للإمام الطبراني أكثر من تأليف في التفسير، فله (تفسير الحسن) ذكره له الذهبي في تذكرة الحفاظ، وقال: (جزءان)،والسيوطي في طبقات الحفاظ (^١).وله أيضا (كتاب مسانيد تفسير بكر بن سهل) ذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني (^٢).قال الذهبي:
(وغير ذلك، وقد سماها الحافظ يحيى بن مندة، وأكثرها أسانيد حفاظ وأعيان، ولم نرها) (^٣).
أما التفسير الكبير، فذكره له يحيى بن مندة في جزء الطبراني، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال: (كتاب التفسير كبير جدا) (^٤).وذكره له أيضا ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة والسيوطي في طبقات الحفاظ، والداودي في طبقات المفسرين، وغيرهم (^٥).
وعلى الرغم من البحث المتواصل عن نسخة أخرى للتفسير الكبير للإمام الطبراني غير النسخة التي أشار إليها الأستاذ الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه معجم مصنفات الحنابلة، لم نجد ضالتنا هذه. وكنت بعد أن انتهيت من تحقيق الكتاب على ما
_________________
(١) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٦٣.
(٢) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.ومعجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٧٢.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩،مكتبة الصفا، تحقيق محمد بن عيادي.
(٤) انظر: المعجم الكبير: ج ٢٥ ص ٣٦٠.وسير أعلام النبلاء: ج ١٠ ص ٦٩.
(٥) انظر: معجم مصنفات الحنابلة: ج ١ ص ٣٥٦.
[ ١ / ٨٠ ]
استطعت، بلغني أن البعض يشكك في نسبة المخطوط لمؤلفه؛ ثم اطلعت على ما كتبه الأستاذ (إبراهيم باجس عبد المجيد) كتب مقالا في المجلد الثاني: العدد الأول: مجلة عالم المخطوطات والنوادر: لشهر محرم (١٤١٨) من الهجرة عنوانه: (تفسير الطبراني أم تفسير الغزنوي) مشككا في نسبة التفسير إلى مؤلفه الإمام الطبراني. وعلى الرغم من محاولتي في البحث عن نسخة ثانية للمخطوط زيادة في التوثيق، إلا أنني لم أجد، فاقتضى الحال مني أن أجاوب على ما كتب بطريقة التحليل والتقرير، ومن الله التوفيق.
فأقول: أسّس الأستاذ إبراهيم في مقالته، أن التفسير ليس للإمام الطبراني، ونسبه للقاضي عبد الصمد بن محمود بن يونس الغزنوي الحنفي. وأقام رأيه هذا على ملاحظات لفتت نظره وكوّنت الرأي عنده إلى صحة هذه النسبة حسب مفهومه، فاقتضى الجواب وكما يأتي:
١.إن الباحث لم يكن موضوع بحثه نسبة التفسير إلى مؤلفه على وجه الخصوص؛ وإنما كان مدار بحثه دقة فهرسة المكتبات نسبة المخطوطات أو دقة المعلومات المدونة حول المخطوطة المراد الحصول عليها. وأتى للمثال على موضوعه وضرورة الاهتمام بما قال عنه: (ومن أمثلة ذلك: التفسير المنسوب للإمام أبي القاسم الطبراني).وهو المخطوط الذي اعتمدناه في تحقيقنا، وعدّ الخطأ في النسبة من المسلمات على حد ظنه.
٢.كوّن الباحث رأيه في نسبة الكتاب قال: (حينما نلقي نظرة فاحصة على الصفحة الأولى من الكتاب، أو على أية صفحة منه ندرك أنه ليس هو الكتاب المعنى، فالعارف بأسلوب الطبراني ومنهجه في التأليف يجد أنه مغاير تماما لمنهج الكتاب الذي بين أيدينا، فالإمام الطبراني يعتمد منهج الحديث ).
والجواب من وجوه عديدة:
الوجه الأول: من حيثية المنهج الذي اعتمده المفسر:
أولا: للباحث أن يتصور منهج الطبراني في التفسير قياسا على غيره من المفسرين،
[ ١ / ٨١ ]
وأن يقارب إلى صفة الإمام الطبراني بوصفه محدّثا، ولكن هذا لا يمنع أن ينحى الإمام الطبراني منهجا في التفسير مغايرا لمنهج المحدثين، سيما أنه كتب على أسلوب المحدّثين أكثر من تفسير كما تقدم ذكره، فلا ضير أن يسلك منهج علماء التفسير مؤسسا تفسيره الكبير على أصول منهجهم، وسيما أن الباحث أشار إلى ذلك فقال: (وإن كان المصنف يعتمد منهج التفسير بالمأثور).وعلى هذا فليس هذا الملحظ بحجّة في التشكيك في نسبة المخطوط للإمام الطبراني.
ثانيا: ربما مما يدخل به على ملاحظته أن أسقط الناسخ أو غيره الأسانيد للأحاديث والآثار، اختصارا أو تخفيفا من الناسخ أو ممن أراد الكتاب على هذا الوجه وطلبه من الناسخ، هذا إذا أراد الباحث بمنهج المحدثين ذكر السند، وسيما أن الناسخ يشير إلى أن هذه المخطوطة نسخت بناء على طلب أحدهم، حيث جعل نسخته «للشيخ الفاضل قاضي القضاة» ولم يسمّه. ولهذا السبب أو ذاك يدرك أنه لا تكفي هذه الملاحظة لتوجيه نسبة المخطوط إلى غير الإمام الطبراني.
ثالثا: يلاحظ أنّ منهج العلوم الشرعية بحسب أصولها ثلاثة: منهج الفقهاء، ومنهج المحدثين، ومنهج المفسرين، وقد يحصل تأثر للفقيه أو المفسّر أو المحدّث، ويتداخل عند البحث الفقهي ويتواصل مع الحديث أو التفسير، ولكن هذا لا يعني عدم إمكان الفقيه بالاستقلال في منهج النظر في الموضوع بحسب أصوله في العلم الشرعي تفسيرا أو حديثا أو فقها. فمثلا: نجد الإمام ابن حجر في شرح صحيح البخاري يسلك منهجا فكريا فقهيا على غير منهجه في كتبه الأخرى الحديثية والتراجم. فإمكان إفراد المؤلف في كتبه بمنهج يتفق والعلم الشرعي في الموضوع المعين حسب أصوله وارد وممكن، والوقوف على محاولة إلزام كل إمام أو شيخ بمنهج واحد في تقديرنا نوع من التمحك يضيق واسعا.
الوجه الثاني: من حيثية ذكر الناسخ لأسماء بعض العلماء:
أشار الباحث إلى أن في الكتاب نقولات عن علماء بعد زمن الإمام الطبراني، فقال: (كما أن في هذا الكتاب نقولا عن علماء مفسرين كانوا بعد عصر الطبراني:
مثل أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ).
[ ١ / ٨٢ ]
والجواب عليه من وجوه عديدة أيضا:
أولا: يلاحظ أن هذه النقولات التي أشار إليها الباحث ليست بنقولات، وإنما هي ذكر عبارة واضحة تخالف منهج المفسر، فيدرجها الناسخ بقوله: (كذا في تفسير الثعلبي) أو (كذا قال عبد الصمد) أو (كذا في الصحيحين).فهي في تقديرنا إدراج من الناسخ وليس من المؤلف. هذا أولا.
ثانيا: ثم إن هذا الاستدراك من الناسخ يأتي دائما في نهاية عبارة المصنف وبعد إتمام فكرته وانتهائه منها. ثم يذكر العبارة على سبيل الحكاية، لا على سبيل الرواية أو الإسناد، والإدراج فيها واضح. وحقيقة في البدء اضطرب عندي الأمر وأنا أنظر في هذه العبارة المقحمة، ثم وجدت بعد أن اعتدت على أسلوب المصنف ﵀، أن هذه العبارات مقحمة من الناسخ، وهذا يرد عند النسّاخ فعله وهو لا يخفى بعد التأمل.
ثالثا: بل ربما لا يخفى على الناظر، أن الإمام أبي إسحاق الثعلبي أنه ينقل من تفسير الإمام الطبراني، أو من تفسير من نقل عنه، حتى أنه يكاد يأتي بالعبارة نفسها، أو بالآثار ونصوص الأحاديث ذاكرا الإسناد، وكل من أتى بعد الثعلبي كان يشير إلى تفسير الثعلبي حين ينقل عنه بقولهم: (قال الثعلبي) كما هو معروف في كتب التفسير كالجامع لأحكام القرآن وغيره على سبيل الرواية والإسناد إليه، لا على سبيل الحكاية والمثال أنه كذا في تفسير الثعلبي أو غيره من كتب التفسير، وهذا مما ينبغي ملاحظته عند المحقق أو التحقيق.
رابعا: ويلاحظ في هامش التفسير تعليقات القاضي عبد الصمد وهي كثيرة تكاد تكون في غالب صفحات المخطوط، وعلى ما يبدو لي أن الناسخ أو دارس المخطوط قد نقل من تفسير عبد الصمد ونسب القول إليه، كما في سائر نقولاته على هامش المخطوط، إذ أنه يحيل النص في الهامش ويعزوه إلى قائله، وهذا هو الراجح، حيث أنه أشار إلى نقولات من تفسير الكشاف والبيضاوي والقرطبي وعبد الصمد. كل ذلك في الهامش مما يدل على أنه ينقل عنهم ويراجع فيهم وينظر، وهو ما يؤكد أن التفسير ليس كما قال الأستاذ باجس من أنه تفسير
[ ١ / ٨٣ ]
لعبد الصمد الغزنوي، وإلا ما احتاج أن ينقل منه في الهامش ويشير إليه في إحالاته.
وعلى هذا يرجح خطأ نسبة المخطوط إلى القاضي عبد الصمد والراجح أن الناسخ أو مالك المخطوط نقل عنه وعن غيره في الهامش وهو يدرس الكتاب أو يدرّسه، وهذا راجح كثيرا مما يؤكد خطأ استنتاج الأستاذ باجس وربما تعجله في هذه الملحوظة.
الوجه الثالث: مقارنة الكتاب بالنسخ الأخرى:
أشار الباحث إلى نسخ أخرى لتفسير الإمام الغزنوي، وحاولنا الحصول عليها ولم يتسن لنا حتى الآن الحصول عليها، ونحن نراسل الجهات المعنية لأجل ذلك (^١).
والملاحظ هنا وحتى لا نتأخر في نشر الكتاب ما يأتي:
أولا: إن الباحث أشار إلى عدة نسخ مجتزءات، وأشار إلى نسخة كاملة من التفسير يتكون المجلد الأول من (٤٩٤) ورقة والمجلد الثاني والثالث كل منهما من (٤٠٠) ورقة، وكتب الأول والثاني سنة (٩٣٥ هـ) والثالث سنة (٩٣٦) هـ ومجموع ورقات المخطوط (١٢٩٤) ورقة، وهو سفر ضخم يكاد يكون حجمه
_________________
(١) تم بحمد الله تعالى وتوفيقه الحصول على مخطوطة (تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء) للإمام أبي الفتح عبد الصّمد بن محمود بن يونس الغزنويّ والموجودة في مكتبة المصغرات الفيلمية في قسم المخطوطات في عمادة شئون المكتبات في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. ورقمها في القسم [٢/ ٤٤٨٧] ورقم الحاسب (٢١/ ٤٠٤) والمكتوبة بخط مغربي وعدد الأوراق (٢٥٩) وعدد الأسطر (١٧) ومصدرها المغرب-فاس-مكتبة القرويّين. وقد قمنا بمقارنة تفسير الطبراني بتفسير الغزنوي فوجدناهما مختلفين اختلافا كليا، شكلا ومضمونا، وثبت لدينا بالقطع أن هذا غير ذاك. ولقد كنا قبل حصولنا على تفسير الغزنوي قد أكدنا على نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إلى مصنفة الإمام الحافظ أبي القاسم سليمان الطبراني وذلك من خلال توثيق الناسخ لهذه النسبة من جهة، ومن جهة أخرى إثبات مذهب الإمام الطبراني وعقيدته، ومن جهة ثالثة فلقد أكدنا مرارا أن محتوى التفسير الذي بين أيدينا والمنسوب إلى الإمام الطبراني لا يدل ولا يتفق مع اسم تفسير الغزنوي والذي يطلق عليه اسم"تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء"ومعلوم أن الاسم يدل على المسمى. والآن وقد وفقنا الله تعالى وأرشدنا إلى تفسير الغزنوي وأصبح بين أيدينا كلا التفسيرين، نكون بذلك أنهينا الجدل وقطعنا الشك باليقين حول نسبة كتاب"التفسير الكبير"لصاحبه الإمام الحفاظ أبي القاسم سليمان الطبراني والحمد لله كثيرا على هذا التوفيق (الناشر).
[ ١ / ٨٤ ]
ثلاث مرات حجم المخطوط الذي بين أيدينا، ومهما كان حجم الورقة، وإن أغفله الباحث، ولكن المقدر أنه نفس الحجم المعروف (٣١*٢١) سم الذي لمثله يلجأ النسّاخ، وهذا مما يشكك الناظر في توافق المخطوطتين على أنهما تحملان محتوى واحدا.
ثانيا: وعلى هذا فإن الراجح نسبة الكتاب إلى الإمام الطبراني كما هو في أصل المخطوط، حيث إن الآثار تدل على ذاتها، وتنسب الى صفتها، وهذا المخطوط يعزو نفسه الى الإمام الطبراني كما هو مدون عليه، فالأصل أن تبقى هذه النسبة وتعزز بهذا الأثر ما لم يأت دليل مقنع يدحظها، استصحابا للحال المذكور، فيبقى الأصل على ما وثق، والله المستعان. وجزى الله خيرا جميع الباحثين لخدمة هذا الدين في جميع المجالات، وجزى الله خيرا الباحث إبراهيم باجس على ما أثاره من جدل موضوعي حول هذه المخطوطة، ورأينا صواب يحتمل الخطأ، والأمور تقوم بشواهدها، والأخبار تصدق بشهودها، وما نقل إلينا من هذه المخطوطة عن طريق واحد، تدل على نسبة الكتاب للإمام الطبراني.
وعلى هذا يتبين أن نسبة الكتاب إلى الإمام الطبرانيّ من خلال توثيق الناسخ في المخطوطة. ونسأل الله ﷿ أن يعيننا على إثبات نسبته أكثر في طبعات قادمة (^١).