ربما يقع البعض في الخطأ عند ما يقيسون الأمور قياسا عاما، وينظرون إلى كل محدّث على أنه حنبلي المذهب، ومن ذلك نظرتهم لمذهب الإمام الطبراني ﵀، حيث نجد أن البعض يدرجه في تراجم الحنابلة وطبقاتهم، فنقف عند هذا الملحظ لنصحح الرأي فيه، مع أن الأمر سيان، حيث إنه لا يؤثر مذهب الفقيه أو المفسر أو المحدّث في التعامل مع فكره في الرأي والفقه، ولكن للضرورة العلمية ومن خلال دراستنا لكتابه التفسير الكبير، نجد أن الإمام الطبراني حنفي المذهب، متوازن الرأي
_________________
(١) لقد أعاننا الله ﷾ ووفقنا وأرشدنا إلى ما يدل على صحة نسبة هذا الكتاب لصاحبه وذلك بالحصول على تفسير الغزنوي كما بيّنا سابقا.
[ ١ / ٨٥ ]
منصف للآخر، بل إن الإمام الطبراني فضلا عن وضوح آرائه في الاتجاه الحنفي، فإنه من الناحية التاريخية لم يكن حنبليا أيضا كما تشير الدراسات إلى ذلك وكما يأتي:
١.أن الإمام الطبراني قضى أكثر من نصف حياته المباركة في أصفهان بلد العلم والعرفان. ومدينة أصفهان (كانت من القرون الأولى الإسلامية مهاجرة العلماء لطلب الحديث، ومحط رحالهم، حتى كانت تضاهي بغداد في العلو والكثرة كما قال السخاوي) (^١).ويقول السيد مصلح الدين مهدوي: (إن أصبهان كانت من القرون الأولى الإسلامية مركز العلم والعرفان، ونبغ فيها جماعة من العلماء والعرفاء والحكماء والشعراء والمحدّثين والخطباء والوعاظ، وكانوا يرحلون لأخذ العلم وطلب الحديث من بلد الى بلد، ويحضرون مجلس العلماء والمحدّثين) (^٢).
وعلى هذا، فإن ذاك الزمان لم يكن الأمر فيه تقصد النسبة للمذهب، والظاهر آنذاك السعي لطلب العلم من غير تحيز.
٢.أن مذهب أهل أصفهان بين الشافعية والحنفية، فبعد فتحها سنة (٢١) للهجرة وانتشار الإسلام في أهلها، استقام أمرهم على السّنة، وقوي واشتد على ذلك الى أن لجأ إليها الخوارج في عهد بني أمية؛ (ولكن عتاب بن ورقاء واليها من قبل مصعب بن الزبير أخرجهم منها، فلجأوا إلى الأهواز وعادت القوة فيها لأهل السّنة، ويغلب عليهم المذهب الشافعي والحنفي، ويتولى زعامة الشافعية فيها أسرة الخجنديين، وزعامة الأحناف أسرة الصاعديين، واستمر الأمر على هذا، سوى ما كان من ظهور الشيعة والزيدية بين الفينة والفينة) (^٣).وعلى هذا فإن الرأي العام في أصفهان مستقر بتفاهم الشافعية والأحناف ما لم يكدر عليهم أحد كما حصل
_________________
(١) انظر: طبقات المحدثين بأصبهان والواردين إليها: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ: ج ١ ص ١٥:دراسة وتحقيق عبد الغفور البلوشي؛ مؤسسة الرسالة. والإعلان التوبيخ: ص ١٤٣.
(٢) انظر: تذكرة القبور، مترجم عن الفارسية. نقله البلوشي في مقدمته لكتاب طبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٤١.
(٣) انظر: اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢٠٠.نقلا عن مقدمة البلوشي لطبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٥٧.
[ ١ / ٨٦ ]
في فتنة المغول حين استغلوا الخلاف بين المذهبين وأضعفوهما (^١).
٣.لم يغير أهل أصفهان مذهبهم حتى زمن الشاه إسماعيل، يقول المؤرخ ميرزا حسن الأنصاري: (إن مذهب أهل السنة والجماعة كان هو المذهب الرسمي السائد في أصفهان إلى بدية القرن العاشر الهجري سنة (٩١٠)،وإن كان البويهيون قد ادعوا مذهب التشيع ثم قال: في سنة (٩٠٦) هجرية فتح الشاه إسماعيل الصفوي العراق وجعل أهل السنة شيعة علنا، وارتفع خلاف الشافعية والحنفية منذ ذلك التاريخ، ولكن حل محله اختلاف الفرقة الحيدرية والنعمتية) (^٢).وعلى هذا كان الإمام الطبراني يعيش أجواء طلب العلم والانفتاح على الرأي الآخر من مذاهب أهل السنة، ويدور فقهيا كغيره في دائرة الشافعية أو الأحناف، ولولا موقفه في التفسير بنسبة الرأي الذي يتبناه إلى الأحناف لما علم مذهبه.
٤.انسجم الإمام الطبراني مع مناخ أصفهان الفكري والفقهي، فنجد عامل أصفهان أبو علي بن أحمد بن محمد بن رستم الذي شغفه حب العلماء يستقبل الطبراني عند قدومه المرة الثانية سنة (٣١٠) هجرية (ويسهل له البقاء بأصبهان، فيكرمه بتعيين معونة معلومة يقبضها من دار الخراج، وتستمر حتى حين وفاته بها) (^٣).
٥.لم يصرح الإمام الطبراني بمذهبه الفقهي كغيره من علماء زمانه، إلا للضرورة البحثية كما في التفسير، فمذهب أصفهان السائد في ذاك الوقت بل في إيران مذهب الشافعية والأحناف من أهل السنة (^٤)،فتبنى مذهب الأحناف على ما يترجح عنده بالدليل، حيث لا نجده يتعصب لرأي، بل يسلك منهج العلماء في
_________________
(١) قاله علي كلباسي في اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢٠١،ونقله البلوشي في مقدمته: ج ١ ص ٥٧.
(٢) كتاب تاريخ أصفهان: ج ١ ص ٣٨.وأصل العبارة بالفارسية ترجم ألفاظها البلوشي كما في مقدمته: ج ١ ص ٥٨.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٦.
(٤) انظر: معجم البلدان: ج ١ ص ٦٠٩ لياقوت. وكتاب اقتصاد شهر أصفهان: ص ٢١٠ للدكتور علي كلباسي. وطبقات المحدثين بأصبهان: ج ١ ص ٢.
[ ١ / ٨٧ ]
تبنيه المذهب والجواب على مسائل الشافعية، وهو ما نجده واضحا في تفسيره عند التعامل مع الرأي الآخر بهدوء وموضوعية.
٦.يعد الإمام الطبراني من كبار علماء أصفهان، وإليه ينتهي العلم في الحديث، وأنه يسير على منهج أهل زمانه فقها وعلما ولا يبتدع. ذكر الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد القاضي العسال أن أبا جعفر أحمد بن محمد الزاهد قال أبياتا منها (^١):
لقد مات من يرعى الأنام بعلمه وكان له ذكر وصيت فينفع
وقد مات حفّاظ الحديث وأهله وممّن رأينا وهو في النّاس مقنع
أبو أحمد القاضي وقد كان حافظا ولم يك من أهل الضّلالة يتبع
وكان أبو إسحاق ممّن شهرته يدرّس أخبار الرّسول ويوسع
وثالثهم قطب الزّمان وعصره أبو القاسم اللّخميّ قد كان يبدع
ورابعهم كان ابن حبّان آخرا ومات فكيف الآن في العلم يطمع
وعلى هذا فإن الإمام الطبراني حنفي المذهب من أهل السنة والجماعة محدّث بارع ومفسر، بارك الله له في عمره وجعل خاتمة أعماله على ما يبدو لنا هذا السفر الكبير في تفسير القرآن العظيم.