فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك ونفاق وأصل المرض الضعف والخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان وسمي الشك في الدين والنفاق مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا يعني أن الآيات كانت تنزل تترى، أي آية بعد آية فلما كفروا بآية ازدادوا بعد ذلك كفرا ونفاقا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر، وقرئ بالتخفيف أي بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني المنافقين وقيل اليهود والمعنى إذا قال لهم المؤمنون لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ يعني يقولونه كذبا إِلَّا كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ يعني في الأرض بالكفر وهو أشد الفساد وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وذلك لأنهم يظنون أن ما هم عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد.
وقيل لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني المنافقين وقيل اليهود آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعني المهاجرين والأنصار. وقيل عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب، والمعنى أخلصوا في إيمانكم كما أخلص هؤلاء في إيمانهم لأن المنافقين كانوا يظهرون الإيمان قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أي الجهال. فإن قلت كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء. قلت كانوا يظهرون هذا
[ ٢٧ ]
القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بذلك فرد الله ذلك عليهم بقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يعني الجهال. وأصل السفه خفة العقل ورقة العلم وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء رؤساء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ يعني أنهم كذلك. قوله تعالى:
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار قالُوا آمَنَّا كإيمانكم وَإِذا خَلَوْا أي رجعوا. وقيل هو من الخلوة إِلى قيل بمعنى الباء أي ب شَياطِينِهِمْ وقيل بمعنى مع أي مع شياطينهم والمراد بشياطينهم رؤساؤهم وكهنتهم قال ابن عباس وهم خمسة نفر: كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة وأبو بردة من بني أسلم، وعبد الدار في جهينة وعوف بن عامر في بني أسد وعبد الله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلّا ومعه شيطان تابع لهم، وقيل لهم رؤساؤهم الذين شابهوا الشياطين في تمردهم قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على دينكم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي بمحمد وأصحابه بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن شرهم ونقف على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن أبي لأصحابه انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا يا ابن عم رسول الله ﷺ وختمه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ. فقال له علي: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق فإن المنافقين شر خليقة الله. فقال مهلا يا أبا الحسن إني لا أقول هذا نفاقا والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم تفرقوا فقال عبد الله لأصحابه كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا.