يضلله الله فلا يهدي ولا يهتدي، ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٧)؛أي من يدفع عنهم العذاب.
_________________
(١) الشورى ٤٠/.
(٢) الآية ١٤٨/.
[ ٤ / ٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ؛﴾ أي حلف الكفار بالله مجتهدين في اليمين: أنه لا يبعث الله من يموت، وقوله تعالى:
﴿بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا؛﴾ أي قل: بلى، وقيل: إنّ الله تولّى الجواب بنفسه، كأنه قال: ليبعثهم بعد الموت وعدا عليه.
انتصب قوله ﴿(حَقًّا)﴾ على المصدر؛ أي وعد وعدا حقّا كأنّما أوجبه على نفسه، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨)؛أنه حقّ.
قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛﴾ معناه: يبعثهم لكي يبيّن لهم ما يختلفون فيه من الدّين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (٣٩) في الدّنيا بأن لا جنة ولا نار.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) أي إنّما أمرنا في البعث وغيره إذا أردنا أن نقول له: كن؛ فيكون. من رفع ﴿(فَيَكُونُ)﴾ معناه: فهو يكون، ومن نصب فعلى جواب كن، وقيل: عطفا على ﴿(أَنْ نَقُولَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛﴾ قال ابن عبّاس:
(نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر وصهيب وبلال وأصحابه الّذين هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكّة).
والمعنى: والذين هجروا أوطانهم في طاعة الله، وساروا إلى النبيّ ﷺ من بعد ما ظلمهم الكفار، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً،﴾ أرضا كريمة وهي المدينة بدل أوطانهم، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ؛﴾ لهم مما أعطيناهم في الدّنيا، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)؛يعلم الكفّار.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ يعني على الشّدائد والعبادات، وصبروا عن المحرّمات، ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤٢)؛في طلب الدّين والدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ؛﴾ نزلت جوابا لأهل مكّة حين قالوا: لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث رسولا من الملائكة لا
[ ٤ / ٦٦ ]
رجلا منّا. ومعنى الآية ﴿(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ)﴾ يا محمّد إلى الأمم الماضية إلا رجالا أوحينا إليهم كما أوحينا إليك، ﴿فَسْئَلُوا؛﴾ يا أهل مكّة، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ؛﴾ أي الكتاب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣)؛أنّ الرسل كانت من البشر.
قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ؛﴾ راجع إلى قوله تعالى ﴿(نُوحِي إِلَيْهِمْ)﴾.
وقيل: في هذا إضمار كأنه قال: وأرسلناهم بالبيّنات والزّبر. والبينات: هي الدلالات الواضحات، والزّبر: جمع الزّبور وهو الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ؛﴾ أي القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛﴾ الحلال والحرام والحقّ والباطل، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛﴾ (٤٤) فيه فيؤمنوا به.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني أهل مكّة عملوا السّيّئات؛ يعني الشّرك)،وقيل: معناه: أفأمن الذين مكروا في تكذيب الرّسل وأذى المسلمين أن يخسف الله بهم كما خسف بقارون، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ؛﴾ موضع، ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٥) أي لا يعلمون،
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ؛﴾ أي في أسفارهم وتجارتهم وتصرّفهم، ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٤٦)؛الله على ما يريد إحلاله بهم.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؛﴾ أي على تنقّص إما بقتل أو بموت؛ الأوّل فالأول حتى يهلكوا عن آخرهم، روي عن عمر ﵁ أنه قال: (ما كنت أدري ما معنى ﴿(عَلى تَخَوُّفٍ)﴾ حتّى سمعت قول الشّاعر:
تخوّف السّير منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن (^١)
وقال الحسن: (معناه: أن يخوّفهم بأن يهلك قرية لتنزجر قرية أخرى).وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤٧)؛أي شديد الرّحمة بتأخير العذاب عن الكفّار، أو شديد الرحمة على من تاب منهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؛﴾ أي من شخص قائم من شجر أو إنسان أو نحو ذلك، ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ؛﴾ أي
_________________
(١) اختلف في نسبته إلى قائله. والأثر أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٣٣١).
[ ٤ / ٦٧ ]
يتميّل ظلاله عن اليمين والشّمائل، إذا طلعت الشمس وإذا غربت، ﴿سُجَّدًا لِلّهِ؛﴾ أي ميلانها أو دورانها من موضع إلى موضع سجودها، فيسجد الظلّ غدوة إلى أن يفيء الظلّ، ثم يسجد أيضا إلى الليل. وفي هذا دليل توحيد الله تعالى، قال الحسن: (أمّا ظلّك فيسجد لله، وأمّا أنت فلا تسجد).قوله: ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ (٤٨) أي صاغرون ذليلون.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ؛﴾ أي ما دبّ على الأرض، ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٩)؛أي ويخضع الملائكة وهم لا يتعظّمون عن الخضوع له،
﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ؛﴾ أي يخافون عقاب ربهم من فوقهم. وقيل: يخافون ربّهم خوف المقهور من القاهر، فذكر لفظ فوق على هذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٥٠)؛يعني الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إنّ لله ملائكة في السّماء السّابعة سجودا منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله، وتجري دموعهم وتضطرب أجنحتهم، لا تقطر من دموعهم قطرة إلاّ صارت ملكا قائما، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رءوسهم وقالوا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك] (^١).
وعن ابن عبّاس أنه قال في هذه الآية: (من سجد هذه السّجدة إيمانا وتصديقا، أعطاه الله بعدد الملائكة والشّمس والقمر والنّجوم، وقطر المطر ونبات الأرض وترابها ورملها ومدرها، وبعدد ما دبّ على وجه الأرض حسنة حسنة).
وقوله تعالى: ﴿*وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ؛﴾ يجوز أن يكون قوله ﴿(اثْنَيْنِ)﴾ تأكيدا لما سبق، ويجوز أن يكون المعنى: لا تتّخذوا اثنين إلهين إنما الله إله واحد، ﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٥١)؛أي فاخشون ولا تخشوا أحدا غيري،
﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ ظاهر المعنى.
_________________
(١) في كنز العمال: الرقم (٢٩٨٣٧)؛ذكره الهندي وعزاه إلى الديلمي عن ابن عمر.
[ ٤ / ٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا؛﴾ أي دائما، وقوله تعالى ﴿(واصِبًا﴾ انتصب على القطع وإن كان فيه الوصف، والوصب: شدّة التّعب؛ لأن الله هو المستحقّ أن يعبد في جميع الأوقات. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ (٥٢)؛إنكار عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ؛﴾ ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ (٥٣)؛أي فإليه تتضرّعون في كشفه، والجؤار في اللغة: رفع الصّوت، فكأنّه قال: فإليه تضجّون وتصيحون،
﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ؛﴾ (٥٤) عاد فريق منكم إلى الشّرك،
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ؛﴾ أي ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم. ثم أوعدهم فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥)؛أي فتمتّعوا في الدّنيا، فسوف تعلمون ما يحلّ بكم من العقاب.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ؛﴾ أي ويجعلون للأصنام التي لا تعلم نصيبا مما رزقناهم، وهو ما كانوا يجعلون لها من السّائبة والبحيرة والحام وبعض الحرث. ويجوز أن يكون: (لما لا يعلمون) راجعا إلى الكفار على معنى أنّهم لا يعلمون أنّها تنفعهم ولا تضرّهم. قوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٦)؛قسم بأن الله يسألهم في الآخرة عن افترائهم فيما جعلوه للأصنام.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ؛﴾ معناه: إنّهم يقولون: إن الملائكة بنات الله، وقوله تعالى ﴿(سُبْحانَهُ)﴾ تنزيها لله تعالى عما لا يليق به. وقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥٧)؛أي ما يختارون لأنفسهم من البنين دون البنات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا؛﴾ أي ظهر أثر كراهة الحزن على وجهه من ذلك، يقال لمن لقي مكروها: قد اسودّ وجهه غمّا وحزنا وخجلا. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٥٨)؛أي ممتلئ غيظا وغمّا يتردّد حزنه في جوفه.
قوله تعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ؛﴾ أي يختفي من المبشّرين له بذلك ومن جلسائه من كراهة ما بشّر به من الأنثى، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى﴾
[ ٤ / ٦٩ ]
﴿هُونٍ؛﴾ أي أيحفظ المبشّر به على هون ومشقّة، والهون: الهوان، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ أي يدفنه، ﴿فِي التُّرابِ؛﴾ حيّا كما كان في عادة العرب كان إذا ولد لأحدهم أنثى حفر لها حفرة وألقاها فيها ودفنها حتى تموت، وهي الموءودة.
وأما لفظ التذكير في قوله ﴿(أَيُمْسِكُهُ عَلى)﴾ فإنه راجع إلى المبشّر به. قوله تعالى:
﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٥٩)؛أي ألا ساء ما يقضون من اختيار البنين لأنفسهم، وإضافة البنات إلى الله وقتل الموءودة.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ؛﴾ أي لهم صفة السّوء من احتياجهم إلى الولد، وكراهيتهم الإناث خوف العار، ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى؛﴾ أي الصفة العليا وهي الألوهية والربوبيّة لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٠)؛أي الغالب الذي لا يقدر أحد أن يغلبه، الحكيم في أمره وتدبيره.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ؛﴾ أي بعقاب معاصيهم عاجلا، ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها؛﴾ أي على الأرض، ﴿مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ؛﴾ أي يمهلهم، ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي إلى وقت ضربه لامهالهم، ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ ذلك الوقت، ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦١)؛لا يتقدّمون ساعة ولا يتأخّرون.
فإن قيل: كيف قال ﴿(ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ)﴾ مع علمنا أن في الناس من هو غير ظالم، قيل: معناه: (ما ترك عليها من دابّة ظالمة).وقيل: معناه: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم عاجلا لا نقطع النسل؛ لأنه لا أحد إلا وقد كان في آبائه وأجداده من هو ظالم.
فإن قيل: في الآية تعميم الناس والدواب في الهلاك؛ فأيّ شيء يوجب هلاك الدواب؟ قيل: إن الدوابّ إنما خلقها الله لمنافع الناس، فإذا هلكت الناس بمنع المطر عنهم، لم يبق في الأرض دابّة إلا وهلكت، وإذا هلك الناس بوجه من الوجوه لم تبق الدوابّ.
[ ٤ / ٧٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ؛﴾ لأنفسهم. في الآية إعادة ذكر جهل الكفّار أنّهم يجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم وهو البنات، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ؛﴾ مع ذلك، ﴿الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى؛﴾ أي أن لهم الجنّة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ؛﴾ أي حقّا، وقيل: لا بدّ ولا محالة أن لهم النار، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٦٢)؛أي مقدّمون إلى النار، والفارط في اللغة: هو القادم إلى الماء، ومنه قوله ﷺ: [وأنا فرطكم على الحوض] (^١) أي سابقكم.
ومن قرأ «(مفرطون)» بكسر الراء، فهم الذين أفرطوا في الذنوب والمعاصي، ومن قرأ «(مفرّطون)» بالتشديد فهو من التّفريط وهو التقصير (^٢).
قوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ؛﴾ تسلية للنبيّ ﷺ أي كما أرسلناك إلى هؤلاء أرسلنا إلى أمم من قبلك، فزيّن لهم الشيطان أعمالهم في الكفر والتكذيب، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ؛﴾ في الدّنيا يتبعون إغواءه، ويقال: (هو وليّهم يوم القيامة) أي يقال لهم يومئذ: هذا وليّكم، فيكلكم الله يومئذ إلى من لا يملك دفع العذاب عن نفسه، فكيف يدفع عنهم العذاب، ومن كان الشيطان وليّه دخل النار، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣).
قوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ؛﴾ أي لتبيّن لهم الحقّ من الباطل، وأنزلناه، ﴿وَهُدىً،﴾ دلالة، ﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤)؛أي للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛﴾ أي يبسها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٥)؛أدلّة الله، ويتفكّرون فيها.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٢ ص ١٦٨:الحديث (١٦٨٨) عن عبد الملك بن عمير بن جندب ﵁. والإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٣١٣.والبخاري في الصحيح: كتاب الرقاق: باب في الحوض: الحديث (٦٥٨٩).ومسلم في الصحيح: كتاب الفضائل: باب في إثبات حوض نبينا ﷺ: الحديث (٢٢٨٩/ ٢٥).
(٢) في إعراب القرآن: ج ٢ ص ٢٥٣: قال النحاس: (المبالغون المتجاوزون في الشر).وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ١٢١؛ قال القرطبي: (وقرأ أبو جعفر المقرئ: مفرّطون بكسر الراء وتشديدها، أي مضيّعون أمر الله، فهو من التفريط بالواجب).
[ ٤ / ٧١ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا؛﴾ من دون أن يظهر فيه لون الدم ولا رائحة الفرث، ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ (٦٦)؛أي متيسّر الجري في الحلق، لا يغصّ به شاربه. وإنما لم يقل في بطونها؛ لأن الأنعام والنّعيم واحد، فكأنه ردّ الكناية إلى النّعيم. وفي قوله تعالى ﴿(نُسْقِيكُمْ)﴾ قراءتان: فتح النون وضمّها، يقال سقى وأسقى بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا؛﴾ أراد بالسّكر المسكر؛ وهو من العنب الخمر، ومن النّخيل نقيع التّمر إذا غلى واشتدّ، نزلت هذه الآية وهما لهم حلال يومئذ، هكذا قال ابن عبّاس، والرّزق الحسن: ما أحلّ منها مثل الخلّ والزبيب والتّمر.
وسئل بعضهم عن هذه الآية فقال: (السّكر ما حرّم من ثمرها، والرّزق الحسن ما حلّ من ثمرها) (^١).قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦٧)؛دلائل الله.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ؛﴾ أي وألهم ربّك النحل وعرّفها ووفّر عليها ودعاها إلى ما هو مذكور في هذه الآية، وسمّى الإلهام وحيا؛ لأن الوحي هو ظهور المعنى للنّفس على وجه خفيّ، وقد ألهم الله كلّ دابة التماس منافعها واجتناب مضارّها، إلاّ أنّ أمر النحل أعجب؛ لأن فيها من لطيف الصّنعة ما فيه أعظم معتبر، فإنّ الله ألهمها اتخاذ المنازل والمساكن، وأن تأكل من كلّ الثمرات لمنافع بني آدم، وأن لا تقذف ما أكلته بعد ما صار عسلا إلا على حجر صاف أو مكان نظيف لا يخالطه طين ولا تراب.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ؛﴾ فهي تتخذ من الجبال بيوتا إذا لم تكن لأحد، وقوله تعالى: ﴿وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ (٦٨)؛يعني مما يبني
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٣٨٨) بأسانيد عن ابن عباس. وابن أبي حاتم في التفسير: الأثر (١٢٥٥٩).والحاكم في المستدرك: تفسير سورة النحل: الأثر (٣٤٠٦) وقال: حديث صحيح.
[ ٤ / ٧٢ ]
الناس لها من خلاياها ومساكنها، ولولا التسخير وإلهام الله ما كانت تأوي إلى ما يبنى لها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ؛﴾ أي من ألوان الثمر كلّه، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا؛﴾ أي طرق ربك لطلب الرّعي، وقوله تعالى (دللا) يجوز أن يكون من نعت السّبل؛ أي لا يتوعّر عليها مكان سلكته، وهي ترعى الأماكن البعيدة ذات العاص (^١)،قد ذلّل الله لها مسالكها أي سهّلها. وقال ابن عباس: (دللا نعت النّحل؛ أي مطيعة بالتّسخير وإخراج العسل من بطونها).
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ؛﴾ يعني العسل يلقيه النحل أبيض وأصفر وأحمر، يقال: إنه يخرج من شبابها الأبيض، ومن كهولها الأصفر، ومن شيوخها الأحمر. قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ؛﴾ أي في ذلك الشراب شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، كذا قال السديّ (^٢).
وليس إذا كان في الناس من يضره العسل لمعنى في نفسه ما يوجب أن يخرج العسل من كونه شفاء للناس، فإنّ الله جعل الماء حياة لكلّ شيء، وربّما يكون الماء سببا للهلاك، لكن الاعتبار للأعمّ، وقال قتادة: (فيه شفاء للنّاس من الأدواء) (^٣)،وعن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ يحبّ الحلواء والعسل] (^٤)، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦٩).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ؛﴾ أي خلقكم في بطون أمّهاتكم طورا بعد طور حتى أخرجكم وربّاكم إلى أن يقبض أرواحكم عند آجالكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ؛﴾ حتى يعود في كبره وهرمه في نقصان قوّته ونقصان عقله إلى مثل حال الطّفولة.
_________________
(١) هكذا رسمها الناسخ في الأصل المخطوط.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: الأثر (١٢٥٧٤).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٤٢١).
(٤) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الأطعمة: باب الحلوى والعسل: الحديث (٥٤٣١).ومسلم في الصحيح: كتاب الطلاق: باب وجوب الكفارة: الحديث (١٤٧٤/ ٢١) وفيه قصة وروده.
[ ٤ / ٧٣ ]
قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا؛﴾ أي لكي يصير كالصبيّ الذي لا عقل له، وقال السديّ: (أرذل العمر الخرف) (^١)،وقال قتادة: (تسعون سنة) وعن عليّ ﵁: (أنّ أرذل العمر خمس وسبعون سنة) (^٢).قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٧٠)؛أي عليم بكلّ شيء، قادر على تحويل الأحوال.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ؛﴾ أي في المال والخدم والنّعم، وجعل بعضكم سادة وبعضكم مماليك، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا؛﴾ أي فما أرباب الأخدام وفضّلوا، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ؛﴾ أي المماليك، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ،﴾ فيسوّونهم مع أنفسهم في الملك.
فإذا لم ترضوا في الحكمة أن يشرككم مماليككم أيبطلوا فضلكم؟ فكيف يرضى الله من خلقه أن يجعلوا له شريكا في الملك من خلقه، وهذا مثل ضربه الله للمشركين فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك فكيف يجعلون عبادي معي سواء؟
قوله تعالى: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٧١)؛أي أتصفون نعمة الله إلى غيره وتشكرونه عليها فتجحدون نعمة الله، فإنّ من أضاف النعمة إلى غير المنعم وشكر عليها فقد جحد النّعمة.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا؛﴾ أي جعل لكم من جنسكم نساء، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ؛﴾ أي من نسائكم؛ ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً،﴾ قيل: إن الحفدة الأختان، وقيل: ولد الولد، وقيل: الخدم، وحقيقة الحفدة من يعاون على ما يحتاج، سرعة من الحفد والإسراع، ويقال لكلّ من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، ومنه قولهم في دعاء الوتر (نسعى ونحفد) أي نسرع في طاعتك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: الأثر (١٢٥٧٧).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٤٢٥).
[ ٤ / ٧٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛﴾ أي من الملاذّ والحلال، وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؛﴾ أي أفبالأصنام يؤمنون، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (٧٢)؛أي يجحدون بإضافتها إلى غير الله.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا؛﴾ أي ويعبدون الأصنام التي لا تملك لهم رزقا من السّماوات بإنزال الغيث، ولا من الأرض بإنبات النبات شيئا قليلا ولا كثيرا، ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٧٣)؛ أي لا يملكون، وليست لهم استطاعة.
قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ؛﴾ أي لا تجعلوا لله الأشباه؛ لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧٤) أي إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمتي حيث أشركتموني وعجّزتموني أن أبعث خلقي.
قوله تعالى: ﴿*ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛﴾ أي ضرب الله المثل بعبد مملوك لا يقدر على شيء، ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا؛﴾ وهو الحرّ، فهو ينفق منه خفية وعلانية؛ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ؛﴾ في المثل، كما أن الحرّ الذي يملك وينفق سرّا وعلانية، والذي لا يملك شيئا ينفقه، لا يستويان في المثل، كما لا يستوي المنعم الذي جاءت من قبله النعمة، والأصنام الموات التي لا تقدر على النعمة. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي قل الحمد لله الذي أوضح لنا السبيل والطريق، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ؛﴾ الكفار، ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)؛ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ أي وضرب الله المثل برجلين؛ أحدهما أخرس لا يقدر على شيء من الكلام، ويقال:
الأبكم هو الذي ولد أصمّ لا يسمع ولا يفهم ولا يمكنه أن يفهم غيره، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ؛﴾ أي ثقيل على وليّه وصاحبه، ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ؛﴾ لا يهتدي إلى منفعة ولا إلى خير، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ؛﴾ ناطق
[ ٤ / ٧٥ ]
متكلّم آمر بالعدل، تامّ التمييز، ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧٦)؛أي دين مستقيم، وهذا مثل للمؤمن والكافر.
قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٧٧)؛قيل: هذه الآية نزلت جوابا عن سؤال قريش: متى الساعة؟ وهي ظاهرة المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا؛﴾ أي أخرجكم جاهلين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ؛﴾ أي خلق لكم الحواسّ التي بها تعلمون نعمته وقدرته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٨).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ؛﴾ أي ألم يروا إلى الطير مذلّلات في الهواء ما يمسكهنّ حتى يسقطن على الأرض إلا الله ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ أي دلالات على وحدانيّة الله، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧٩).
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا؛﴾ أي بيوت المدر والحجر مواضع تسكنون فيها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا؛﴾ وهي الخيام، ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ،﴾ تخفّ عليكم نقلها وحملها من مكان إلى مكان، يوم سفركم ويوم إقامتكم، ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها؛﴾ وجعل لكم من أصواف الضّأن، وأوبار الإبل، وأشعار الماعز، ﴿أَثاثًا؛﴾ أي متاعا للبيت من الفرش والأكسية والبسط، ﴿وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ (٨٠)؛أي منفعة تنتفعون بها إلى حين آجالكم.
قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا؛﴾ أي أشياء تستظلّون بها مثل الأشجار ونحوها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا؛﴾ وهي الكهوف والغيران يدخلها الناس ليسكنوا فيها من الحرّ والبرد.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ؛﴾ أي جعل لكم سرابيل يعني القميص من القطن والكتّان والصوف يدفع عنكم الحرّ في الصيف
[ ٤ / ٧٦ ]
والبرد في الشتاء. ولم يذكر البرد في الآية؛ لأنه لمّا ذكر الحرّ فقد دلّ به على ما في مقابلته من البرد.
قوله تعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ؛﴾ أراد به الدّروع من الحديد يتّقون بها في الحرب سلاح العدوّ، يعني الطعن والضرب والرمي.
قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ؛﴾ في سائر الأشياء، كما أتمّها عليكم في هذه الأشياء، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٨١)؛لكي تسلموا، قال ابن عبّاس: (معنى قوله تعالى ﴿(لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)﴾ أي لعلّكم يا أهل مكّة تعلمون أنّه لا يقدر على هذا غير الله فتؤمنوا به وتصدّقوا رسوله).وفي قراءة ابن عبّاس «(لعلّكم تسلمون)» (^١) بنصب التاء من الجراحات إذا لبستم الدروع من الحديد، ومن الحرّ والبرد إذا لبستم القميص.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨٢) أي إن أعرضوا عن الإيمان، فإنما عليك يا محمّد البلاغ الظاهر، وهو أن تبلّغ الرسالة، وتبيّن الدلالة، فلما ذكر لهم النبيّ ﷺ هذه النّعم، قالوا: أنعم يا محمّد هذه كلّها من الله؟
ثمّ قالوا: شفاعة آلهتنا، فأنزل الله تعالى قوله:
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ؛﴾ أي يعرفون أنّ هذه النعم كلّها من الله، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها،﴾ بإضافتها إلى الأوثان، ويشكرون الأوثان عليها. قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣)؛ أي كلّهم يكفرون بالله وبنعمته، فذكر الأكثر والمراد به الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا؛﴾ يعني يوم القيامة تشهد الأنبياء على أممهم بما فعلوا من التصديق والتكذيب، وتشهد العدول من كلّ عصر على أهل عصرهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي لا يؤذن لهم بعد شهادة الرّسل في الاعتذار، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٨٤)؛ولا ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يجابون إلى الردّ إلى الدّنيا.
_________________
(١) أخرجها الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٤٨١) بإسنادين.
[ ٤ / ٧٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ؛﴾ أي إذا رأوه بالدخول فيه، فلا نرفعه عنهم في وقت ونشدّد في وقت، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٥)؛ولا يؤجّلون بتأخير العذاب إلى وقت آخر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا؛﴾ أي إذا رأى الذين أشركوا الأصنام مع الله في العبادة، ﴿شُرَكاءَهُمْ،﴾ يعني الأصنام، ﴿قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ؛﴾ الأصنام، ﴿شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ؛﴾ التي أشركناها معك في العبادة، فألقى الأصنام ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٨٦) في أنّا آلهة وفي أنّا أمرناكم بالعبادة،
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ،﴾ واستسلموا كلّهم لأمر الله يومئذ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٨٧).والفائدة في إعادة الأصنام يومئذ: أن يعيّرهم الله بها، وأن يعذّبهم بها في الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٨٨)؛الذين كفروا بالله ورسله، وصدّوا عن سبيل الله بامتناعهم عنه ومنع الناس عنه، زدناهم عذابا فوق العذاب، قال ابن مسعود: (زيدوا عقارب لها أنياب كالنّخل الطّوال)،وقيل: زيدوا حيّات كأمثال الفيلة. وقيل: تجري فوق رءوسهم أنهار من نحاس ذائب إذا وقع على كفّ الرجل اشتعل الجسد منه نارا، فليس فيها عذاب أشدّ منه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛﴾ فيه بيان أنّ كلّ عصر لا يخلو من شهيد على الناس، ﴿وَجِئْنا بِكَ؛﴾ يا محمّد، ﴿شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ؛﴾ يعني قومه. قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ؛﴾ أي القرآن، ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛﴾ من أمور الدّين، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى﴾ وبشارة، ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩).
قوله تعالى: ﴿*إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ؛﴾ يعني بالعدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، ولا يفعل إلا ما هو عدل، ولا يقول إلا ما هو حسن، قال ابن عبّاس: (العدل شهادة أن لا إله إلاّ الله، والإحسان أداء الفرائض) (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الآثار (١٦٤٩٨ و١٦٤٩٩).
[ ٤ / ٧٨ ]
وقيل: العدل هو الإنصاف، ويدخل فيه إنصاف المرء من نفسه لغيره في الحقوق والأمانات، ومن نفسه لنفسه فيما يكون حقّا عليه من شكر نعم الله، وأن لا يعبد غيره، وأن لا يصف الله بما لا يليق به من الصفات.
قوله تعالى: ﴿(وَالْإِحْسانِ)﴾ يدخل في ذلك المتفضّل على الغير، إما بالمال، وإما بالمعاشرة الجميلة من قول أو فعل، أو إكرام أو بحسب. قوله تعالى: ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى؛﴾ أي صلة الأرحام.
قوله تعالى: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛﴾ فالفحشاء:
الزّنى، والمنكر: الشّرك، والبغي: الظّلم والكبر. وقيل: الفحشاء: ما عظم قبحه من قول أو فعل، سرّا كان أو علانية، والمنكر: ما يظهر للناس، فيجب إنكاره، والبغي:
الاستطالة والظلم.
وقيل في معنى الآية: إنّ الله يأمر بالعدل: بالتوحيد، والإحسان: الإخلاص، وقيل: الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه. وقيل: الإحسان العفو عن الناس، وقيل:
العدل: استواء السرّ والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر: تكون علانيته أحسن من سريرته.
روي عن النبيّ ﷺ أنه قرأ على الوليد: ﴿(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)﴾ فقال: يا ابن أخي أعد عليّ، فأعاد عليه فقال: إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمورف وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر (^١).قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠)؛معناه يأمركم بثلاث أن تفعلوهنّ، وينهاكم عن ثلاث؛ لتنتهوا عنهنّ لعلكم تتّعظون بما تؤمرون، وتحترزون عن التقصير.
_________________
(١) حكاه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ١٦٥؛وقال: (وذكر الغزنويّ أن عثمان ابن مضعون هو القارئ).وقصة عثمان بن مضعون أسندها ابن أبي حاتم في التفسير: الرقم (١٢٦٣٣ و١٢٦٣٤) عن ابن عباس ولم يذكر فيها قول الوليد.
[ ٤ / ٧٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ؛﴾ أي أتمّوا العهود التي بينكم وبين الناس إذا حلفتم بالله تعالى، ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ؛﴾ العهود، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها؛﴾ توثيقها باسم، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ؛﴾ قلتم: ﴿اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا؛﴾ شهيدا عليكم بالوفاء، ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٩١)؛من النّقض والوفاء فيجزيكم عليه. وفي الآية دلالة على أنّ الرجل إذا قال: عليّ عهد الله إن فعلت كذا كان يمينا؛ لأنه تعالى ذكر العهد في أوّل الآية، ثم عقّبه بقوله: ﴿(وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا؛﴾ أي لا تكونوا في نقض العهود كالتي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام، وهي امرأة من قريش أمّ أخنس بن شريق تعرف ب (ريطة الحمقاء)،كانت تغزل من الصّوف والشعر والوبر بمغزل عظيم مثل طول الذّراع وصنّارة في رأس المغزل مثل طول الإصبع وفلكةّ عظيمة، فإذا غزلته وأبرمته أمرت جاريتها فنقضته (^١).والأنكاث: جمع نكث، وهو ما تنقّض من غزل الشّعر والقطن ونحوهما، والمعنى: لا تكونوا في نقض الإيمان كهذه المرأة، غزلت غزلا، وأحكمته ثم نقضته فجعلته أنكاثا، والأنكاث: ما يقطع من الخيوط.
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ؛﴾ أي تتّخذون عهودكم دخلا وخديعة وغشا وخيانة بينكم. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ؛﴾ أي لأن تكون جماعة هي أعزّ وأكثر من جماعة، قال مجاهد: (إنّهم كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون الأكثر، فنهاهم الله عن ذلك) (^٢).
_________________
(١) هي ريطة بنت عمرو بن كعب بن تيم بن مرّة. ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ج ٢ ص ٢٣٥. وفي اللباب في علوم الكتاب: ج ١١ ص ١٤٨ - ١٤٩ نقله عن الكلبي ومقاتل. وذكره مختصرا ابن أبي حاتم في التفسير: الرقم (١٢٦٤١ - ١٢٦٤٣) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ١٧١.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٥١٨).
[ ٤ / ٨٠ ]
وحاصل التأويل النهي عن أن تحلف على شيء وهو منطو على خلافه، وأن يغرّ غيره يمينه. قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ؛﴾ أي إنما يخبركم بأمره إياكم بالوفاء بالعهد، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٢)؛ في الدّنيا من الحقّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً؛﴾ أي أهل ملّة واحدة ودين واحد، ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ؛﴾ بتوفيقه فضلا منه، ﴿وَلَتُسْئَلُنَّ،﴾ يوم القيامة، ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)؛من الخير والشرّ.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ؛﴾ أي مكرا وخديعة، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ؛﴾ فتزلّوا عن طاعة الله كما تزلّ قدم الرجل، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ جعل الله زلّة القدم عبارة عن سخط الله، وثبات القدم عبارة عن رضى الله.
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿(فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها)﴾ أي فتهلكوا بعد أن كنتم آمنين، وقال ابن عبّاس: (فتزلّ عن الإيمان بعد المعرفة) (^١).قوله تعالى: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ؛﴾ يعني العذاب، ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛﴾ أي بما منعتم الناس عن دين الله، ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٩٤)؛في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؛﴾ أي لا تختاروا الحلف بالله كذبا عرضا يسيرا من الدّنيا، ولكن أوفوا بها، ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي فإنّ ما عند الله من الثواب في الآخرة على الوفاء هو خير لكم مما عندكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩٥)؛ثواب الله.
_________________
(١) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٠ ص ١٧٣؛ قال القرطبي: (مبالغة في النهي لعظم موقعه في الدين وتردّده في معاشرات الناس؛ أي لا تعقدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزلّ قدم بعد ثبوتها؛ أي عن الإيمان بعد المعرفة بالله. وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شرّ عظيم ويسقط فيه؛ لأن قدم الإنسان إذا زلّت نقلت الإنسان من حال الخير إلى حال الشرّ). وقلت: فالدعوة صريحة إلى حسن النوايا وتحسينها في التعامل وعقد العهود وأخذ المواثيق وإعطائها، ويا ليت كثيرا من الناس يعلمون، لصلح الحال لا محالة.
[ ٤ / ٨١ ]
قوله تعالى: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ؛﴾ أي يفنى ولا يبقى، ﴿وَما عِنْدَ اللهِ؛﴾ من الثواب في الآخرة على الوفاء، ﴿باقٍ،﴾ هو خير لكم مما عندكم يدوم ويبقى.
قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا؛﴾ قرأ ابن كثير وعاصم بالنّون، وقرأ الباقون بالياء، ومعناه: الذين صبروا على الوفاء وعلى الطاعة، ﴿أَجْرَهُمْ؛﴾ بالطاعات، ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٦)؛دون إسرارها، ويعفو عن سيّئاتها.
قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ رجلا من حضرموت يقال له عيدان بن الأشوع (^١) قال: يا رسول الله إنّ الأشعث بن قيس الكنديّ جاورني في أرضي فاقتطعها، فقال ﷺ: [ليشهد لك أحد] قال: إنّ القوم كلّهم يعلمون أنّي صادق، ولكنّه أكرم عليهم منّي، فقال رسول الله ﷺ للأشعث: [ما يقول صاحبك؟] قال: الباطل والكذب يا رسول الله، قال: [أتحلف؟] قال: نعم، فهمّ بالحلف.
فأخبره رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا )﴾ إلى آخر الآيتين. فقرأهما رسول الله ﷺ على الأشعث فقال: أمّا ما عندي فينفد، وأمّا ما بصاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهمّ إنّه صادق في ما قال، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري كم هي، ولكن يأخذ ما شاء من أرضي ومثلها معها بما أكلت من تمرها. فأنزل الله هذه الآية بعد ذلك في الأشعث (^٢):
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛﴾ أي من عمل صالحا فيما بينه وبين ربه وأقرّ بالحقّ وهو مع ذلك مؤمن ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩٧) قيل: المراد بها القناعة بما يؤتى من الرّزق الحلال، كما روي عن وهب بن منبه أنه قال: (الحياة الطّيّبة هي القناعة بما رزق).
_________________
(١) في الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٤ ص ٧٦٠:الترجمة (٦١٤٩).
(٢) في الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٢ ص ٤٧١: ربيعة بن عيدان: الرقم (٢٦١٩)؛قال ابن حجر: (رواه الطبراني من طريق عبد الملك بن عمير عن علقمة بن وائل عن أبيه وذكره) ثم قال: (وأصله في مسلم من حديث علقمة دون تسميتهما. وله طرق).
[ ٤ / ٨٢ ]
وقيل: هي أن يكون صدره منفرجا بما يعتقده من دلائل الله تعالى، وبما يعرفه من وجوب مفارقة المعاصي، فيصير قليل الهمّ في أمور دنياه. وقيل: الحياة الطيّبة الجنة؛ لأنه لم يطب لأحد حياة إلاّ فيها.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) أي إذا أردت قراءة القرآن، ونظيره ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (^٢).
وفائدة الأمر بالاستعاذة قبل القراءة نفي وسواس الشّيطان عند القراءة، وقد أجمعت الفقهاء على أنّ الاستعاذة قبل القراءة إلاّ ما روي عن أبي داود بن عليّ ومالك أنّهم قالوا: (الاستعاذة بعد القراءة) أخذوا بظاهر الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩)؛أي إنّ الشيطان ليس له سلطنة على المؤمن إلا في الوسوسة،
﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ،﴾ على الذين يقبلون دعاءه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ؛﴾ بالله، ﴿مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠)؛فإنّهم جعلوا له سلطانا على أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ؛﴾ أي اذا نسخنا آية أو أتينا مكانها أخرى، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ؛﴾ أي بمصالح العباد، ينزّل في كلّ وقت ما هو الأصلح لهم، ﴿قالُوا؛﴾ أي قالت كفار قريش: ﴿إِنَّما أَنْتَ﴾ يا محمّد، ﴿مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠١)؛كاذب في الناسخ والمنسوخ، مختلق من تلقاء نفسك! وذلك أن المشركين قالوا: إنّك يا محمّد تسحر أصحابك، وتأمرهم اليوم بأمر وتنهاهم عنه غدا! قال الله: ولكنّ أكثرهم لا يعلمون صدق رسول الله ﷺ ولا حقيقة القرآن.
_________________
(١) المائدة ٦/.
(٢) الأنعام ١٥٢/.
[ ٤ / ٨٣ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ؛﴾ أي قل نزّل القرآن جبريل من ربك، ﴿بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا؛﴾ ويقوّيهم لإيمانهم؛ ليزدادوا تصديقا ويقينا، ﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١٠٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ كفّار مكّة كانوا يقولون: إنّ القرآن ليس من عند الله، وإنّما يعلّم النّبيّ بشر، أرادوا بذلك جبرا ويسارا كانا عالمين نصرانيّين، وكان ﷺ يحدّثهما ويعلّمهما، وكانا يقرءان كتابهما بالعربيّة، وكانا قد أسلما) (^١).وقيل: كانوا يعنون بقولهم ﴿(بَشَرٌ)﴾:سلمان الفارسيّ.
قوله تعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ؛﴾ أي لسان الذي يميلون إليه ويزعمون أنّه يعلّمك أعجميّ، ﴿وَهذا؛﴾ القرآن الذي يقرءونه، ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣)؛فكيف يقدر الأعجميّ على تعليم مثله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ؛﴾ إلى ثوابه، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠٤)؛ وجيع في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٠٥)؛معناه: إنما يكذب على الله من لا يؤمن بدلائله، بيّن الله أن الذين نسبوه إلى رسول الله ﷺ من الافتراء هم أحقّ به.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ؛﴾ يجوز أن يكون من كفر رفعا على البدل من (الكاذبين)،ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، وقوله تعالى ﴿(فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ)﴾ خبر له أو خبر لقوله ﴿(وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا)﴾.والمراد بقوله ﴿(إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ)﴾:عمّار بن ياسر.
روي: أنّ المشركين أخذوه في طريق مكّة، فعذبوه حتّى سبّ النّبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلمّا فعل ذلك تركوه، فأتى النّبيّ ﷺ وهو يمسح الدّموع من عينيه،
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٥٥٢ - ١٦٥٥٧).
[ ٤ / ٨٤ ]
فأخبره القصّة، فأنزل الله هذه الآية، فقال له ﷺ: [كيف وجدت قلبك؟] قال:
مطمئنا بالإيمان، فقال ﷺ: [إن عادوا فعد] (^١).
وقوله ﵇: [إن عادوا فعد] على جهة الإباحة والرّخصة دون الإيجاب، فإنّ المكره على الكفر إذا صبر حتى قتل كان أعظم لأجره، والإكراه السماح لإجراء كلمة الكفر على اللّسان، وهو أن يخاف التلف على نفسه، أو على عضو من أعضائه إن لم يفعل ما أمر به.
قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا،﴾ أي فسح صدره للكفر بالقبول وأتى به على الاختيار، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٦) قيل: إنّها نزلت في أبي سرح القرشي رجع إلى الشرك، وباح بالكفر ولحق بمكّة.
قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ؛﴾ أي ذلك العذاب بأنّهم اختاروا الحياة الدّنيا على ثواب الآخرة، ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (١٠٧)؛إلى جنّته وثوابه.
قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٠٨)؛قد تقدّم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ؛﴾ أي حقّا ﴿فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٠٩)؛أي خسروا أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا؛﴾ نزلت في قوم بمكّة بعد هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة، ثم إنّهم هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكة، ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا؛﴾ مع النبيّ ﷺ فصبروا على الجهاد، فوعدهم الله المغفرة لما كان فيهم من التخلّف عن الهجرة.
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٥ ص ١٧٠؛قال السيوطي: (أخرجه عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل).وأخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (١٦٥٦٣).والحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: الحديث (٣٤١٣)،وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
[ ٤ / ٨٥ ]
وذلك أنّهم كانوا مستضعفين بمكّة وكانوا مؤمنين، فعذبهم أهل مكة حتى ارتدّوا عن الإسلام ليسلموا من شرّهم، ثم هاجروا من بعد ما فتنوا؛ أي من بعد ما عذّبوا، ثم جاهدوا مع النبيّ ﷺ وصبروا على الجهاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها؛﴾ تلك الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها من التلفّظ بكلمة الكفر، ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٠)؛وقرأ ابن عامر «(فتنوا)» بفتح الفاء؛ أي فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للفتنة.
قوله تعالى: ﴿*يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها؛﴾ يجوز أن يكون ﴿(يَوْمَ)﴾ منصوبا بنزع الخافض أي في يوم تأتي كلّ نفس، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر يوم تأتي كلّ نفس، وهو يوم القيامة، يجادل فيه كلّ إنسان عن نفسه، ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ؛﴾ برّة أو فاجرة، ﴿ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١١١)،جزاء ما عملت من خير أو شرّ، لا ينقص من ثواب محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء.
واختلفوا في المجادلة المذكورة في الآية، قال بعضهم: هو قول الكفّار: ما كنّا مشركين، وقولهم: ربّنا هؤلاء أضلّونا. ومعنى الآية: إنّ كلّ أحد لا تهمّه إلا نفسه، فهو يخاصم ويحتجّ عن نفسه، لا يتفرّع إلى غيره.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛﴾ يعني مكّة كان أهلها آمنين لا يهاج أهلها ولا يغار عليها، بخلاف قرى سائر العرب، لأن العرب كانت لا تقصد مكّة احتراما لحرم الله، وقوله تعالى: ﴿(مُطْمَئِنَّةً)﴾ أي قارّة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا الانتقال، كما يحتاج إليه سائر العرب.
قوله تعالى: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ؛﴾ أي كان الرزق واسعا على أهل مكّة يحمل إليهم من البرّ والبحر، كما قال تعالى ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١)، ﴿فَكَفَرَتْ؛﴾ فكفر أهل مكّة، ﴿بِأَنْعُمِ اللهِ،﴾ حين كذبوا بمحمّد ﷺ وخالفوه، وكذبوا بالقرآن بعد قيام الحجّة عليهم، ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ،﴾ فعاقبهم الله سبع سنين بالقحط، وخوّفهم من النبيّ ﷺ ومن عساكره وسراياه، ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١١٢)،من تكذيبه.
_________________
(١) القصص ٥٧/.
[ ٤ / ٨٦ ]
روي أنه بلغ بهم من الجوع ما لا غاية بعده حتى أكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب، وكان ذلك بدعاء النبيّ ﷺ: [اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسنيّ يوسف] (^١) فاستجاب الله دعاءه حتى صار أمرهم إلى هذه الحالة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ؛﴾ أراد به محمّدا ﷺ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ؛﴾ الذي تقدّم ذكره من الجوع والخوف، ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١١٣)؛وكانوا ظالمين لأنفسهم.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٥)؛أي كلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله حلالا طيّبا إلى آخر الآيتين، قد تقدّم تفسيرهما في سورة البقرة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ؛﴾ أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم بالحلّ والحرمة، فتحلّوا الميتة، وتحرّموا بعض الزّرع والأنعام، كما تقدّم ذكره في سورة الأنعام. قوله تعالى:
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛﴾ أي لتكذبوا على الله بقولكم إنّ هذا من عند الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (١١٦)؛أي لا يظفرون بالمراد، ولا ينجون يوم القيامة، إنما لهم في الدّنيا
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ؛﴾ ثم يتعقّبهم، ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١١٧).
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أراد به ما بيّنه الله في سورة الأنعام، وقد تقدّم هناك، وفيه بيان أن التحريم الذي كان في اليهود كان من قبل الله، وأنه مخالف للتحريم الذي كان في كفّار مكة. وقوله تعالى: ﴿وَما﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب يهوي بالكبير حين يسجد: الحديث (٨٠٤). ومسلم في الصحيح: كتاب المساجد وموضع الصلاة: باب استحباب القنوت: الحديث (٦٧٥/ ٢٩٥).
[ ٤ / ٨٧ ]
﴿ظَلَمْناهُمْ؛﴾ أي وما ظلمناهم بتحريم ذلك، فإنّ تحريمها كان عقوبة لهم، ولا تكون العقوبة ظلما، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٨)؛بمخالفتهم أمر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٩)؛فيه بيان أنّ من ارتكب المعاصي، وخالف أمر الله، واستعمل الجهالة في ارتكابه، لم يمنعه ذلك من التوبة، فإنه إذا تاب وأصلح في المستقبل، محا الله عنه كلّ السيئات، قال ابن عبّاس: (كلّ سوء يعمله ابن آدم فهو جاهل فيه، وإن كان يعلم أنّ ارتكابه ركوب سيّئة).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا؛﴾ فيه بيان أنّ إبراهيم كان هو القدوة للناس بالخير، وسمّي الإمام ﴿(أُمَّةً)﴾؛لأنه يجمع خصال الخير، ويقال للرجل المنفرد بدين لا يشركه فيه غيره: أمّة، ويقال للعالم: أمّة، والأمّة:
الرجل الجامع للخير.
قوله تعالى: ﴿(قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا)﴾ القانت: هو الدائم على الطاعة، والقنوت: هو الدوام على الطاعة، والقانت: هو المطيع، والحنيف قد تقدّم تفسيره، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠)؛كما ادّعاه كفار قريش، فإنّهم يدّعون أنّهم يتبعون دين إبراهيم.
قوله تعالى: ﴿شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ؛﴾ أي كان إبراهيم شاكرا لنعم الله عليه، وانتصب قوله ﴿(شاكِرًا)﴾ على البدل من قوله ﴿(أُمَّةً قانِتًا)﴾.وقوله: ﴿اِجْتَباهُ؛﴾ أي اصطفاه بالنبوّة واختاره، ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٢١)؛أي إلى دين الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً؛﴾ قال ابن عبّاس: (يعني الذّكر الحسن)،وقال الحسن: (هي النّبوّة)،وقال مجاهد: ﴿(لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ)﴾ (^١) وقال مقاتل: (يعني الصّلاة عليه مقرونة بالصّلاة على محمّد ﷺ، وهو قولهم: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم).قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٢٢)؛أي مع المرسلين في الجنّة.
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (١٦٥٩٤).
[ ٤ / ٨٨ ]
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٢)؛أي أمرناك يا محمّد باتّباع ملّة إبراهيم في مجانبة الكفّار، كما كان إبراهيم يتجنّبهم.
فإن قيل: كيف يجوز أن يوصي الفاضل بمتابعة المفضول، ونبيّنا محمّد ﷺ كان أفضل الأنبياء؟ فكيف أمره الله بمتابعة إبراهيم ﵇؟ قيل: إنّ إبراهيم ﵇ كان قد سبق إلى اتّباع الحقّ، ولا يكون في سبق المفضول إلى اتّباع الحقّ عيب على الفاضل في اتّباعه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٢٤)؛وهم اليهود، وذلك أنّ موسى قال لبني إسرائيل: تفرّغوا إلى الله في كلّ سبعة أيّام يوما واحدا، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من أمور الدّنيا، وستّة أيام لمعايشكم وصنائعكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، وقالوا: لا نبتغي إلاّ اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، يعنون السّبت، فجعل ذلك عليهم فيه، وقالت جماعة منهم: بل أعظم الأيّام يوم الأحد؛ لأنه اليوم الذي بدأ الله فيه بخلق الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم؛ أي تركوا تعظيم يوم الجمعة.
قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛﴾ أي أدع إلى سبيل دين الله ﴿(بِالْحِكْمَةِ)﴾ يعني بالنبوّة، ﴿(وَالْمَوْعِظَةِ)﴾ يعني القرآن، وقيل:
التخويف بالعذاب على جهة إظهار الشّفقة عليهم ليكون ذلك أقرب إلى إجابتهم.
قوله تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛﴾ أي بالرّفق واللّطف، وذكر أحسن ما عنده من الحجج، وأعرض عن أذاهم، ولا تقصّر في أداء الرسالة والدّعاء إلى الحقّ، قيل: إن هذه الآية نسختها آية السّيف. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١٢٥)؛أي هو أعلم بمن يقبل الهدى ومن لا يقبله، فيجزي كلاّ على ما عمل.
و
[ ٤ / ٨٩ ]
إلى حمزة فشقّوا بطنه، وأخذت منه هند بنت عتبة كبده، فجعلت تلوكها ثم تطرحها، وقطعوا مذاكيره وجدعوا أنفه وأدنيه، ومثّلوا به أشدّ المثلة، وكذلك سائر شهداء أحد مثّل بهم المشركون، بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم.
فلما نظر رسول الله ﷺ إلى عمّه حمزة لم ينظر إلى شيء قطّ أوجع إلى قلبه منه، فقال: [رحمة الله عليك، فإنّك كنت فعّالا للخير، وصالا للرّحم، والله لئن أظفرني الله بهم لأقتلنّ بك سبعين منهم، ولأمثّلنّ سبعين منهم] وقال المسلمون: والله لئن أمكننا الله منهم لنمثّلنّ بالأحياء فضلا عن الأموات. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ)﴾ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦)؛ فقال ﷺ: [أصبر ولا أمثّل] وكفّر عن يمينه (^١)،فنزل
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ؛﴾ أي ما صبرك إلاّ بمعونة الله وتوفيقه، ولا تقدر على الصّبر في الحزن الذي لحقك بسبب الشّهداء، إلا أن يسهّل الله عليك.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛﴾ أي لا تحزن على الكفّار إذا امتنعوا من الاستجابة لك. وقيل: لا تحزن على الشّهداء، فإن الله أنزلهم منازلهم في الجنّة، لو رأيتهم في الكرامة التي أكرمهم الله بها لغبطتهم عليها. قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٧)؛أي لا يضيق صدرك من مكرهم، فيكون ذلك شاغلا عن ما كلّفته من الدّعاء إلى سبيل ربك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٢٨)؛أي مع المتّقين المحسنين، وهم المسلمون ينصرهم ويظهرهم على الكفار ويعينهم عليه.
آخر تفسير سورة (النحل) والحمد لله رب العالمين
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في السنن: ج ٤ ص ١١٨:كتاب السير: الحديث (٤٧).
[ ٤ / ٩٠ ]