لا يقصد من كلمة مصادر التفسير ما اعتمد عليه المفسّرون في تفسير كلّ منهم للقرآن حسب الفكرة التي يحملها كالتوحيد والفقه والبلاغة والتاريخ وما شاكل ذلك، فهذه ليست مصادر التّفسير، بل هي الأمور التي أثّرت على المفسّر فنحا نحوا معيّنا في التفسير. وإنما المقصود من مصادر التفسير المراجع التي نقل عنها المفسرون، ووضعوا ما نقلوه عنها في تفسيرهم، بغضّ النظر عن الاتجاه الذي اتجهوه في تفسيرهم. وإذا تتبّعنا مصادر التفسير نجدها تنحصر في ثلاثة مصادر هي:
أولا-تفسير نقل عن رسول الله ﷺ: مثل الذي روي أن الرسول ﷺ قال: [الصّلاة الوسطى صلاة العصر] (^١).ومثل ما روي عن علي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحجّ الأكبر فقال: [يوم النّحر] (^٢) وما روي أيّ الأجلين قضى
_________________
(١) رواه الترمذي في الجامع: كتاب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة الوسطى أنّها العصر: الحديث (١٨١) عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحديث (١٨٢) عن سمرة بن جندب، وقال: وفي الباب عن عليّ وزيد بن ثابت وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هشام بن عتبة. وقال: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح؛ لأن الحسن سمع من سمرة، قال: حديث سمرة حسن. وهو قول أكثر العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم. وينظر لحديث علي ﵁: الرقم (٢٩٨٤).والمصنف لابن أبي شيبة: باب في قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى: الرقم (٨٦٠٨):ج ٢ ص ٢٤٥.وفي الباب عن أم سلمة وأبيّ بن كعب. وحديث عبد الله بن مسعود رواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب مواضع الصلاة؛ وابن ماجة في السنن: كتاب الصلاة: باب المحافظة على صلاة العصر. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب من قال هي صلاة العصر: من الرقم (٢١٩٨ - ٢٢٠٧).
(٢) رواه الترمذي في الجامع: كتاب تفسير القرآن: الحديث (٣٠٨٨) مرفوعا؛ والحديث (٣٠٨٩) موقوفا على عليّ ﵁، وهو الأصح؛ جاء من غير وجه. والطبري في جامع البيان في تفسير القرآن: ج ١٠ ص ٩٠:الحديث (١٢٧٤٤) وإسناده صحيح. وعن عبد الله بن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: [هذا يوم الحجّ الأكبر]: الحديث (١٢٧٦٨) عن ابن عمر؛ وذكره البخاري في الصحيح معلقا: الحديث (١٧٤٢).
[ ١ / ٥٠ ]
موسى قال: [أوفاهما وأبرّهما] (^١).إلا أن هذا النوع لا يجوز الاعتماد عليه كمصدر للنقل إلاّ ما ورد منه في الكتب الصحاح، لأن القصّاص والوضّاع زادوا فيه كثيرا. ولذلك يتحرّى في هذا النوع من مصادر النقل لكثرة الكذب فيه على رسول الله ﷺ. وقد بلغ من تحري السّلف في هذا النوع من التفسير حدّا أنكره كثير منهم إنكارا كليّا وقالوا لم يرو عن رسول الله تفسير. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال (ثلاثة ليس لها أصل: التّفسير والملاحم والمغازي).ولذلك نجد أن المفسّرين لعدم ثقتهم بما ورد، لم يقفوا عند حدّ ما ورد، بل اتّبعوا ذلك بما أدّاهم إليه اجتهادهم. ولم يقفوا عند حدود النصّ. وقد أضيف إلى ما ورد عن رسول الله، ما ورد عن الصحابة من تفسير، وصار من التفسير المنقول، وكذلك ما ورد عن التابعين من تفسير. وقد تضخّم هذا النوع من التفسير المنقول وصار يشمل ما نقل عن رسول الله وما نقل عن الصحابة، وما نقل عن التابعين، وصار وحده كافيا لأن يكون وحده تفسيرا. وتكاد كتب التفسير المؤلّفة في العصور الأولى تكون مقصورة على هذا النحو من التفسير.
ثانيا-من مصادر التفسير الرّأي، وهو ما يطلق عليه الاجتهاد في التفسير. ذلك أن المفسّر يعرف كلام العرب ومناحيهم في القول، ويعرف الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد مثله في الشعر الجاهلي والنثر ونحوهما، ويقف على ما صحّ عنده من أسباب نزول الآية مستعينا بهذه الأدوات، ويفسّر الآيات القرآنية حسب ما أداه إليه فهمه واجتهاده.
ولم يكن التفسير بالرأي يعني أن يقول في الآية ما يشاء وما تتطلبه رغبته، وإنما كان الرأي الذي يجري التفسير بحسبه يعتمد على الأدب الجاهليّ من شعر ونثر وعادات العرب ومحاوراتها، ويعتمد في نفس الوقت على الأحداث التي حصلت في أيام الرسول ﷺ، وما لقي النبيّ من عداء ومنازعات وهجرة وحروب وفتن، وما حدث في أثناء ذلك مما استدعى أحكاما واستوجب نزول القرآن.
_________________
(١) عن مجاهد: أن النبي ﷺ سأل جبريل: [أيّ الأجلين قضى موسى؟] فقال: [أبرّهما وأوفاهما]. رواه الطبري في جامع البيان: تفسير سورة القصص/الآية ٢٩:الحديث (٢٠٨٧٦).
[ ١ / ٥١ ]
وإذن فالمراد من التفسير بالرأي هو فهم الجمل بواسطة فهم مدلولاتها التي تدلّ عليها المعلومات الموجودة عند المفسّر من لغة وحادثة. وأما ما اشتهر على الألسنة عن سيدنا عليّ بن أبي طالب ﵁ من قوله: [القرآن حمّال أوجه] (^١) فليس المراد منه أن القرآن يحمل أيّ وجه تريد تفسيره منه، بل المراد أنّ اللفظة الواحدة أو الجملة الواحدة تحتمل عدّة أوجه من التفسير، ولكن الأوجه محصورة بالمعاني التي تحتملها اللفظة أو الجملة فقط ولا يخرج عن ذلك. ومن هنا كان التفسير بالرأي عبارة عن فهم للجملة في حدود ما تحتمله ألفاظها من معاني.
ولذلك أطلقوا عليه أنه تفسير بالاجتهاد.
وقد كان جمهرة المفسّرين من الصحابة يفسرون بالرّأي ويعتمدون بالدرجة الأولى عليه في التفسير، وكانوا يختلفون في التفسير حتى في تفسير الكلمة الواحدة، مما يدلّ على اعتمادهم على فهمهم الخاصّ مثل كثير مما ورد عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم.
فمثلا يفسّر المفسرون الطّور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ بتفسيرات مختلفة. فمجاهد يفسّر الطّور بالجبل، وابن عباس يفسر الطور بجبل بعينه، وآخر يقول إن الطور ما انبثّ من الجبال. فأما ما لم ينبث فليس بطور. فهذا الاختلاف في التفسير نتيجة للاختلاف في الرأي، لا نتيجة للاختلاف في المنقول، مع أن اللفظة لغوية، فما بالك حين يكون الرأي لمدلول الجملة لا لمعنى لفظة، ولذلك اختلفوا أيضا في معاني الآيات خلافهم في معاني الألفاظ.
والظاهر من تتبّع تفسير الصحابة لا سيما المفسّرين المشهورين، أنّهم في جملتهم يعتمدون على الرأي في التفسير. وأما ما نقل عن بعضهم من التحرّج عن التفسير بالرأي والاقتصار على التفسير بالمنقول، فإنه يحمل على رأي من لم يستكمل أدوات التفسير وهي العلم باللفظة العربية المراد تفسيرها، وبالحوادث
_________________
(١) عن ابن عبّاس: (القرآن ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه).الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي: الرقم (٤٦٧٢).
[ ١ / ٥٢ ]
التي نزلت في شأنها الآيات. ولا يحمل على التحرّج من فهم القرآن لأنه أنزل ليفهمه الناس لا ليقتصروا على حدّ ما نقل من تفسير.
وبالرجوع إلى النصوص التي وردت في ذلك يتبيّن منها سبب هذا التحرج. فقد روي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن يقول: أنا لا أقول في القرآن شيئا. فهو ينفي عن نفسه القول بالقرآن، ولا ينفي القول بالقرآن بالرأي. وقال ابن سيرين: سألت أبا عبيدة عن شيء من القرآن فقال: (اتّق الله وعليك بالسّداد، فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن) (^١).
ومعلوم أن أبا عبيدة من كبار الصحابة وهو يطلب لزوم السداد ومعرفة فيم أنزل القرآن. فهذا التورّع والتحرّج من القول بالقرآن قد بيّن أبو عبيدة سببه بقوله (وعليك بالسّداد فقد ذهب الّذين يعلمون فيم أنزل القرآن) (^٢).فإذا وجد من يتحرّى السداد ومن يعلم فيم أنزل القرآن فلا شكّ أنه أهل لأن يقول فيه برأيه واجتهاده؛ لأنه منضبط بأصول علم التفسير وقواعده.
وعلى ذلك لا نستطيع أن نقول إن الصحابة كانوا منقسمين إلى قسمين، قسم يتورّع عن أن يقول بالقرآن برأيه، وقسم يقول بالقرآن برأيه. وإنما كانوا يقولون بالقرآن برأيهم. وكانوا يتورّعون أن يقول أحد بالقرآن برأيه عن غير علم متأكّد منه في اللفظة التي تفسّر والجملة التي تبيّن من آيات القرآن، وكان كذلك التابعون. إلا أنه جاء من بعدهم من اطّلعوا على هذه الأقوال وفهموها أنّها تحذير من القول بالقرآن بالرأي فتورّعوا أن يقولوا فيه. وجاء من اطّلعوا على تفسير الصحابة بالرأي فقالوا بالتفسير بالرأي.
_________________
(١) الموفقات في أصول الشريعة للشاطبي: ج ٣ ص ٣٥٠:لا بد في علم القرآن من معرفة أسباب التّنزيل. أخرجه سعيد بن منصور في سننه: ج ١ ص ١٨٥ الرقم (٤٤).وابن أبي شيبة في المصنف: ج ١٠ ص ٥١١،وأبو عبيد في فضائل القرآن: الرقم (٨٣٠)،وابن جرير في التفسير: الرقم (٩٧):ج ١ ص ٨٦.والبيهقي في شعب الإيمان: الرقم (٢٠٨٥).والتوحيدي في أسباب النزول: ص ٥٠٤.والسيوطي في الإتقان: ج ١ ص ٤١،وبعض أسانيده صحيحة.
(٢) مصنف عبد الرزاق: ج ١ ص ٥١١.والطبري: ج ١ ص ٨٩.
[ ١ / ٥٣ ]
ولذلك انقسم العلماء فيما بعد في التفسير إلى قسمين: قسم يتحرّج عن القول بالرأي ويقتصر على المنقول، وقسم يقول فيه بالرأي. أما الصحابة والتابعون فلم يكونوا قسمين بل كانوا يقولون بالقرآن بما يعلمون من رأي ومنقول، ويتحرّجون عما لا يعلمون ويحذّرون من القول في القرآن بالرأي من غير اعتماد على علم.
ثالثا-الإسرائيليّات: ذلك أنه دخل في الإسلام بعض اليهود والنصارى، وكان بين هؤلاء علماء في التوراة والإنجيل، وكان اليهود منهم، أكثر ما دخلوا غير صادقين، لأن اليهود أكثر حقدا وبغضا للمسلمين من النّصارى. فتسرّب من هؤلاء العلماء إلى المسلمين كثير من الأخبار الإسرائيلية، دخلت في تفسير القرآن ليستكملوا بها شرح الآيات. ذلك أن شغف العقول وميلها للاستقصاء دعاها عند سماع كثير من آيات القرآن أن تتساءل عما حولها، فإذا سمعوا قصّة كلب أصحاب الكهف قالوا ما كان لونه؟ (^١) وإذا سمعوا ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ تساءلوا ما ذلك البعض الذي ضربوا به؟ (^٢) وإذا قرءوا ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ تساءلوا من هذا العبد الصالح الذي لقيه موسى وطلب منه أن يعلّمه؟ (^٣) ومن هنا تأتي قصّة الخضر.
وهكذا كانت تتوارد عليهم قصص وأخبار فيسألون عنها. وتجدهم يسألون عن الغلام الذي قتله العبد الصالح، وعن السفينة التي خرقها، وعن القرية التي لم تضيّفه. وتساءلوا عن قصّة موسى وشعيب وعن مقدار سفينة نوح إلى غير ذلك.
وكان الذي يجيبهم على هذه الأسئلة ويسدّ طمعهم في هذه المعلومات هي
_________________
(١) وفيها يقول الله ﷿: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف ٢٢/].والقليل الذين يعلمون ذلك من مثل ابن مسعود وابن عبّاس ﵃ فهما يقولان: [أنا من القليل].والمسألة لا يبتنى عليها عمل، والانشغال بالأسماء والعدد يصرف المرء عن العبرة في الذكر من القصة. والله أعلم. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٠ ص ٣٨٤ والدر المنثور للسيوطي: ج ٥ ص ٣٧٥ وما بعدها.
(٢) البقرة ٧٣/.
(٣) الكهف ٦٥/.
[ ١ / ٥٤ ]
التوراة وما علّق عليها من حواش وشروح، وما أدخل عليها من أساطير، ينقلها إليهم اليهود الذين دخلوا في الإسلام عن حسن نيّة، أو عن سوء نيّة سواء.
وكان قد أدخل بعض النصارى ممن أسلموا بعض القصص والأخبار عن الإنجيل، إلا أن ذلك قليل بالنسبة لما أدخله اليهود. وهكذا تضخّم الشيء الكثير من القصص والأخبار تضخّما كبيرا حتى زاد عما روي من التفسير المنقول، وحتى شحنت كثير من كتب التفسير بهذا المقدار الضخم من الإسرائيليّات والقصص والأخبار الأخرى. وكان من أكثر من أدخل هذه الإسرائيليات وأشهرهم كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وعبد الله ابن سلام، وهناك غيرهم كثير، وبهذا صارت هذه الإسرائيليات والقصص والأخبار الأخرى مصدرا من مصادر التفسير عند قسم من المفسّرين.