سورة يس مكيّة، وهي ثلاثة آلاف حرف، وسبعمائة وتسعة وعشرون كلمة، وثلاثة وثمانون آية. قال النّبيّ ﷺ: [لكلّ شيء قلب، وقلب القرآن يس، فمن قرأها كان كمن قرأ القرآن عشر مرّات] (^١).
وقال ﷺ: [وهي تشفع لقارئها وتستغفر لمستمعها، يس تدعى المعمّة] قيل:
يا رسول الله وما المعمّة؟ قال: [تعمّ صاحبها بخير الدّنيا والآخرة، وتدعى الدّافعة والقاضية، تدفع من كلّ سوء، وتقضي له كلّ حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرين حجّة، ومن قرأها كان كمن له ألف مثقال ينفقها في سبيل الله، ومن كتبها وشربها دخل جوفه ألف دواء وألف يقين وألف زلفة وألف رحمة! ونزع من كلّ داء وغلّ] (^٢).
وقال النّبيّ ﷺ: [من قرأ يس يريد بها وجه الله، غفر الله له وأعطي من الآخرة كأنّما قرأ القرآن اثنى عشرة مرّة. وأيّما مريض قرئ عنده سورة يس نزل عليه بعدد كلّ حرف عشر أملاك يقومون بين يديه صفوفا، فيصلّون عليه ويستغفرون له،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الجامع: أبواب فضائل القرآن: الحديث (٢٨٨٧)،وقال: (هذا حديث غريب وفي إسناده هارون أبو محمد، شيخ جهول، وفي الباب عن أبي بكر ولا يصح من قبل إسناده، وإسناده ضعيف).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٥ ص ٣؛ قال القرطبي: (ذكره الثعلبي من حديث عائشة، الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مسندا).وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٣٣؛ قال السيوطي: (وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن حسان بن عطية أن رسول الله ﷺ قال ) وذكره. وقال البيهقي: (تفرّد به محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن رفاع الجندي، وهو منكر).وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان: باب في تعظيم القرآن: الحديث (٢٤٦٥).
[ ٥ / ٢٧١ ]
ويشهدون قبضه وغسله، ويشيّعون جنازته ويصلّون عليه ويشهدوا دفنه، وأيّما مريض قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت أو قريب عنده، لم تقبض روحه حتّى يجيئه رضوان خازن الجنان بشربة من الجنّة، فيشربها فيموت وهو على فراشه وهو ريّان، ويبعث وهو ريّان، ويحاسب وهو ريّان، ويدخل الجنّة وهو ريّان، ويرد (^١) إلى حوض من حياض الأنبياء ﵈].
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يس؛﴾ (١) قال ابن عبّاس: (يريد: يا إنسان) (^٢)،يعني محمّدا ﷺ، وقال أبو العالية: (يا رجل)،وقال سعيد بن جبير: (يا محمّد ﷺ) (^٣)،قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم بإظهار النّون (^٤)،وقرأ عيس بن عمر «(يس)» بالنصب تشبيها بأين وكيف، وقرأ ابن أبي إسحاق «(يس)» بكسر النّون تشبيها بأمس وحذام وقطام، وقرأ هارون الأعور بضمّ النون تشبيها بمنذ وحيث وقطّ، وقرأ الآخرون بإخفاء النّون (^٥).
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)؛أي المحكم من الباطل، وقيل: أحكم بالحلال والحرام والأمر والنهي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)؛وذلك أنّ كفار مكّة قالوا لمحمّد ﷺ: لست مرسلا، فأقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم إنّك مرسل.
قوله تعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)؛يعني دين الإسلام وطريق الأنبياء ﵈ الذين مضوا قبلك.
_________________
(١) في المخطوط كلمة: (ويرد) غير واضحة.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٤١؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق) وذكره. وأخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٢٢٢١ و٢٢٢٢٢).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: الأثر (١٨٠٢٤).
(٣) ذكره أيضا البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٧٥.
(٤) إظهار النون: (يسن)
(٥) ذكر القرطبي أيضا هذه القراءات مختصرة في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٥ ص ٣.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (٥)؛أي هو تنزيل العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه، قال مقاتل: (معناه: هذا القرآن الحكيم تنزيل العزيز الرّحيم) (^١).
وقول ابن عامر وأهل الكوفة ﴿(تَنْزِيلَ)﴾ بالنصب على المصدر، كأنّه قال: ونزّل تنزيلا.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ؛﴾ متّصل بقوله ﴿(إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾؛أي لتنذر قوما لم يأتهم نذير قبلك (^٢)؛لأنّهم كانوا في الفترة وهو معنى قوله: ﴿فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦)؛أي عن حجج التّوحيد وأدلّة البعث، وقيل: ﴿(فَهُمْ غافِلُونَ)﴾ عن أمر الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧)؛أي لقد حقّت كلمة العذاب على أهل مكّة لكثرة كفرهم (^٣) فهم لا يصدّقون، وهذا إخبار عن علم الله فيهم أنّهم لا يؤمنون، فقتلوا يوم بدر على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا؛﴾ أي في أعناقهم وأيمانهم أغلالا، ولم يذكر الأيمان في الآية لأنّ الكلام دليل عليه؛ لأن الغلّة لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، وإنما تغلّ الأيدي إلى الأعناق. وقوله تعالى:
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ؛﴾ كناية عن الأيدي دون الأغلال، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ (٨)؛أي رافعوا رءوسهم، والمقمح: الرافع رأسه الغاضّ بصره.
واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فروي عن ابن عبّاس: (أنّ الآية نزلت في قوم من الكفّار فيهم أبو جهل، تواطئوا على أن يقتلوا النّبيّ ﷺ إذا رأوه يصلّي، وحلف أبو جهل أنّه إذا رآه يصلّي ليدمغنّه بالحجر، فأتوه يوما وهو يصلّي، فجاءه أبو جهل ومعه الحجر، فرفع الحجر ليدمغنّ به النّبيّ ﷺ فيبست يده إلى عنقه
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨١.
(٢) في إعراب القرآن: ج ٣ ص ٢٥٩؛ قال النحاس: (قَوْمًا لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير؛ لأنها نافية) ورجح هذا الوجه الزجاج كما في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٢١٠.
(٣) في المخطوط: (لكثرة بكفرهم).
[ ٥ / ٢٧٣ ]
والتزق الحجر إلى يده، فلمّا رجع إلى أصحابه خلّصوا الحجر، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل من بني مغيرة: أنا أقتله! وأخذ الحجر ودنا من النّبيّ ﷺ، فطمس الله على بصره فلم ير النّبيّ ﷺ وكان يسمع قراءته).
فذلك
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (٩)؛أي جعلنا من بين أيديهم غطاء وسدّا ومن خلفهم كذلك فأغشينا أبصارهم حتى لم يروا.
قال الفرّاء: (معنى أغشينا: ألبسنا أبصارهم غشوة أي عمى) (^١)،وعن ابن خثيم قال: (سمعت عكرمة يقرأ «(فأعشيناهم)» بالعين المهملة) (^٢)،وروي ذلك عن ابن عبّاس أيضا (^٣)،وقال الحسن: (هذا على طريق المثل) وذلك أنّ الله تعالى لمّا حال بينهم وبين من أرادوا من النّبيّ ﷺ كانوا كمن غلّت يده إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطها إلى شيء وهو طافح رأسه لا يبصر موضع قدمه، قد سدّ عليه طريقه في الذهاب والرّجوع.
قوله تعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)؛ أي من أضلّه الله هذا الضلال لم ينفعه الإنذار،
﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛﴾ معناه: إنما ينفع الإنذار من اتّبع القرآن، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ؛﴾ أي وخاف من الله بحيث لا يراه، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ؛﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (١١)؛ وثواب حسن في الجنّة.
_________________
(١) قاله الفراء في معاني القرآن: ج ٣ ص ٣٧٣.
(٢) ذكره الثعلبي عن عكرمة بإسناد آخر، كما في الكشف والبيان: ج ٨ ص ١٢٢.وفي المخطوط: (خضيمة) والصحيح هو ابن خثيم، عبد الله بن خثيم القارئ المكي. ينظر: لسان الميزان: ج ٧ ص ٤٩٣:الرقم (٥٧٤٧).وتهذيب التهذيب: ج ٤ ص ٣٩٣:الرقم (٣٥٥٦).
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان معلقا، وفي الجامع لأحكام القرآن: ج ١٥ ص ١٠؛ قال القرطبي: (وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر (فأعشيناهم) بالعين غير المعجمة من العشاء، وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل).
[ ٥ / ٢٧٤ ]
قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا؛﴾ أي ما أسلفوا من الخير والشرّ، وقوله تعالى: ﴿وَآثارَهُمْ؛﴾ أي خطاهم، فإنّ كلّ خطوة في الطاعة طاعة، وكلّ خطوة في المعصية معصية. وقيل: معنى ﴿(وَآثارَهُمْ)﴾ أي ما استنّ به من بعدهم، قال النّبيّ ﷺ: [من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة] (^١).
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢)؛أي وكلّ شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ. وقيل: أراد بالإمام المبين: الصحائف التي يكتبها الملائكة، وسمي الإمام مبينا لأنه لا يندرس أثر مكتوبه.
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا؛﴾ أي مثل لأهل مكّة مثل، ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ؛﴾ يعني أنطاكيّة؛ ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٣)،رسل الله تعالى،
﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤).
وذلك أنّ عيسى ﵇ أرسل إلى أهل أنطاكيّة رسولين من الحواريّين ليدعوهم إلى عبادة الله تعالى. وإنّما أضيف الإرسال في الآية إلى الله تعالى لأنّ إرساله كان بأمر الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١٩)
والقصّة: أنّ عيسى ﵇ لمّا بعث الرسولين إلى أنطاكيّة وقربا من المدينة، وجدا شيخا كبيرا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجّار فسلّما عليه، فقال لهما: من
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٢ ص ٣٣٠:الحديث (٢٣٧٢ - ٢٣٧٥).والإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٣٥٧ و٣٥٨ و٣٥٩.ومسلم في الصحيح: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة: الحديث (١٠١٧/ ٦٩).
[ ٥ / ٢٧٥ ]
أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوكم إلى عبادة الله تعالى، قال: هل معكما آية؟ قالا: نعم؛ نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى. فقال الشيخ: إنّ لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين، قالا: فانطلق بنا إليه.
فانطلق بهما إليه، فمسحا ابنه فقام من ساعته صحيحا بإذن الله تعالى. ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى، وآمن حبيب النجّار، وجعل يعبد الله تعالى في غار جبل في أبعد أطراف المدينة.
فسمع الملك بخبر هذين الرّسولين، وكان يعبد الأصنام، فدعا لهما فأتياه، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوك إلى عبادة الله تعالى، قال: وما آيتكما؟ فقالا: نبرئ الأكمه والأبرص، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا، وجلد كلّ واحد منهما مائة جلدة.
فلمّا كذّب الرسولان، بعث عيسى رسولا ثالثا يقال له: شمعون المصفّي على إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكّرا، وجعل يعاشر حاشيته حتى أفشوا به، فرفع خبره الى الملك فدعاه فأكرمه وأنس به. فقال له ذات يوم: أيّها الملك؛ بلغني أنّك حبست رجلين في السّجن وضربتهما حين دعياك الى دين غير دينك، فهل كلّمتهما وسمعت قولهما؟ قال: لا، قال: فإن رأى الملك أن يدعوهما ويسمع قولهما حتى يطّلع على ما عندهما.
فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كلّ شيء وليس له شريك. فقال لهما شمعون: صفاه وأوجزا، فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه.
فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين، موضع العينين كلّ لجهة، فما زالا يدعوان الله حتى انشقّ موضع البصر، ثم أخذا بندوقتين فوضعتا في الحدقتين، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك من ذلك.
فقال شمعون للملك: إن سألت إلهك أن يصنع مثل هذا، فصنعه كان لك ولآلهتك الشرف. فقال الملك: ليس لي عنك سرّ أسرّه إليك: إنّ إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع.
[ ٥ / ٢٧٦ ]
ثم قال للمرسولين: إنّ هنا ميّتا مات منذ سبعة أيّام، فلم أدفنه وأخّرته حتى يرجع أبوه، وكان أبوه غائبا، فإن قدر إلهكما على إحيائه آمنت به. قالا: إنّ إلهنا قادر على كلّ شيء، ثم جعلا يدعوان الله علانية، وجعل شمعون يدعو ربّه سرّا، فقام الميّت حيّا بإذن الله تعالى، وقد تغيّر وانتنّ وهو يقول: أيّها الملك إنّي متّ منذ سبعة أيّام، ووجدت مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأنا أحذّركم ما أنتم عليه، فآمنوا بالله واتّبعوا هؤلاء الثلاثة.
فقال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار الى الرّسولين. فتعجّب الملك من ذلك، وأجمع هو وقومه على قتل الرّسل. فبلغ ذلك حبيبا النجّار وهو على باب المدينة الأقصى (^١).
وقيل: إنّ الملك قال لهم: إنّكم توافقتم على هذا الكلام، ثم أمر بهم فأخذوا ونتفت حواجبهم وشعور أعينهم، وطيف بهم، فلمّا سمع حبيب النجّار ذلك أقبل من أبعد أطراف المدينة يسعى؛ أي يعدو لينصر الرسل ويذكرهم ويدعو إلى طاعة المرسلين، وذلك:
قوله تعالى: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٠)؛وقال حبيب للرّسل: أتريدون أجرا على ما جئتم به؟ قالوا: لا، فقال لقومه:
﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢١)؛ أي مصيبون في مقالتهم، فقالوا له: صبوت إليهم يا حبيب ودخلت في دينهم؟ فقال:
﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي؛﴾ أي أيّ شيء لي إذا لم أعبد خالقي، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٢)،أي إليه ترجعون عند البعث فيجزيكم بكفركم.
ثم إنّ أهل المدينة قالوا: ليس الرّسل بأولى بالنبوّة منا فيما تقولون، قالوا: ربّنا يعلم إنّا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين، أي ليس علينا إلاّ التبليغ البيّن.
_________________
(١) القصة أخرجها البغوي أيضا كاملة في تفسيره: ص ١٠٧٦ - ١٠٧٧.
[ ٥ / ٢٧٧ ]
فقال القوم للرسل: إنا تطيّرنا بكم، أي تشاءمنا منكم، وقد كان حبس عنهم المطر، فقالوا ما أصابنا هذا الشر إلاّ من قبلكم ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي لئن لم تنتهوا من مقالتكم هذه لنقتلنّكم رجما وليمسّنكم منا عذاب، يعنون القتل والضرب.
فقالت لهم الرسل: ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي شؤمكم معكم وهو كفركم بالله تعالى. قوله تعالى: ﴿(أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ)﴾ معناه لئن وعظتم بمواعظ الله تشاءمتم بنا بما لا يوجب التشاؤم ولكن أنتم قوم مسرفون، متجاوزون عن الحدّ في الذنب والمعصية.
قوله تعالى: ﴿(وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى)﴾ يعني حبيبا النجّار ﴿(قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)﴾ أي من لا يسألكم أموالكم على ما جاءكم به من الهدى، فقالوا له: أتبعتهم أنت يا حبيب؟ قال: نعم ﴿(وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)﴾ في الآخرة.
ثم أنكر عليهم اتخاذ الأصنام وعبادتها، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً،﴾ كما اتّخذتم، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ،﴾ في جسدي أو في معيشتي، ﴿لا تُغْنِ عَنِّي،﴾ لا تنفع عنّي، ﴿شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا،﴾ يعني لا شفاعة لها، ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣)؛أي ولا يخلّصون من ذلك المكروه ولا من عذاب الله،
قوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)،إن عبدت غير الله كنت إذا في الخاطئين،
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢٥)؛مقالتي.
وقيل: إنّ قوله ﴿(إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ)﴾ خطاب المرسل، قال لهم اسمعوا كلامي لتشهدوا لي به في الآخرة، فلمّا قال هذا وثب عليه قومه وثبة رجل واحد فقتلوه، قال ابن مسعود: (ووطؤه بأرجلهم حتّى خرجت أمعاؤه من دبره، فأدخله الله الجنّة فهو حيّ فيها يرزق) (^١)،وذلك
قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛﴾ فلما دخلها، ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢٧)؛
_________________
(١) ذكره الثعلبي أيضا في الكشف والبيان: ج ٨ ص ١٢٦ بلفظ: (حتى خرج قصبه-أي أمعاؤه- من دبره).والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٥ ص ١٩.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
تمنّى أن يعلموا أنّ الله غفر له ليرغبوا في دين الرّسل، والمعنى: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي وإكرامه إيّاي بإدخاله لي الجنّة.
قوله تعالى: ﴿*وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ (٢٨)؛وذلك أنّهم لمّا قتلوه وغضب الله عليهم وعجّل لهم العذاب، ومعنى الآية: وما أنزلنا على قوم حبيب بإهلاكهم من جند من السّماء يعني الملائكة؛ أي لم تنتصر منهم بجند من السّماء، ﴿(وَما كُنّا مُنْزِلِينَ)﴾ ولا كنّا ننزّل ذلك بمن قبلهم من الأمم إذا أهلكناهم.
ثم بيّن الله تعالى كيف كانت عقوبتهم وعذابهم فقال تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ (٢٩)؛أي ميّتون لا يتحرّك منهم أحد. قال المفسّرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة، فتطايرت قلوبهم فإذا هم ميّتون، ولم يسمع لهم حسّ، كالنار إذا طفئت.
قوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠)؛قال مقاتل: (يا ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرّسل في الدّنيا) (^١).والحسرة: أن يركب الإنسان من شدّة اللّوم ما لا نهاية بعده حتى يبقى قلبه حسيرا، والعرب إذا دعت نكرة موصولة بشيء آثرت النصب، تقول: يا رجلا كريما أقبل (^٢).ثم بيّن الله تعالى سبب الحسرة فقال: ﴿(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٣١)؛معناه: ألم ير أهل مكّة كم أهلكنا قبلهم من الأمم الماضية فخافوا أن يعجّل لهم في الدّنيا مثل ما عجّل لغيرهم وهم يعلمون أنّهم لا يعادون إلى الدّنيا أبدا.
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨٥.
(٢) ينظر: معاني القرآن للفراء: ج ٢ ص ٣٧٥.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٣٢)؛أي وما كلّ منهم إلاّ لدينا محضرون في أرض المحشر للحساب والجزاء، هذا على قراءة من قرأ «(لمّا جميعا)» بالتشديد، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن (ما) صلة مؤكّدة، فإن ﴿(إِنْ)﴾ للإثبات كأنه قال: وإن كلّ لجميع لدينا محضرون (^١).
ثم وعظ الله كفار مكّة ليعتبروا فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها؛﴾ أي وعلامة لهم تدلّهم على التوحيد والبعث، الأرض الميتة اليابسة التي لا نبات فيها ولا شجر ﴿(أَحْيَيْناها)﴾ بإخراج الأشجار والزّروع، ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (٣٣)،ما يقتات من الحبوب جمع الحب،
﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ؛﴾ أي في الأرض بساتين، ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ (٣٤)؛أي من عيون الماء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ؛﴾ أي من ثمر النخيل والأعناب على اختلاف طعومها وألوانها، فيستدلّوا بذلك على قدرة الله تعالى. قرأ الأعمش «(ثمره)» بضمّ الثاء وسكون الميم، وقرأ طلحة ويحيى وحمزة والكسائي وخلف «(ثمره)» بضمّ الثاء والميم، وقرأ الباقون بفتحهما (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ؛﴾ أي وما عملت أيديهم شيئا مما ذكرناه، وإنما هو من فعلنا، ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٥)؛نعم الله، ويجوز أن يكون معناه: ليأكلوا من ثمره ومن ثمر ما عملت أيديهم، يعني الغروس والحرث.
قرأ أهل الكوفة «(وما عملت)» بغير هاء، ويجوز في ﴿(ما)﴾ ثلاثة أوجه: النفي بمعنى ولم تعمل أيديهم؛ أي وجدوها معمولة فلا صنع لهم فيها، وهذا قول الضّحاك ومقاتل (^٣).والثاني: أن يكون بمعنى المصدر؛ أي ومن عمل أيديهم. والثالث: بمعنى
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء: ج ٢ ص ٣٧٥.وإعراب القرآن للنحاس: ج ٣ ص ٢٦٥.
(٢) ينظر: إعراب القرآن للنحاس: ج ٣ ص ٢٦٦.
(٣) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨٦.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
(الّذي) أي ومن الذي عملت أيديهم من الغرس والحرث. ومن قرأ ﴿(عَمِلَتْهُ)﴾ بالهاء، فالهاء عائدة على ﴿(ما)﴾ التي بمعنى الذي.
قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)؛أي سبحان الذي خلق الأصناف كلّها من أجناس الفواكه والحبوب، وأصناف ما تنبت الأرض من الحلو والحامض والأبيض والأحمر وغير ذلك من الطّعوم والألوان. وقوله تعالى: ﴿(وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ)﴾ أي وخلق من أنفسهم الذّكران والإناث. وقوله تعالى: ﴿(وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ)﴾ أي وخلق في البرّ والبحر وأجواف السّماوات والأرض من جميع الأنواع والأشياء.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧)؛ أي وعلامة لهم أخرى تدلّ على قدرتنا، الليل المظلم ينزع منه النهار فإذا هم داخلون في الظّلام، وذلك أنّ الأصل هو الظّلمة، والنهار داخل عليها لأنّ الله خلق الدّنيا مظلمة، فإذا طلعت الشمس صارت الدّنيا مضيئة تشبه ضوء النهار باللّباس، فإذا ذهب الضوء بغروب الشمس كان ذهاب ذلك بمنزلة سلخ جلد الشّاة عن الشاة، وسلخ الثوب الرجل عن الرجل، والمعنى: إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أن كشفها فأزيل فتظهر الظّلمة.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها؛﴾ معناه: وآية لهم ﴿(الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)﴾ أي إلى مستقرّ لها وهو آخر مدّة الدنيا ثم تجري بعدها، ويقال: مستقرّها منازلها إذا انتهت الى أقصى منازلها التي لا تجاوزها في الصيف رجعت، ويقال: سمعت منازلها مستقرّها، كما يقال في منزل الرجل: هو مستقرّه، وإن تصرّف فيه وتحرّك.
وعن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى ﴿(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها)﴾ قال: [مستقرّها تحت العرش] (^١).قوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾
_________________
(١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب بدء الخلق: الحديث (٣١٩٩).ومسلم في الصحيح: كتاب الإيمان: الحديث (١٢٩/ ٢٥٠).
[ ٥ / ٢٨١ ]
﴿الْعَلِيمِ﴾ (٣٨)؛أي ذلك الذي سبق ذكره تقدير العزيز في ملكه، العليم الذي لا يخفى عليه شيء. وفي قراءة ابن عبّاس: «(تجري لا مستقرّ لها)» أي لا قرار لها فهي جارية أبدا ما دامت الدّنيا.
قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ؛﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب «(والقمر)» بالرفع عطفا على قوله ﴿(وَالشَّمْسُ تَجْرِي)﴾،وقيل: على الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى وقدّرناه القمر وقدّرنا منازل، كما تقول: زيدا ضربته.
والمعنى: قدّرنا له منازل ينزل في كلّ ليلة منزلة، وجملة منازل ثمانية وعشرون، فإذا صار إلى آخر منزله وهي ليلة ثمان وعشرين، ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣٩)؛وهو عذق النخلة الذي فيه الشّماريخ إذا يبس، ولأن العذق إذا مضت عليه الأيام جفّ وتقوّس ويبس ودقّ واصفرّ وصار شبه الأشياء بالقمر في أوّل الشهر وآخره، لا يقدر على ذلك إلاّ الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ؛﴾ يعني أنّ الشمس أبطأ مسيرا من القمر فلا تدركه، وذلك أنّ الشمس تقطع منازلها في سنة، والقمر يقطع منازله في شهر، وهما مسخّران مقهوران على ما ذكرهما الله تعالى.
ويقال معنى قوله: ﴿(لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)﴾ أي لا يدخل النّهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، كلاهما يسيران دائبين، ولكلّ حدّ لا يعدوه ولا يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك، فإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ؛﴾ أي لا تتأخّر الشمس عن مجراها، فتسبق ظلمة الليل في وقت النّهار.
قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤٠)؛أي كلّ من الشمس والقمر والنّجوم الغاربة والطّالعة في فلك يسيرون ويجرون بالأبساط. والفلك: هو مواضع النجوم من الهواء؛ أي الذي يجري فيه، سمّي بهذا الاسم لأنه يدور بالنجوم، ومنه فلكة المغزل لأنّها تدور بالمغزل.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٤١)؛ معناه: وآية لهم أخرى يعني أهل مكّة تدلّهم على توحيد الله تعالى: أنّا حملنا ذرّيتهم في السّفينة المملوءة، وهي سفينة نوح ﵇، وذرّيّته في كلام العرب: الآباء والأبناء والأجداد.
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (٤٢)؛أي وخلقنا لهم مثل سفينة نوح ﵇ ما يركبون فيه على البحر، يعني السّفن التي عملت بعد سفينة نوح ﵇ على هيأتها وصورتها.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ؛﴾ أي أنّ الله ﷾ ذكر تفضّله أنّه يحفظهم، ولو شاء أغرقهم فلم يغنهم أحد ولم ينقذهم من الغرق، ومعنى قوله تعالى: ﴿(فَلا صَرِيخَ لَهُمْ)﴾ أي فلا مغيث لهم، ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (٤٣)؛من المكروه والغرق.
والصّريخ: بمعنى الصّارخ لهم بالاستغاثة. وقيل: الصّريخ المعين على الصّراخ، كأنه قال: فلا معين لهم ﴿(وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ)﴾ أي ولا هم يخلّصون من الغرق،
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ (٤٤)،إلاّ أن تداركهم رحمة الله فتنقذهم إلى حين آجالهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ؛﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتّقوا ما بين أيديكم من أمر الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر الدّنيا، فاحذروهم ولا تغترّوا بها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤٥)؛أي لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى، وجواب ﴿(إِذا)﴾ محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا.
قوله تعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ؛﴾ من عبرة ودلالة تدلّ على صدق النبيّ ﷺ ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ؛﴾ قال مقاتل: (وذلك أنّ المؤمنين قالوا لكفّار قريش: أنفقوا على الفقراء والمساكين ما زعمتم من أموالكم أنّه لله، وهو ما
[ ٥ / ٢٨٣ ]
جعلوه من حروثهم وأنعامهم لله، فقال الكفّار: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ورزقه) (^١).
قال الحسن: (كان أهل الجاهليّة أهل إجبار، فقالوا: لم يشأ الله أن نطعمه، ولو شاء الله لأطعمناه).ويقال لهم: ظنّوا بجهلهم أنه تعالى إذا كان قادرا على أن يطعمهم فيغنيهم عن إنفاق الناس، وهذا القول منهم خطأ؛ لأنّ الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ليبلي الغنيّ بالفقير فيما فرض له في ماله من الزّكاة، والمؤمن لا يعترض على المشيئة، وإنما يوافق الأمر. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٧)؛هذا من قول الكفّار للمؤمنين، يقولون لهم: إن أنتم في اتّباعكم محمّدا ﷺ وترك ديننا إلاّ في خطأ بيّن.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)؛أي يقول كفار مكّة: متى هذا الوعد الذي تعدنا يا محمّد ﷺ من القيام إن كنتم صادقين أنت وأصحابك أنّا نبعث بعد الموت فأروني ذلك.
يقول الله تعالى: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (٤٩) قال ابن عبّاس: (يعني النّفخة الّتي تفجرهم وهم يخصّمون في أمر الدّنيا وفي مصرفاتهم)،والمعنى: تأخذهم الصيحة وهم يختصمون في البيع والشّراء ويتكلّمون في الأسواق والمجالس، وهي نفخة إسرافيل.
قيل: قرأ ابن كثير وورش «(يخصّمون)» بفتح الخاء وتشديد الصاد، وقرأ نافع غير ورش ساكنة الخاء مشدّدة الصاد، وقرأ أبو عمرو بالإخفاء، وقرأ حمزة ساكنة الخاء مخفّفة؛ أي فغلب بعضهم بعضا بالخصام، وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد، ولأن الأصل يختصمون فألقيت حركة ألف المدغم على الساكن الذي قبله وهو الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد (^٢).
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨٨.
(٢) ينظر: إعراب القرآن للنحاس: ج ٣ ص ٢٦٨.والحجة للقراء السبعة: ج ٣ ص ٣٠٨.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً؛﴾ أي فلا يستطيع أحد أن يوصي في شيء من أمره، ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٠)؛أي ولا يلبث أحد أن يصير إلى منزله وأهله؛ لأنّها تأخذهم بغتة فيموتون في مكانهم وفي أسواقهم.
قال النبيّ ﷺ: [والّذي نفسي بيده لتقومنّ السّاعة وقد نشر الرّجلان ثوبا جديدا يريد أحدهما أن يدفعه إلى صاحبه فيحول قيام السّاعة بينه وبين تسليمه إلى صاحبه، والّذي نفسي بيده لتقومنّ السّاعة وقد أهوى الرّجل بلقمة ليضعها في فيه فيحول قيام السّاعة بينه وبين وصولها إلى فيه] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٥١)؛أي ونفخ في الصور نفخة البعث، فإذا هم من القبور الى عرصات القيامة يخرجون مسرعين، والنّسلان مقاربة الخطو مع الإسراع، ومنه نسلان الذّئب وهو هرولته وخببه، والأجداث هو القبور.
وقوله تعالى: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؛﴾ قال المفسّرون: إنّما يقولون هذا؛ لأنّ الله يرفع عنهم العذاب فيما بين النّفختين فيرقدون، فلما بعثوا في النفخة الآخرة وعاينوا القيامة ودعوا بالويل والثّبور، فقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ فيقول الملائكة: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٢)؛ على ألسنة الرّسل أنه يبعثكم بعد الموت في موعد البعث.
وقال قتادة: (أوّل الآية للكافرين وآخرها للمؤمنين، فقال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرّحمن وصدق المرسلون) (^٢).ويجوز أن يكون قوله هذا من نعت المرقد، كأنّهم يقولون: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنّا راقدين فيه؟ فيقال لهم: ما وعد الرحمن الذي بعثكم. ويجوز أن يكون ما وعد
_________________
(١) رواه البخاري في الصحيح: كتاب الرقائق: الحديث (٦٥٦٠).ومسلم في الصحيح: كتاب الفتن وأشراط الساعة: الحديث (٢٩٥٤/ ١٤٠).
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٢٣٤٧).
[ ٥ / ٢٨٥ ]
الرحمن على هذا القول خبر مبتدأ محذوف تقديره: حقّ ما وعد الرحمن، وهذا ما وعد الرحمن.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٥٣)؛هذا في النفخة الثانية؛ أي ما كانت نفخة البعث إلاّ صيحة واحدة لا تثنّى، فإذا هم الأوّلون والآخرون في عرصات القيامة محضرون، فإهلاكهم كان صيحة واحدة، وبعث الخلائق كلّهم كان صيحة واحدة.
قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا؛﴾ أي لا ينقص من حسنات أحد ولا يزاد على سيّئات أحد، ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٤)،ولا يجزى كلّ عامل إلاّ ما عمل من خير أو شرّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ (٥٥)؛معناه:
إن أصحاب الجنّة في الآخرة في شغل فاكهون. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بجزم الغين، وقرأ الباقون ﴿(فِي شُغُلٍ)﴾ بضمّ الغين، وهما لغتان مثل: السّحت والسّحت (^١).
واختلف المفسّرون في شغلهم، قال مقاتل: (شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النّار فلا يذكرونهم ولا يهتمّون بهم) (^٢).وقال الحسن: (شغلوا بما في الجنّة من النّعم عن ما فيه أهل النّار من العذاب) (^٣).
وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ: [إنّ أهل الجنّة كلّما جامعوا نساءهم عدن أبكارا] (^٤).قوله تعالى: ﴿(فاكِهُونَ)﴾ أي أصحاب فاكهة، كما يقال: شاحم لاحم (^٥)؛أي ذو شحم ولحم، وعاسل ذو عسل، وقرأ أبو جعفر
_________________
(١) ينظر: إعراب القرآن للنحاس: ج ٣ ص ٢٧١.
(٢) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨٩.
(٣) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٢٣٥٣).
(٤) في مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٤١٧؛قال الهيثمي: (رواه البزار والطبراني في الصغير، وفيه معلى ابن عبد الرحمن الواسطي، وهو كذاب).
(٥) في المخطوط تحريف: (شاخ لاخ).
[ ٥ / ٢٨٦ ]
«(فكهون)» بغير ألف، والفكه: الفرح الضّحوك، الطيّب النفس، ويقال: فاكه وفكه كحاذر وحذر.
قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ؛﴾ أي هم وحلائلهم في ظلال أشجار الجنّة، ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (٥٦)،على السّرر في الحجال جالسون بالاتّكاء جلسة الملوك. والأرائك: هي السّرر عليها الحجال،
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ؛﴾ أي لهم في الجنّة ألوان الفواكه، ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ (٥٧)؛أي ولهم ما يتمنّون ويسألون، وقال مقاتل: (معناه: ولهم ما يريدون) (^١).وقيل: معناه: من ادّعى شيئا فهو له يحكم الله ﷿ لأنّهم ما يدّعون إلاّ ما يحسن.
وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥٨)؛أي لهم سلام يسمعونه من الله، ويعلمهم بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة والكرامة. ويقال:
تحيّيهم الملائكة عن الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢).
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: [بينما أهل الجنّة في نعيمهم إذا سطع لهم نور، فيرفعوا رءوسهم، فإذا الرّبّ ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السّلام عليكم يا أهل الجنّة، فذلك قوله تعالى: ﴿(سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)﴾ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتوا إلى شيء من النّعيم ما داموا ينظرون إليه حتّى يحجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم] (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٩)؛عناه: تفرّقوا، وقال السديّ: معناه: (كونوا على حدة) (^٤)،ومقاتل: (معناه: اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٨٩.
(٢) الرعد ٢٣/-٢٤.
(٣) رواه ابن ماجة في السنن: المقدمة: الحديث (١٨٤).
(٤) ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص ١٠٨٣.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
من الصّالحين) (^١).وقال الزجّاج: (معناه: تفرّدوا عن المؤمنين) (^٢).ومعنى الآية: أنه يقال للمجرمين: تميّزوا عن المؤمنين، وذلك أنّ الخلق كلّهم يحشرون مختلطين.
قوله تعالى: ﴿*أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ؛﴾ أي ألم آمركم وأوص إليكم، وقال الزجّاج: (معناه: ألم أقدم لكم على ألسنة الرّسل يا بني آدم أن لا تعبدوا الشّيطان، أي لا تطيعوا الشّيطان، ومن أطاع شيئا فقد عبده) (^٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٠)؛أي عدوّ ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنّة،
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي؛﴾ أي أطيعوني ووحّدوني، ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١)؛أي طريق مستقيم قائم، يعني دين الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا؛﴾ أي ولقد أضلّ الشيطان منكم أمما كثيرة، وقيل: خلقا كثيرا.
قرأ عليّ ﵁ «(جبلا كثيرا)» بسكون الباء مخفّفا، وقرأ عاصم ونافع وأيوب:
«(جبلا)» بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وقرأ يعقوب بضمّ الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: «(جبلا)» بضمّ الجيم وسكون الباء مخفّفا، وقرأ الباقون بضمّ الجيم والباء وتخفيف اللام، وكلّها لغات، ومعناها الخلق والجماعة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٢)؛أي أفلم تعقلوا ما رأيتم من الأمم إذ أطاعوا إبليس وعصوا الرّسول فأهلكوا.
قوله تعالى: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٦٣)؛أي يقال لهم حين دنوا من النار: ﴿(هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)﴾ بها في الدّنيا. قوله تعالى:
_________________
(١) قاله مقاتل في التفسير: ج ٣ ص ٩٠.
(٢) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٢٢٠،ولفظه: (انفردوا).
(٣) في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٢٢٠؛قال الزجاج: (ومعناه: ألم أتقدم إليكم بعهد الإيمان وترك عبادة الشيطان).
[ ٥ / ٢٨٨ ]
﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٦٤)؛أي الزموها اليوم بكفركم، وقاسوا حرّها، وقوله تعالى ﴿(الْيَوْمَ)﴾ يعني يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ؛﴾ وذلك أنّهم ينكرون الشّرك فيقولون: والله ربنا ما كنّا مشركين، فيختم الله على أفواههم، ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ؛﴾ وتكلّمت جوارحهم فشهدت عليهم بما عملوا، وقوله تعالى: ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦٥)؛قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أوّل عظم ينطق من الإنسان فخذه من رجله الشّمال] (^١).وروي عن النبيّ ﷺ قال: [أوّل ما تكلّم من الإنسان فخذه وكفّه] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ؛﴾ أي ولو نشاء ذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شقّا ولا جفنا، والمعنى: ولو نشاء لأعميناهم في أسواقهم ومجالسهم بتكذيبهم إيّاك يا محمّد كما فعلنا بقوم لوط حين راودوه عن ضيفه. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ؛﴾ فغلبوا السّبق وتبادروا إلى الطريق إلى منازلهم، ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ (٦٦)؛لو فعلنا ذلك بهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ؛﴾ أي في منازلهم فصيّرناهم قردة وخنازير وحجارة ليس فيها روح، ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧)؛أي لا يقدرون على ذهاب ومجيء، والمسخ في اللغة نهاية التبديل.
قوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ؛﴾ أي ومن نطوّل عمره في الدّنيا نرده إلى الحالة الأولى من الضّعف، قال الزجّاج: (معناه: من أطلنا عمره نكّسنا خلقه،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ١٥١.وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣١٩٨. وفي مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٣٥١؛قال الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني وإسنادهما جيد).
(٢) رواه الطبراني في كتاب الأوائل: ص ٧٩.والإمام أحمد في المسند: ج ٥ ص ٣.وفي مجمع الزوائد: ج ١٠ ص ٣٥١؛قال الهيثمي: (رجاله ثقات).وفي المخطوط تحريف، قال: [وكتفه] والصحيح ما أثبتناه.
[ ٥ / ٢٨٩ ]
فصار بدل القوّة ضعفا، وبدل الشّباب هرما) (^١) ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨)؛أن القادر على ردّ البشر من حالة القوّة والكمال؛ أي حال الضّعف وزوال العقل، قادر على إعادة الخلق بعد الموت.
ومن قرأ «(تعقلون)» بالتاء فهو على مخاطبة الكفار. قرأ عاصم وحمزة والأعمش: ﴿(نُنَكِّسْهُ)﴾ بالتشديد، وقرأ غيرهم بالتخفيف وفتح النون.
قوله تعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ؛﴾ إن كفار مكّة قالوا للنّبيّ ﷺ: إنه شاعر، وإنّ القرآن شعر، فأكذبهم الله بقوله تعالى ﴿(وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ)﴾ أي وما يتسهّل له ذلك، وما كان يتّزن له بيت شعر جرى على لسانه منكرا.
قال الحكيم: (كان رسول الله ﷺ يتمثّل بقول العبّاس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العب د بين الأقرع وعيينة
قالوا: يا رسول الله ﷺ إنّما هو بين عيينة والأقرع، فقام إليه أبو بكر وقبّل رأسه وقال: صدق الله ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ (^٢).
وعن الحسن ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ كان يتمثّل بهذا البيت: [كفى بالإسلام والشّيب للمرء ناهيا] فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ إنّما قال الشّاعر (كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا) (^٣) فقال عمر ﵁: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾.
_________________
(١) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ج ٤ ص ٢٢١.
(٢) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٧١؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد). والبيت للعباس بن مرداس: فأصبح نهبي ونهب العب- يد بين عيينة والأقرع
(٣) للشاعر سحيم، وهو عبد حبشي عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
[ ٥ / ٢٩٠ ]
وعن عائشة ﵂؛ أنّها سئلت هل كان رسول الله ﷺ يتمثّل بشيء من الشّعر؟ فقالت: كان الشّعر أبغض الحديث إليه، ولم يتمثّل بيتا من الشّعر إلاّ بيت طرفة: [ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار].فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا يا رسول الله، إنّما هو: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد (^١)، فقال: [إنّي لست بشاعر وما ينبغي لي الشّعر] (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩)؛أي ما القرآن إلاّ ذكر وموعظة، فيه الفرائض والحدود والأحكام،
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا؛﴾ قرأ نافع وابن عامر بالتاء، والخطاب للنبيّ ﷺ، وقرأ الباقون بالياء، يعني لينذر القرآن من كان حيّا، يعني مؤمنا حيّ القلب، لأن الكافر كالميّت في أنه لا يتدبّر ولا يتفكّر، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧٠)؛أي وتجب الحجّة بالقرآن على الكافرين.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ (٧١)؛معناه: أو لم يشاهدوا أنّا خلقنا لهم مما تولّينا خلقه بإيداعنا وإنشائنا؟ لم يشاركنا في خلق ذلك شريك ولا معين. وذكر الأيدي ههنا يدلّ على انفراده بما خلق، والمعنى أو لم يروا أنّا خلقنا لهم مما عملناه بقدرتنا؟ لا مما عملته أيدي مالكيها أنعاما وهو الإبل والبقر والغنم لها مالكون وضابطون، قاهرون لها يصرّفونها كيف يشاءون، واليد تذكر ويراد بها القدرة وإظهار صنعه.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ؛﴾ أي لم يخلق الأنعام نافرة من بني آدم ولا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخّرة لهم، والمعنى: وسخّرناها لهم مع قوّتها
_________________
(١) طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: ج ٦ ص ٣١.والطبري في جامع البيان: الحديث (٢٢٣٨٤).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣٢٠٠.وفي الدر المنثور: ج ١٠ ص ٧١؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم)،وقال: (أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد).
[ ٥ / ٢٩١ ]
وضعفهم، ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ؛﴾ أي مركوبهم، ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ (٧٢)؛من لحومها، فقوله ﴿(فَمِنْها رَكُوبُهُمْ)﴾ يعني الإبل، قال عروة: (في مصحف عائشة ﵂ «(ركوبتهم»» (^١) والركوب والركوبة واحد، مثل الحمول والحمولة، يقال: هذه الجمال ركوبة القوم وركوبتهم، وهذه النّوق حلوبة القوم وحلوبهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ؛﴾ أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها ومشارب من ألبانها، ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)؛ربّ هذه النعمة فيوحّدونه جميعهم وأفرادهم.
فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٧٤)؛أي عبدوا من دون الله أصناما رجاء أن ينصرونهم ويشفعوا لهم، كما قالوا: ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، فنفى الله نصرهم بقوله:
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ؛﴾ أي لا تقدر آلهتهم أن تمنعهم من العذاب، ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ (٧٥)؛ أي لهم الأصنام كالعبيد للأرباب قيام بين أيديهم ينتصرون بهم، والأصنام لا تقدر على نصرهم ولا نصر أنفسهم. ويجوز أن يكون معناه: والمشركون محضرون من الأصنام في النار توبيخا لهم وتعذيبا للذين كانوا يعبدونهم. وقيل: معناه: إن المشركين ينصرون الأصنام وهي لا تستطيع نصرهم.
قوله تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ؛﴾ أي لا يحزنك يا محمّد قول كفّار مكّة في تكذيبهم إياك وقولهم إنك شاعر، ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ؛﴾ في نفوسهم من تكذيبهم ومكرهم وخيانتهم، ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٦)؛لك من العداوة بألسنتهم. والمعنى: إنا نثبتك ونجازيهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٧٧)؛يعني أبيّ بن خلف الجمحيّ خاصم النبيّ ﷺ في إنكار البعث، وأتاه بعظم قد بلي وجعل يفتّته ويذرّيه في الرّياح، ويقول في أصحابه: أيحيي الله هذا العظم بعد ما رمّ؟! وبقولهم: إنّ محمّدا يقول إذا متنا وصرنا ترابا نعاد، وتنفخ فينا
_________________
(١) في الدر المنثور: ج ٧ ص ٧٢؛ قال السيوطي: (أخرجه أبو عبيد وابن المنذر) وذكره.
[ ٥ / ٢٩٢ ]
الروح؛ إنّ هذا الشيء عجيب! من يقدر أن يحيي العظام وهي رميم؟!،فقال النبيّ ﷺ: [يحيي الله هذا ويميتك ويدخلك النّار] فأنزل الله هذه الآية (^١).
والمعنى: أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه مع الحياة والعقل والحواسّ من نطفة فبلّغناه؛ أي أن صار خصما جدلا ظاهر الخصومة، وهذا تعجيب من جهله وإنكار عليه خصومته؛ أي لا يتفكّر بدء خلقه.
وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ؛﴾ أي ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي يفته بيده، ونسي خلقنا إياه وبعد أن لم يكن شيئا حتى صار مخاصما ف ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٧٨)؛أي شيء بال قاس، قدّر الله تعالى بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي ما لم يكن ذلك في مقدور البشر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٩)؛أي قل لهم يا محمّد: الذي خلق من العدم إلى الوجود قادر على الإعادة بعد الممات، وهو عليم بالخلق بعد أن خلقهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٨٠)؛في هذه الآية زيادة بيان عن عجيب صنعه، ومعنى ذلك الزّنود التي كانت العرب يورّون منها النار، كانوا إذا احتاجوا إلى النار أخذوا غصنا من شجر المرخ وغصنا من شجر العفار وهو الأرين، فضربوا أحدهما بالآخر فخرجت النار، فقيل لهم: إنّ الذي جمع بين الماء والنار في الشّجر الأخضر قادر على تضادّهما، لا يطفئ الماء النار، ولا تحرق النار الشجر، قادر على أن يبعثكم ويردّ أرواحكم إلى أجسادكم (^٢).ويقال: ما من شجرة إلاّ وفيها نار غير شجرة العنّاب، ولذلك يختارها
_________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (٢٢٣٩٦).وابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج ١٠ ص ٣٢٠٣.وفي الدر المنثور: ج ٧ ص ٧٤ - ٧٥؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مالك، وأخرجه عبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد).
(٢) في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٥ ص ٦٠؛ قال القرطبي: (ويعني بالآية ما في صفات المرخ-
[ ٥ / ٢٩٣ ]
القصّارون لدقّ الثياب عليها.
ثم ذكر الله ﷿: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،﴾ ما هو أعظم خلقا من الإنسان فقال: ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؛﴾ معناه: إن الذي قدر على خلق السّماوات والأرض في عظمهما وعجائبهما يقدر على إعادة خلق البشر؛ لأن خلق السّماوات والأرض وما فيهما أبلغ في القدرة من إحياء الموتى، أفليس القادر عليهما قادر على الإعادة؟ ﴿بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ،﴾ يخلق خلقا بعد خلق، ﴿الْعَلِيمُ﴾ (٨١)،بجميع ما خلق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٨٢)؛ معناه: إنما أمره إذا أراد شيئا من البعث وغيره أن يقول له: كن بغير واسطة. فإن قيل:
لم لا ينصب قوله تعالى ﴿(فَيَكُونُ)﴾ على جواب الأمر كما يقال: آتني فأكرمك، قلنا:
ذاك مستقبل مستحبّ، الثاني: بوجوب الأدنى، وهذا كائن مع إرادة الله تعالى، فالفعل واجب.
قوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ نزّه الله تعالى أن يوصف بغير القدرة؛ أي تنزيها للّذي له القدرة على كلّ شيء من أن يوصف بغير القدرة، (و﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)﴾ أي ملك كلّ شيء، والقدرة على كلّ شيء، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)؛في الآخرة بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم.
آخر تفسير سورة (يس) والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) -والعفار، وهي زنادة العرب، ومنه قولهم: في كلّ شجرة نار واستمجد المرخ والعفار، فالعفار الزّند وهو الأعلى، والمرخ الزّندة وهي الأسفل، ويؤخذ منهما غصنان مثل السّواكين يقطران ماء، فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار).
[ ٥ / ٢٩٤ ]