وفيه مسائل لفظ الجلالة علم لا مشتق:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ الْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، وَحُجَجٌ:
الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكَانَ مَعْنَاهُ مَعْنًى كُلِّيًّا لَا يَمْنَعُ نَفْسَ مَفْهُومِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَقَّ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ شَيْءٌ مَا مُبْهَمٌ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ وَهَذَا الْمَفْهُومُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ قَوْلُنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَوْحِيدًا حَقًّا مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا
[ ١ / ١٤٣ ]
كَانَ قَوْلُنَا: «اللَّهُ» غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ كَثِيرَةٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَوْلُنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَحَيْثُ أَجْمَعَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» يُوجِبُ التَّوْحِيدَ الْمَحْضَ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَنَا:
«اللَّهُ» اسْمُ عَلَمٍ مَوْضُوعٍ لِتِلْكَ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَقَّةِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ ذَاتًا مُعَيَّنَةً ثُمَّ يَذْكُرَهُ بِالصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اسْمَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَ الِاسْمِ الصِّفَاتِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ الْفَقِيهُ النَّحْوِيُّ الْأُصُولِيُّ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ أَوَّلًا لَفْظَةَ اللَّهُ ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ صِفَاتِ الْمَدَائِحِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْحَكِيمُ، وَلَا يَعْكِسُونَ هَذَا فَلَا يَقُولُونَ: الْعَالِمُ الْقَادِرُ اللَّهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» اسْمُ عَلَمٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؟ [إِبْرَاهِيمَ: ١، ٢] قُلْنَا: هَاهُنَا قِرَاءَتَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ اللَّهُ بِالرَّفْعِ، وَحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤَالُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ مُبْتَدَأً فَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ جَعْلِهِ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ فَهُوَ نَظِيرٌ لِقَوْلِنَا: هَذِهِ الدَّارُ مِلْكٌ لِلْفَاضِلِ الْعَالِمِ زَيْدٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ زَيْدٍ صِفَةً لِلْعَالِمِ الْفَاضِلِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ مِلْكٌ لِلْعَالِمِ الْفَاضِلِ بَقِيَ الِاشْتِبَاهُ فِي أَنَّهُ مَنْ ذَلِكَ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ؟ فَقِيلَ عَقِيبَهُ زَيْدٌ، لِيَصِيرَ هَذَا مُزِيلًا لِذَلِكَ الِاشْتِبَاهِ، وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ اسْمُ الْعَلَمِ صَارَ صِفَةً فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مَرْيَمَ ٦٥] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الصِّفَةُ وَإِلَّا لَكَذَبَ قَوْلُهُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اسْمَ الْعَلَمِ، فَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ اسْمَ عَلَمٍ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَّا قَوْلُنَا اللَّهُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ اسْمَ عَلَمٍ بِوُجُوهٍ وَحُجَجٍ: - الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ [الْأَنْعَامِ: ٣] وَقَوْلُهُ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: ٢٥٥] فَإِنَّ قَوْلَهُ: «اللَّهُ» لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ عَلَمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ زَيْدٌ فِي الْبَلَدِ، وَهُوَ بَكْرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ فِي الْبَلَدِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يُعْتَرَضُ عَلَى قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ الضَّمِيرَ لَا يَقَعُ مَوْصُوفًا وَلَا صِفَةً، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ صِفَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اسْمَ عَلَمٍ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اسْمَ الْعَلَمِ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِشَارَةِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مُمْتَنِعَةً فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ اسْمُ الْعَلَمِ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّهِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اسْمَ الْعَلَمِ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِيَتَمَيَّزَ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ يُشْبِهُهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَاهِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا كَانَ الْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الِاسْمِ الْعَلَمِ مُحَالًا فِي حَقِّهِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى أَنْ يُقَالَ: هَذَا زَيْدٌ الَّذِي/ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ؟ وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الِاسْمَ الْعَلَمَ هُوَ الَّذِي وُضِعَ لِتَعْيِينِ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى مُشَارًا إِلَيْهِ بِالْحِسِّ أَمْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ ذَكَرُوا فِيهِ فُرُوعًا: - الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، سَوَاءٌ عُبِدَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى المعبود
[ ١ / ١٤٤ ]
بِالْحَقِّ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَكُونُ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ، وَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَبُ إِلَّا بِالْمُرَجَّحِ، فَكُلُّ الْمُمْكِنَاتِ إِنَّمَا وُجِدَتْ بِإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ إِمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِوَاسِطَةٍ، فَجَمِيعُ مَا حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِنْ أَقْسَامِ النِّعَمِ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ أَنَّ غَايَةَ الْإِنْعَامِ صَادِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَالْعِبَادَةُ غَايَةُ التَّعْظِيمِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ غَايَةَ التَّعْظِيمِ لَا يَلِيقُ إِلَّا لِمَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ غَايَةُ الْإِنْعَامِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
الْفَرْعُ الثَّانِي: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يعبد الله لطلب الثواب وهو جهل وسحف، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِيَتَوَصَّلَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ كَانَ الْمَعْبُودُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ كَانَ مَعْبُودُهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الثَّوَابُ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى وَسِيلَةً إِلَى الْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْبُودِ، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أُصَلِّي لِطَلَبِ الثَّوَابِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِغَرَضٍ آخَرَ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ الْغَرَضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَتَرَكَ الْوَاسِطَةَ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِلْأَجْرِ وَالثَّوَابِ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحِبًّا لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ رَاغِبًا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لِغَرَضٍ أَعْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَشَرَّفَ بِخِدْمَةِ الله، لأنه إذا شرع في فِي الصَّلَاةِ حَصَلَتِ النِّيَّةُ فِي الْقَلْبِ، وَتِلْكَ النِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَحَصَلَ الذِّكْرُ فِي اللِّسَانِ، وَحَصَلَتِ الْخِدْمَةُ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَيَتَشَرَّفُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَبْدِ بِخِدْمَةِ اللَّهِ، فَمَقْصُودُ الْعَبْدِ حُصُولُ هَذَا الشَّرَفِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَوْثَانَ عُبِدَتْ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ آلِهَةً. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْجَمَادَاتِ وَالْبَهَائِمِ، مَعَ أَنَّ صُدُورَ الْعِبَادَةِ مِنْهَا مُحَالٌ. الثَّالِثُ:
أَنَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْمَجَانِينِ وَالْأَطْفَالِ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَصْدُرُ/ الْعِبَادَةُ عَنْهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَعْبُودَ لَيْسَ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا صِفَةٌ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا إِلَّا أَنَّهُ مَذْكُورٌ بِذِكْرِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ، وَمَعْلُومٌ بِعِلْمِهِ، وَمُرَادٌ خِدْمَتُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا تَكُونُ الْإِلَهِيَّةُ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى. الْخَامِسُ: يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْإِلَهُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْمَعْبُودِ، بَلِ الْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَهًا لِلْجَمَادَاتِ وَالْبَهَائِمِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى أَفْعَالٍ لَوْ فَعَلَهَا لَاسْتَحَقَّ الْعِبَادَةَ مِمَّنْ يَصِحُّ صُدُورُ الْعِبَادَةِ عَنْهُ، وَاعْلَمْ أَنَّا إِنْ فَسَّرْنَا الْإِلَهَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَكُنْ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ، وَلَوْ فَسَّرْنَاهُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ كَانَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ.
التَّفْسِيرُ الثَّانِي: الْإِلَهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ: سَكَنْتُ إِلَيْهِ، فَالْعُقُولُ لَا تَسْكُنُ إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ وَالْأَرْوَاحُ لَا تَعْرُجُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَمَالَ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ، وَمَا سِوَى الْحَقِّ فَهُوَ نَاقِصٌ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الْمُمْكِنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ مَعْدُومٌ، وَالْعَدَمُ أَصْلُ النُّقْصَانِ وَالنَّاقِصُ بِذَاتِهِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِتَكْمِيلِ الْكَامِلِ بِذَاتِهِ، فَإِذَا كَانَ الْكَامِلُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ وَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ كَامِلٌ لِذَاتِهِ وَجَبَ كَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ لَا يَقِفُ عِنْدَ نَفْسِهِ، بَلْ يَبْقَى مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ نَفْسِهِ بَلْ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوَاجِبِ لِذَاتِهِ لَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ في الوجود
[ ١ / ١٤٥ ]
الْخَارِجِيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْوُجُودِ الْعَقْلِيِّ، فَالْعُقُولُ مُتَرَقِّبَةٌ إِلَى عَتَبَةِ رَحْمَتِهِ وَالْخَوَاطِرُ مُتَمَسِّكَةٌ بِذَيْلِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ عَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: ٢٨] .
التَّفْسِيرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلَهِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ قِسْمَانِ: وَاصِلُونَ إِلَى سَاحِلِ بَحْرِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَحْرُومُونَ، فَالْمَحْرُومُونَ قَدْ بَقُوا فِي ظُلُمَاتِ الْحَيْرَةِ وَتِيهِ الْجَهَالَةِ فَكَأَنَّهُمْ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ، وَأَمَّا الْوَاجِدُونَ فَقَدْ وَصَلُوا إِلَى عَرْصَةِ النُّورِ وَفُسْحَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، فَتَاهُوا فِي مَيَادِينِ الصَّمَدِيَّةِ، وَبَادُوا فِي عَرْصَةِ الْفَرْدَانِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَالِهُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الْإِلَهُ الْحَقُّ لِلْخَلْقِ هُوَ هُوَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ تَسَابَقَتْ فِي مَيَادِينِ التَّوْحِيدِ وَالتَّمْجِيدِ فَبَعْضُهَا تَخَلَّفَتْ وَبَعْضُهَا سَبَقَتْ فَالَّتِي تَخَلَّفَتْ بَقِيَتْ فِي ظُلُمَاتِ الْغُبَارِ وَالَّتِي سَبَقَتْ وَصَلَتْ إِلَى عَالَمِ الْأَنْوَارِ، فَالْأَوَّلُونَ بَادُوا فِي أَوْدِيَةِ الظُّلُمَاتِ، وَالْآخَرُونَ طَاشُوا فِي أَنْوَارِ عَالَمِ الْكَرَامَاتِ.
التَّفْسِيرُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ لَاهَ إِذَا ارْتَفَعَ، وَالْحَقُّ ﷾ هُوَ الْمُرْتَفِعُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمُمْكِنَاتِ وَمُنَاسِبَةِ الْمُحْدَثَاتِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْكَامِلَ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْأَحَدُ الْحَقُّ فِي هُوِيَّتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْمُوجِدُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَأَيْضًا فَهُوَ تَعَالَى مُرْتَفِعٌ عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ارْتِفَاعَهُ بِحَسَبِ الْمَكَانِ، لِأَنَّ كُلَّ ارْتِفَاعٍ حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَكَانِ فَهُوَ لِلْمَكَانِ بِالذَّاتِ وَلِلْمُتَمَكِّنِ بِالْعَرْضِ، لِأَجْلِ حُصُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمَا بِالذَّاتِ أَشْرَفُ مِمَّا بِالْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الِارْتِفَاعُ بِسَبَبِ الْمَكَانِ لَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَعْلَى وَأَشْرَفَ مِنْ ذَاتِ الرَّحْمَنِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا عَلِمْنَا أَنَّهُ ﷾ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ الْمَكَانِ، وَأَشْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَصَلَ فِي عَالَمِ الْإِمْكَانِ.
التَّفْسِيرُ الْخَامِسُ: مِنْ أَلِهَ فِي الشَّيْءِ إِذَا تَحَيَّرَ فِيهِ وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِ، فَالْعَبْدُ إِذَا تَفَكَّرَ فِيهِ تَحَيَّرَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَخَيَّلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَتَصَوَّرُهُ فَهُوَ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْعَقْلُ وُجُودَهُ كَذَّبَتْهُ نَفْسُهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ، وَحُصُولُ الْمُحْتَاجِ بِدُونِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مُحَالٌ، وَإِنْ أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ يَضْبُطُهُ الْحِسُّ وَالْخَيَالُ وَقَالَ إِنَّهُ هُوَ كَذَّبَتْهُ نَفْسُهُ أَيْضًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَضْبُطُهُ الْحِسُّ وَالْخَيَالُ فَأَمَارَاتُ الْحُدُوثِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِ الْعَقْلِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالْوُجُودِ وَالْكَمَالِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنِ الإدراك، فههنا الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَوْقِفٌ عَجِيبٌ تَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ فِيهِ وَتَضْطَرِبُ الْأَلْبَابُ فِي حَوَاشِيهِ.
التَّفْسِيرُ السَّادِسُ: مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إِذَا احْتَجَبَ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُحْتَجِبًا مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بِكُنْهِ صَمَدِيَّتِهِ مُحْتَجِبٌ عَنِ الْعُقُولِ. الثَّانِي: أَنْ لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي وَسَطِ الْفَلَكِ غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ كَانَتِ الْأَنْوَارُ بَاقِيَةً عَلَى الْجُدْرَانِ غَيْرَ زَائِلَةٍ عَنْهَا، فَحِينَئِذٍ كَانَ يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَارَ الْوَاقِعَةَ عَلَى هَذِهِ الْجُدْرَانِ ذَاتِيَّةٌ لَهَا، إِلَّا لَمَّا شَاهَدْنَا أَنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ وَعِنْدَ غَيْبَتِهَا تَزُولُ هَذِهِ الْأَنْوَارُ عَنْ هَذِهِ الْجُدْرَانِ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَارَ فَائِضَةٌ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَكَذَا هَاهُنَا الْوُجُودُ الْوَاصِلُ إِلَى جَمِيعِ عَالَمِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ جَنَابِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنُّورِ الْوَاصِلِ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ كَانَ يَصِحُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الطُّلُوعُ وَالْغُرُوبُ وَالْغَيْبَةُ وَالْحُضُورُ لَكَانَ عِنْدَ غُرُوبِهِ يَزُولُ ضَوْءُ الْوُجُودِ عَنِ الْمُمْكِنَاتِ، فَحِينَئِذٍ كَانَ يَظْهَرُ أَنَّ نُورَ الْوُجُودِ مِنْهُ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغُرُوبُ وَالطُّلُوعُ عَلَيْهِ مُحَالًا لَا جَرَمَ خَطَرَ بِبَالِ بَعْضِ النَّاقِصِينَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَوْجُودَةٌ بِذَوَاتِهَا وَلِذَوَاتِهَا،
[ ١ / ١٤٦ ]
فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِاحْتِجَابِ نُورِهِ إِلَّا كَمَالُ نُورِهِ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: سُبْحَانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، وَاخْتَفَى عَنْهَا بِكَمَالِ نُورِهِ/ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُحْتَجِبَةٌ عَنِ الْعُقُولِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: مَحْجُوبَةٌ لِأَنَّ الْمَحْجُوبَ مَقْهُورٌ، وَالْمَقْهُورُ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ، أَمَّا الْحَقُّ فَقَاهِرٌ، وَصِفَةُ الِاحْتِجَابِ صِفَةُ الْقَهْرِ فَالْحَقُّ مُحْتَجِبٌ، وَالْخَلْقُ مَحْجُوبُونَ.
التَّفْسِيرُ السَّابِعُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ الْفَصِيلُ إِذَا وَلِعَ بِأُمِّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَ مُولَهُونَ مُولَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَقَعَ فِي بَلَاءٍ عَظِيمٍ وَآفَةٍ قَوِيَّةٍ فَهُنَالِكَ يَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، فَإِذَا تَخَلَّصَ عَنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ وَعَادَ إِلَى مَنَازِلِ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ أَخَذَ يُضِيفُ ذَلِكَ الْخَلَاصَ إِلَى الْأَسْبَابِ الضَّعِيفَةِ وَالْأَحْوَالِ الْخَسِيسَةِ، وَهَذَا فِعْلٌ مُتَنَاقِضٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُخَلِّصُ عَنِ الْآفَاتِ وَالْمُوَصِّلُ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرَ اللَّهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْبَلَاءِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مُصْلِحُ الْمُهِمَّاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا الْفَزَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ عِنْدَ الرَّاحَاتِ فَلَا يَلِيقُ بِأَرْبَابِ الْهِدَايَاتِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّاحَةَ مَطْلُوبٌ مِنَ اللَّهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحْسِنَ فِي الظَّاهِرِ إِمَّا اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَذَلِكَ الْغَيْرُ لَا يُحْسِنُ إِلَّا إِذَا خَلَقَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ دَاعِيَةَ الْإِحْسَانِ، فَالْحَقُّ ﷾ هُوَ الْمُحْسِنُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمُحْسِنُ مَرْجُوعٌ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَالْخَلْقُ مَشْغُوفُونَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ.
شَكَا بَعْضُ الْمُرِيدِينَ مِنْ كَثْرَةِ الْوِسْوَاسِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: كُنْتُ حَدَّادًا عَشْرَ سِنِينَ، وَقَصَّارًا عَشَرَةً أُخْرَى، وَبَوَّابًا عَشَرَةً ثَالِثَةً، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، قَالَ: فَعَلْتُ وَلَكِنَّكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، أَمَا عَرَفْتُمْ أَنَّ الْقَلْبَ كَالْحَدِيدِ؟
فَكُنْتُ كَالْحَدَّادِ أُلَيِّنُهُ بِنَارِ الْخَوْفِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَرَعْتُ فِي غَسْلِهِ عَنِ الْأَوْضَارِ وَالْأَقْذَارِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ جَلَسْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَةِ الْقَلْبِ عَشَرَةً أُخْرَى سَالًّا سَيْفَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ، وَلَمْ أَزَلْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا خَلَتْ عَرْصَةُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوِيَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ سَقَطَتْ مِنْ بِحَارِ عَالَمِ الْجَلَالِ قَطْرَةٌ مِنَ النُّورِ فَغَرِقَ الْقَلْبُ فِي تِلْكَ الْقَطْرَةِ، وَفَنِيَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلَّا مَحْضُ سِرِّ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
التَّفْسِيرُ الثَّامِنُ: أَنَّ اشْتِقَاقَ لَفْظِ «الْإِلَهُ» مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إِذَا فَزِعَ مِنْ أَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَأَلَهَهُ أَيْ أَجَارَهُ، وَالْمُجِيرُ لِكُلِّ الْخَلَائِقِ مِنْ كُلِّ الْمَضَارِّ هُوَ اللَّهُ ﷾، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٨] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النَّحْلِ: ٥٣] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُطْعِمُ/ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: ١٤] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النِّسَاءِ: ٨٧] فَهُوَ ﷾ قَهَّارٌ لِلْعَدَمِ بِالْوُجُودِ وَالتَّحْصِيلِ، جَبَّارٌ لَهَا بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّكْمِيلِ، فَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ سِوَاهُ.
وَهَاهُنَا لَطَائِفُ وَفَوَائِدُ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: عَادَةُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ إِذَا رَأَى صَاحِبَ الدَّيْنِ مِنَ الْبُعْدِ فَإِنَّهُ يَفِرُّ مِنْهُ، وَاللَّهُ الْكَرِيمُ يَقُولُ: عِبَادِي: أَنْتُمْ غُرَمَائِي بِكَثْرَةِ ذُنُوبِكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَفِرُّوا مِنِّي، بَلْ أَقُولُ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: ٥٠] فَإِنِّي أَنَا الَّذِي أَقْضِي دُيُونَكُمْ وَأَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ، وَأَيْضًا الْمُلُوكُ يُغْلِقُونَ أَبْوَابَهُمْ عَنِ الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، وَأَنَا أَفْعَلُ ضِدَّ ذَلِكَ.
[ ١ / ١٤٧ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:
قَالَ ﷺ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَيَتَرَاحَمُونَ، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَأَقُولُ: إِنَّهُ ﷺ إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْهِيمِ، وَإِلَّا فَبِحَارُ الرَّحْمَةِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ تَحْدِيدُهَا بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:
قَالَ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُذْنِبِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَفَضْلَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ مَغْفِرَتِي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَنْشُرُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ هَلْ ظَلَمَكَ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ كَانَ لَكَ عُذْرٌ فِي عَمَلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَضَعُ ذَلِكَ الْعَبْدُ قَلْبَهُ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ لَكَ عِنْدِي حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِطَاقَةً فِيهَا:
«أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَيَقُولُ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ تَقَعُ هَذِهِ الْبِطَاقَةُ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَتُوضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَلَا يَثْقُلُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ شَيْءٌ.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:
وَقَفَ صَبِيٌّ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي مَنْ يَزِيدُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَبَصُرَتْ بِهِ امْرَأَةٌ فَعَدَتْ إِلَى الصَّبِيِّ وَأَخَذَتْهُ وَأَلْصَقَتْهُ إِلَى بَطْنِهَا، ثُمَّ أَلْقَتْ ظَهْرَهَا عَلَى الْبَطْحَاءِ وَأَجْلَسَتْهُ عَلَى بَطْنِهَا تَقِيهِ الْحَرَّ، وَقَالَتْ: ابْنِي، ابْنِي، فَبَكَى النَّاسُ وَتَرَكُوا مَا هُمْ فِيهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَعَجِبْتُمْ مِنْ رَحْمَةِ/ هَذِهِ بِابْنِهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْحَمُ بِكُمْ جَمِيعًا مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِابْنِهَا، فَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْفَرَحِ وَالْبِشَارَةِ.
أصل لفظ الجلالة:
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ اشْتِقَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، بَلْ عِبْرَانِيَّةً أَوْ سُرْيَانِيَّةً، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِلَهًا رَحْمَانًا وَمُرْحِيَانًا، فَلَمَّا عُرِّبَ جُعِلَ «اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُشَابَهَةِ الْحَاصِلَةِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ الطَّعْنُ فِي كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَرَبِيَّةً أَصْلِيَّةً، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مَرْيَمَ: ٦٥] وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَفْظَةُ «اللَّهُ» وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَقَدْ سَلَّمُوا كَوْنَهَا لَفْظَةً عَرَبِيَّةً، أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ، وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَلَهُمْ قَوْلَانِ: قَالَ الْكُوفِيُّونَ:
أَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِلَاهُ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَيْهَا لِلتَّعْظِيمِ، فَصَارَ الْإِلَاهُ، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ اسْتِثْقَالًا، لِكَثْرَةِ جَرَيَانِهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَاجْتَمَعَ لَامَانِ، فَأُدْغِمَتِ الْأُولَى فَقَالُوا: «اللَّهُ» وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ أَصْلُهُ لَاهَ، فَأَلْحَقُوا بِهَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ فَقِيلَ: «اللَّهُ» وَأَنْشَدُوا: -
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رَبَاحٍ يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكِبَارُ
فَأَخْرَجَهُ عَلَى الْأَصْلِ.
[ ١ / ١٤٨ ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْخَلِيلُ: أَطْبَقَ جَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ ﷾، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا الْإِلَهُ مَخْصُوصٌ بِهِ ﷾، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يُطْلِقُونَ اسْمَ الْإِلَهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّمَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ إِلَهُ كَذَا، أَوْ يُنْكِرُونَهُ فَيَقُولُونَ: إِلَهٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ قَوْمِ مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨] .
خواص لفظ الجلالة:
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِخَوَاصٍّ لَمْ تُوجَدْ فِي سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَيْهَا: فَالْخَاصَّةُ الْأُولَى: أَنَّكَ إِذَا حَذَفْتَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِكَ: «اللَّهُ» بَقِيَ الباقي على صورة «الله» وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْفَتْحِ: ٤] وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْمُنَافِقُونَ: ٧] وَإِنْ حَذَفْتَ عَنْ هَذِهِ الْبَقِيَّةِ اللَّامَ الْأُولَى بَقِيَتِ الْبَقِيَّةُ عَلَى صُورَةِ «لَهُ» كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزُّمَرِ: ٦٣] وَقَوْلِهِ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [التَّغَابُنِ: ١] فَإِنْ حَذَفْتَ اللَّامَ الْبَاقِيَةَ كَانَتِ الْبَقِيَّةُ هِيَ قَوْلُنَا: «هُوَ» وَهُوَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ: ١] وَقَوْلِهِ: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [غَافِرٍ: ٦٥] وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِهَا فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِنَّكَ تَقُولُ، هُمَا، هُمْ فَلَا تُبْقِي الْوَاوَ فِيهِمَا، فَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي لَفْظِ «اللَّهُ» غَيْرُ/ مَوْجُودَةٍ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ، وَكَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَقَدْ حَصَلَتْ أَيْضًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى، فَإِنَّكَ إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ بِالرَّحْمَنِ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَمَا وَصَفْتَهُ بِالْقَهْرِ، وَإِذَا دَعَوْتَهُ بِالْعَلِيمِ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْعِلْمِ، وَمَا وَصَفَتْهُ بِالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا إِذَا قُلْتَ يَا اللَّهُ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، لِأَنَّ الْإِلَهَ لَا يَكُونُ إِلَهًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَنَا اللَّهُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ.
الْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بِسَبَبِهَا يَنْتَقِلُ الْكَافِرُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا إِلَّا هَذَا الِاسْمُ، فَلَوْ أَنَّ الْكَافِرَ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الرَّحْمَنُ أَوْ إِلَّا الرَّحِيمُ، أَوْ إِلَّا الْمَلِكُ، أَوْ إِلَّا الْقُدُّوسُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ، أَمَّا إِذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكُفْرِ وَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الِاسْمِ بِهَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.