أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)
أَوَلا يَعْلَمُونَ يعني اليهود أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ أي ما يخفون وَما يُعْلِنُونَ أي ما يبدون وما يظهرون. قوله ﷿: وَمِنْهُمْ أي من اليهود أُمِّيُّونَ أي لا يحسنون الكتابة ولا القراءة جمع أمي وهو المنسوب إلى أمه كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ جمع أمنية وهي التلاوة، ومنه قول الشاعر:
تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل
أي تلا كتاب الله. وقال ابن عباس ﵄: معناه غير عارفين بمعاني كتاب الله تعالى وقيل الأماني الأحاديث الكاذبة المختلفة وهي الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم وأضافوها إلى الله تعالى وذلك من تغيير نعت النبي ﷺ وصفته وغير ذلك، وقيل: هو من التمني وهو قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً وغير ذلك مما تمنوه فعلى هذا يكون المعنى لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي على يقين فَوَيْلٌ الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة وأصلها في اللغة العذاب والهلاك وقال ابن عباس: الويل شدة العذاب وعن أبي سعيد الخدري. قال قال رسول الله ﷺ: «الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. الخريف سنة لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ تأكيد للكتابة لأنه يحتمل أن يأمر غيره بأن يكتب فقال: بأيديهم لنفي هذه الشبهة والمراد بالذين يكتبون الكتاب اليهود وذلك أن رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم حين قدم النبي ﷺ المدينة فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة فغيروها، وكانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة فغيروا ذلك وكتبوا مكانه طوال أزرق العينين سبط الشعر
[ ٥٦ ]
فكانوا إذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرءوا عليهم ما كتبوا ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني هذه الصفة التي كتبوها. فإذا نظروا إلى النبي ﷺ وإلى تلك وجدوه مخالفا لها فيكذبونه ويقولون إنه ليس به لِيَشْتَرُوا بِهِ أي بما كتبوا ثَمَنًا قَلِيلًا أي المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من سفلتهم، قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ. قوله ﷿: