ربما يفاجأ القارئ المطّلع ويتعجب متسائلا عن سبب تأخير ظهور هذا التفسير، وبخاصة أن الإمام الطبراني يسلك فيه منهج المفسّرين ويسير بطرائقهم وفق قواعد علم التفسير وأصوله، وهو العالم المحدّث الحافظ ليراه على غير المعهود الذهنيّ الذي يرسمه النابه للمحدّث؛ حيث صورته في التعامل مع النصّ القرآني، ليس كما هو معروف من أسلوب المحدّثين حين النظر في موضوع الآيات وإسناد أسباب النزول أو ما يتعلق بدلالة الآية في المجال الحديثيّ.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦،وقال الذهبي: (أبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد الحافظ، توفي سنة ثلاثة وخمسين وثلاثمائة. واللخمي هو سليمان بن أحمد الطبراني الحافظ مات سنة ستين وثلاثمائة. وابن حبان هو الحافظ أبو الشيخ، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة عن بضع وتسعين سنة).
[ ١ / ٨٨ ]
نجد الإمام الطبرانيّ في منهجه يسير على أصول علم التفسير منضبطا بقواعده متعاملا مع النصّ بالبيان من السّنة، والتعريف بدلالة ألفاظ النص على معهود لسان العرب أو مفردات لغتهم بأسلوب المفكّر المفسّر غير المتأثّر بأساليب أهل الحديث من الوقوف عند ظاهر النص، أو أساليب أهل الكلام من التعامل الجدلي مع الرأي الآخر.
ومن ذلك أنه كان للشواهد الشّعرية أثر واضح في أسلوب الإمام الطبراني، حيث أفاد إفادة واضحة منه في تقرير الوجهة النحويّة أو البلاغية أو الدلالية التي تعطي المعنى المراد على وجهه المقصود، وبما يؤدّي إلى الفهم المراد فيه. فسيجده القارئ أنه كثير الاحتجاج بأشعار العرب بقصد توضيح معاني الألفاظ القرآنيّة، وأنه حين يتناول الإعراب يأتي بالشّاهد الشعريّ حسب المناسبة، وكذلك يفعل حين يتناول معنى غريب الألفاظ، فيوضّح لغتها، وييسّر معناها.
ويلاحظ بشكل جليّ أن الإمام الطبرانيّ يسير على خطى أسلوب المحدّثين، حيث ينسب العلم لأهله، وكأنه يؤسّس لذلك في غير مجال الحديث على نهج المحدّثين مختصرا الإسناد، ومن بركة العلم أن ينسب لأهله. فغالبا يشير إلى معتمده في الفهم الذي يتبنّاه من أقوال السلف، فيذكر من يرجع إليه في ذلك، فكان غالب رجوعه إلى الفرّاء وابن النحّاس والزّجّاج والأخفش، وغيرهم من أهل المعاني والعربيّة، وغالبا ما يجمل القول، فيقول: (قال المفسّرون) أو (قال بعض المفسرين) أو (قال أهل التفسير) هذا إذا لم يذكر العالم الذي أخذ عنه أو رجع إليه.
وكان عمدة الإمام الطبراني في تفسيره أن يأتي بالشواهد البيانيّة من السّنة النبوية أيضا، فيأتي بالأحاديث في موضوع الآية ويذكرها من غير إسناد، حيث يكتفي بذكر الراوي من الصّحابة رضوان الله عليهم غالبا، أو بذكر التابعي، أو من نقل عنه الأثر، فيفيد من الحديث أو الأثر أو المأثور من أقوال السّلف في بيان معنى الآية ودلالتها على المراد المقصود.
وعماده أيضا في هذا المجال أن يذكر أسباب النزول، أو يبيّن متعلّق الآية في الحدث حسب الزمان والمكان معتمدا على أخبار السّيرة النبوية، وتحديدا سيرة ابن إسحاق. فيأتي بالشواهد من السّيرة النبوية بما يجلي الصورة الذهنية، ويوضح المراد على أتمّ وجه يراه من غير إملال أو إطناب.
[ ١ / ٨٩ ]
وقد يذكر هاهنا أنه مما يؤاخذ عليه ﵀ في هذا التفسير، أنه أدرج فيه بعض القصص التوراتية والأخبار من الاسرائيليات التي كان يغنيه عنها الأخبار الصحيحة. وقد أشرنا إلى ذلك حسب مناسبة إيراده في هوامش التحقيق والتعليق.
ومن الجدير بالذكر، أن للقراءات أثرا بالغا في تفسير الإمام الطبراني ونهجه في إدراك المراد في دلالة الآية، فكان يأتي بالقراءات ويتعامل معها بوصفها أفهاما وأوجه تفسير، لا المراد منها التلاوة كما يفهم البعض أو ظنّ ذلك. وعماده في ذلك-فضلا عن كتب المعاني-ما جاء في كتاب الحجّة للقراءات السبعة لأبي عليّ الفارسي، وذكره في مناسبات من هذا التفسير. كما أنه ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري في مجال تفسيره للآية (١٣) من سورة الأنعام؛ وغالبا ما كان ينقل عنه الآثار أو القراءات وأوجه فهمها عند القرّاء لها.
كما أنه ذكر تفسير النقّاش في سورة الحاقة تفسير الآية (١٢) منها. وذكر أبا حاتم الرازي الجصّاص، وكأنه كان ينقل عنه مسائل آيات الأحكام، ويناقش الخلاف فيها. ومع أنه حنفيّ المذهب، ولكني وجدته يتعامل مع الأدلة وأوجه الاستدلال بعقلية المجتهد لا المقلّد، فيبيّن فيها وجه الاستدلال الذي ينتصر به لمذهبه إذا ترجّح عنده ذلك، أو أنه يبيّن وجه ما تبناه في المسألة.
ولا يخفى على القارئ أن الإمام الطبراني أفاد كثيرا من سابقيه ومعاصريه، وجمع جهودهم في تفسيره من غير تقليد أو اجترار أو تكرار، وإنما بذل جهدا في تأليف ذلك بتسلسل فكريّ، وانتباه يقظ يؤدي إلى إحساس فكري عند المتلقّي القارئ بعمق لتفسيره. فهو يتعامل مع النصّ القرآنيّ بوصفه مفسّرا جمع فائدة الحديث في البيان، وفائدة اللّغة واللسان لفهم المراد، وبما يوصله إلى الفكر والفقه فيه. على أن منهج الإمام الطبراني يفعّل لسان العرب وأصول التفسير في إدراك النصّ القرآني مبيّنا المراد بالسّنة والحديث الشريف، ومعضّدا بالشواهد من الشّعر، وآثار السلف وأقوالهم، ومن تبعهم من أهل العلم.
وعلى قدر ما أعلم، أجدني وأنا أراجع كتب التفسير: أن الجميع بعده عيال عليه، وإن لم يذكره أحد منهم، أو ينسب قولا إليه، بل إني وجدت الإمام الثعلبي في
[ ١ / ٩٠ ]
تفسيره الكشف والبيان، ينقل عبارات تفسير الإمام الطبراني بنصّها من غير نسبة، بل لا أغالي إن قلت إنّ تفسير الكشف والبيان للثعلبي فيه إيجاز لتفسير الطبرانيّ، أو إسناد لما لم يسنده الطبرانيّ، أو اختصار لعبارته، أو نقل حرفيّ لها من غير أن يعزو ذلك إلى تفسير الإمام الطبرانيّ. وهكذا وجدت الأمر بالنسبة للإمام البغويّ في معالم التنزيل. أو ربما نقلوا عمن نقل عنه الإمام الطبراني في تفسيره.
وعلى ما يبدو لي أن هذا التفسير بحقّ بنى كيانه على عطاء سابقيه وأفاد منهم، وأنضج أفكارهم، وأسّس لمن يأتي بعده لينهل منه فكرا وفقها ومنهجا، فيمثل بحقّ نقلة منهجية في مجال علم التفسير على قدر ما أعلم.
وأخيرا، فإنه على قدر ما أنا مسرور بإخراج هذا الكتاب إلى نور أذهان القراء، وشعاع أبصارهم، وإحساس فكرهم، كم أنا متألّم لتأخّر هذا الكتاب عن متناول أهل الإنصاف، أو التمكين لإخراجه إلى أبصار طلاّب العلم وقراءاتهم ودراستهم، ففيه من مجالات البحث الكثير: في اللغة، والقراءات، والأفكار، والأحكام. فالحقّ يقال:
إن هذا الإمام قد سبق، وبارك الله له في عمره، فعرف محدثا، وأستطيع أن أقول: إنه اليوم يعرف مفسّرا من المنزلة الأولى من منازل المفسّرين، وإن تأخر في طبقاتهم.
ورحم الله الإمام أبي القاسم الطبرانيّ وأثابه على ما قدّم، فالخير كلّ الخير فيمن طال عمره وحسن عمله. اللهمّ لا تحرمنا أجره وبارك يا أكرم الأكرمين.