إشارات البسملة:
النُّكْتَةُ الْأُولَى:
مَرِضَ مُوسَى ﵇ وَاشْتَدَّ وَجَعُ بَطْنِهِ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّهُ عَلَى عُشْبٍ فِي الْمَفَازَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَعُوفِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ عَاوَدَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَكَلَ ذَلِكَ الْعُشْبَ فَازْدَادَ مَرَضُهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَكَلْتُهُ أَوَّلًا فَانْتَفَعْتُ بِهِ، وَأَكَلْتُهُ ثَانِيًا فَازْدَادَ مَرَضِي، فَقَالَ: لِأَنَّكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ذَهَبْتَ مِنِّي إِلَى الْكَلَأِ فَحَصَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ذَهَبْتَ مِنْكَ إِلَى الْكَلَأِ فَازْدَادَ الْمَرَضُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا سُمٌّ قَاتِلٌ وَتِرْيَاقُهَا اسْمِي؟.
/ الثَّانِيَةُ: بَاتَتْ رَابِعَةُ لَيْلَةً فِي التَّهَجُّدِ وَالصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْفَجَرَ الصُّبْحُ نَامَتْ، فَدَخَلَ السَّارِقُ دَارَهَا وَأَخَذَ ثِيَابَهَا، وَقَصَدَ الْبَابَ فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْبَابِ، فَوَضَعَهَا فَوَجَدَ الْبَابَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنُودِيَ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ: ضَعِ الْقُمَاشَ وَاخْرُجْ فَإِنْ نَامَ الْحَبِيبُ فَالسُّلْطَانُ يَقْظَانُ.
الثَّالِثَةُ: كَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَرْعَى غَنَمًا وَحَضَرَ فِي قَطِيعِ غَنَمِهِ الذِّئَابُ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ أَغْنَامَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَنَادَاهُ: مَتَى اصْطَلَحَ الذِّئْبُ وَالْغَنَمُ؟ فَقَالَ الرَّاعِي: مِنْ حِينِ اصْطَلَحَ الرَّاعِي مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ) مَعْنَاهُ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَسْقَطَ مِنْهُ قَوْلَهُ: «أَبْدَأُ» تَخْفِيفًا، فَإِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ فَكَأَنَّكَ قَلْتَ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَوَّلِ مَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ كَانَ مَدَارُ أَمْرِهِ عَلَى التَّسْهِيلِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا لَكَ جَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى الصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ.
الْخَامِسَةُ:
رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِلَهِيَّةَ بَنَى قَصْرًا وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ (بِسْمِ اللَّهِ) عَلَى بَابِهِ الْخَارِجِ، فَلَمَّا ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُوسَى ﵇ وَدَعَاهُ فَلَمْ يَرَ بِهِ أَثَرَ الرُّشْدِ قَالَ: إِلَهِي كَمْ أَدْعُوهُ وَلَا أَرَى بِهِ خَيْرًا، فَقَالَ تَعَالَى: يَا مُوسَى، لَعَلَّكَ تُرِيدُ إِهْلَاكَهُ، أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى كُفْرِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى مَا كَتَبَهُ عَلَى بَابِهِ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ مَنْ كَتَبَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى بَابِهِ الْخَارِجِ صَارَ آمِنًا مِنَ الْهَلَاكِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَالَّذِي كَتَبَهُ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟.
[ ١ / ١٥٢ ]
السَّادِسَةُ: سَمَّى نَفْسَهُ رَحْمَانًا رَحِيمًا فَكَيْفَ لَا يَرْحَمُ؟ رُوِيَ أَنَّ سَائِلًا وَقَفَ عَلَى بَابٍ رَفِيعٍ فَسَأَلَ شَيْئًا فَأُعْطِيَ قَلِيلًا، فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِفَأْسٍ وَأَخَذَ يُخَرِّبُ الْبَابَ فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْبَابُ لَائِقًا بِالْعَطِيَّةِ أَوِ الْعَطِيَّةُ لَائِقَةً بِالْبَابِ. إِلَهَنَا إِنَّ بِحَارَ الرَّحْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَحْمَتِكَ أَقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، فَكَمَا أَلْقَيْتَ فِي أَوَّلِ كِتَابِكَ عَلَى عِبَادِكَ صِفَةَ رَحْمَتِكَ فَلَا تَجْعَلْنَا مَحْرُومِينَ عَنْ رَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ.
السَّابِعَةُ: «اللَّهُ» إِشَارَةٌ إِلَى الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعُلُوِّ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ مِنْ قَهْرِهِ.
الثَّامِنَةُ: كَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ لِبَعْضِ عَبِيدِ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ إِذَا اشْتَرَوْا شَيْئًا مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَضَعُوا عَلَيْهَا سِمَةَ الْمَلِكِ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهَا الْأَعْدَاءُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ لِطَاعَتِكَ عَدُوًّا وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَإِذَا شَرَعْتَ فِي عَمَلٍ فَاجْعَلْ عَلَيْهِ سِمَتِي، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهَا.
التَّاسِعَةُ: اجْعَلْ نَفْسَكَ قَرِينَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا تَبْعُدَ عَنْهُ فِي الدَّارَيْنِ،
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ خَاتَمَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَقَالَ: اكْتُبْ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى النَّقَّاشِ وَقَالَ: اكْتُبْ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَتَبَ النَّقَّاشُ فِيهِ ذَلِكَ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخَاتَمِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَأَى النَّبِيُّ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا هَذِهِ الزَّوَائِدُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَضِيتُ أَنْ أُفَرِّقَ اسْمَكَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَمَا قُلْتُهُ، وَخَجِلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اسْمُ أَبِي بَكْرٍ فَكَتَبْتُهُ أَنَا لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ أَنْ يُفَرِّقَ اسْمَكَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ فَمَا رَضِيَ اللَّهُ أَنْ يُفَرِّقَ اسْمَهُ عَنِ اسْمِكَ،
وَالنُّكْتَةُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا لَمْ يَرْضَ بِتَفْرِيقِ اسْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اسْمِ اللَّهِ ﷿ وَجَدَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُفَارِقِ الْمَرْءُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى؟.
الْعَاشِرَةُ: أَنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا رَكِبَ السَّفِينَةَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هُودٍ: ٤١] فَوَجَدَ النَّجَاةَ بِنِصْفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ طُولَ عُمْرِهِ كَيْفَ يَبْقَى مَحْرُومًا عَنِ النَّجَاةِ؟ وَأَيْضًا أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ نَالَ مَمْلَكَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النَّمْلِ:
٣٠] فَالْمَرْجُوُّ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَهُ فَازَ بِمُلْكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمَانُ ﵇ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ بِلْقِيسَ لَمَّا وَجَدَتْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مَوْضُوعًا عَلَى وِسَادَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَيْهَا طَرِيقٌ وَرَأَتِ الْهُدْهُدَ وَاقِفًا عَلَى طَرَفِ الْجِدَارِ عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَأَخَذَتِ الْكِتَابَ وَقَالَتْ:
إِنَّهُ مِنْ سلميان، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ وَرَأَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَتْ: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ مِنْ كَلَامِ بِلْقِيسَ لَا كَلَامِ سُلَيْمَانَ: الثَّانِي: لَعَلَّ سُلَيْمَانَ كَتَبَ عَلَى عُنْوَانِ الْكِتَابِ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَفِي دَاخِلِ الْكِتَابِ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ الْكِتَابَ قَرَأَتْ مَا فِي عُنْوَانِهِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ قَرَأَتْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَتْ: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الثَّالِثُ: أَنَّ بِلْقِيسَ كَانَتْ كَافِرَةً فَخَافَ سُلَيْمَانُ أَنْ تَشْتُمَ اللَّهَ إِذَا نَظَرَتْ فِي الْكِتَابِ فَقَدَّمَ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَكُونَ الشَّتْمُ لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
[ ١ / ١٥٣ ]
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْبَاءُ مِنْ «بِسْمِ» مُشْتَقٌّ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ الْبَارُّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَجَلُّ بِرِّهِ وَكَرَامَتِهِ أَنْ يُكْرِمَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرُؤْيَتِهِ.
مَرِضَ لِبَعْضِهِمْ جَارٌ يَهُودِيٌّ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ لِلْعِيَادَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أَسْلِمْ، فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قُلْتُ: مِنْ خَوْفِ النَّارِ قَالَ: لَا أُبَالِي بِهَا، فَقُلْتُ: لِلْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ: لَا أُرِيدُهَا، قُلْتُ: فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ يُرِيَنِي وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، قُلْتُ: أَسْلِمْ عَلَى أَنْ تَجِدَ هَذَا الْمَطْلُوبَ، فَقَالَ لِي: اكْتُبْ بِهَذَا خَطًّا، فَكَتَبْتُ لَهُ بِذَلِكَ خَطًّا فَأَسْلَمَ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ، فَرَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ يَتَبَخْتَرُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَمْعُونُ، مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قال: غفر لي، وقال لي: أسلمت شوقًا إِلَيَّ.
وَأَمَّا السِّينُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِهِ السَّمِيعِ، يَسْمَعُ دُعَاءَ الْخَلْقِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى.
رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ خَرَجَ مَعَ مُنَافِقٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ فَبَلَغَا خَرِبَةً فَقَالَ الْمُنَافِقُ نَدْخُلُ هَاهُنَا وَنَسْتَرِيحُ، فَدَخَلَا وَنَامَ زَيْدٌ فَأَوْثَقَ الْمُنَافِقُ زَيْدًا وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ زَيْدٌ: لِمَ تَقْتُلُنِي؟ قَالَ: لِأَنَّ مُحَمَّدًا يُحِبُّكَ وَأَنَا أُبْغِضُهُ، فَقَالَ زَيْدٌ: يَا رَحْمَنُ أَغِثْنِي، فَسَمِعَ الْمُنَافِقُ صَوْتًا يَقُولُ: وَيْحَكَ لَا تَقْتُلْهُ، فَخَرَجَ مِنَ الْخَرِبَةِ وَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَرَجَعَ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَسَمِعَ صَائِحًا أَقْرَبَ مِنَ الْأَوَّلِ يَقُولُ: لَا تَقْتُلْهُ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا، فَرَجَعَ الثَّالِثَةَ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَسَمِعَ صَوْتًا قَرِيبًا يَقُولُ: لَا تَقْتُلْهُ، فَخَرَجَ فَرَأَى فَارِسًا مَعَهُ رُمْحٌ فَضَرَبَهُ الْفَارِسُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ الْخَرِبَةَ وَحَلَّ وِثَاقَ زَيْدٍ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا جِبْرِيلُ حِينَ دَعَوْتَ كُنْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالَ اللَّهُ ﷿: (أَدْرِكْ عَبْدِيَ)، وَفِي الثَّانِيَةِ كُنْتُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَفِي الثَّالِثَةِ بَلَغْتُ إِلَى الْمُنَافِقِ.
وَأَمَّا الْمِيمُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى مُلْكَهُ وَمِلْكَهُ.
قَالَ السُّدِّيُّ: أَصَابَ النَّاسُ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْ خَرَجْتَ بِالنَّاسِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، فَخَرَجُوا وَإِذَا بِنَمْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى رِجْلَيْهَا بَاسِطَةٍ يَدَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا غِنَى لِي عَنْ فَضْلِكَ، قَالَ: فَصَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ ﵇: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ بِدُعَاءِ غَيْرِكُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: «اللَّهُ» فَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنِّي أَقُولُ طُولَ حَيَاتِي اللَّهُ، فَإِذَا مِتُّ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا سُئِلْتُ فِي الْقَبْرِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جِئْتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا أَخَذْتُ الْكِتَابَ أَقُولُ اللَّهُ وَإِذَا وُزِنَتْ أَعْمَالِي أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جُزْتُ الصِّرَاطَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ قَلْتُ اللَّهُ. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فَاطِرٍ: ٣٢] فَقَالَ: أَنَا اللَّهُ لِلسَّابِقِينَ، الرَّحْمَنُ لِلْمُقْتَصِدِينَ، الرَّحِيمُ لِلظَّالِمِينَ، وَأَيْضًا اللَّهُ هُوَ مُعْطِي الْعَطَاءَ، وَالرَّحْمَنُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ زَلَّاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالرَّحِيمُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنِ الْجَفَاءِ، وَمِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ أَعْلَمُ مِنْكَ مَا لَوْ عَلِمَهُ أَبَوَاكَ لَفَارَقَاكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْمَرْأَةُ لَجَفَتْكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْأَمَةُ لَأَقْدَمَتْ عَلَى الْفِرَارِ مِنْكَ، وَلَوْ عَلِمَهُ الْجَارُ لَسَعَى فِي تَخْرِيبِ الدَّارِ، وَأَنَا أَعْلَمُ كُلَّ ذلك وَأَسْتُرُهُ بِكَرَمِي لِتَعْلَمَ أَنِّي إِلَهٌ كَرِيمٌ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اللَّهُ يُوجِبُ وِلَايَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَقَرَةِ: ٢٥٦] وَالرَّحْمَنُ يُوجِبُ
[ ١ / ١٥٤ ]
مَحَبَّتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [مَرْيَمَ: ٩٦] وَالرَّحِيمُ يُوجِبُ رَحْمَتَهُ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الْأَحْزَابِ: ٤٣] .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ:
قَالَ ﵊: مَنْ رَفَعَ قِرْطَاسًا مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» إِجْلَالًا لَهُ تَعَالَى كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ، وَخُفِّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ،
وَقِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرُوفَةٌ،
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِذَا تَوَضَّأْتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّ حَفَظَتْكَ لَا تَبْرَحُ أَنْ تَكْتُبَ لَكَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَفْرَغَ، وَإِذَا غَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّ حفظتك يكتبون لَكَ الْحَسَنَاتُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا» .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجن والعورات بَنِي آدَمَ إِذَا نَزَعُوا ثِيَابَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
وَالْإِشَارَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا صَارَ هَذَا الِاسْمُ حِجَابًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَعْدَائِكَ مِنَ الْجِنِّ فِي الدُّنْيَا أَفَلَا يَصِيرُ حِجَابًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الزَّبَانِيَةِ فِي الْعُقْبَى؟» .
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ ﵁ أَنَّ بِي صُدَاعًا لَا يَسْكُنُ فَابْعَثْ لِي دَوَاءً، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَلَنْسُوَةً فَكَانَ إِذَا وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ يَسْكُنُ صُدَاعُهُ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ عَاوَدَهُ الصُّدَاعُ، فَعَجِبَ مِنْهُ فَفَتَّشَ الْقَلَنْسُوَةَ فَإِذَا فِيهَا كَاغِدٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ:
قَالَ ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ عَلَى الْوُضُوءِ طُهُورًا لِكُلِّ الْبَدَنِ فَذِكْرُهُ عَنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ طُهُورًا لِلْقَلْبِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: طَلَبَ بَعْضُهُمْ آيَةً مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ: إِنَّكَ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ فَأَرِنَا آيَةً لِنُسْلِمَ، فَقَالَ:
ائْتُونِي بِالسُّمِّ الْقَاتِلِ، فَأُتِيَ بِطَاسٍ مِنَ السُّمِّ، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَكَلَ الْكُلَّ وَقَامَ سَالِمًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْمَجُوسُ هَذَا دِينُ حَقٍّ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ:
مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ عَلَى قَبْرٍ فَرَأَى مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ يُعَذِّبُونَ مَيِّتًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ حَاجَتِهِ مَرَّ عَلَى الْقَبْرِ فَرَأَى مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ مَعَهُمْ أَطْبَاقٌ مِنْ نُورٍ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَلَّى وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا عِيسَى، كَانَ هَذَا الْعَبْدُ عَاصِيًا وَمُذْ مَاتَ كَانَ مَحْبُوسًا فِي عَذَابِي، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ امْرَأَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَرَبَّتْهُ حَتَّى كَبِرَ، فَسَلَّمَتْهُ إِلَى الْكُتَّابِ فَلَقَّنَهُ المعلم بسم الله الرحمن الرحيم، فاستحيت مِنْ عَبْدِي أَنْ أُعَذِّبَهُ بِنَارِي فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَوَلَدُهُ يَذْكُرُ اسْمِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
الْعِشْرُونَ: سُئِلَتْ عَمْرَةُ الْفَرْغَانِيَّةُ- وَكَانَتْ مِنْ كِبَارِ الْعَارِفَاتِ- مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ مَنْهِيَّانِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ دُونَ التَّسْمِيَةِ فَقَالَتْ: لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ذِكْرُ اسْمِ الْحَبِيبِ وَالْحَبِيبُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَبِيبِ.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: قِيلَ فِي قَوْلِهِ: «الرَّحِيمِ» هُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ بِهِمْ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ فِي الْقَبْرِ وَحَشَرَاتِهِ، وَالْقِيَامَةِ وَظُلُمَاتِهِ، وَالْمِيزَانِ وَدَرَجَاتِهِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ وَفَزَعَاتِهِ، وَالصِّرَاطِ وَمَخَافَاتِهِ وَالنَّارِ وَدَرَكَاتِهِ.
[ ١ / ١٥٥ ]
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: كَتَبَ عَارِفٌ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ فَائِدَةٍ لَكَ فِيهِ فَقَالَ: أَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِلَهِي بَعَثْتَ كِتَابًا وَجَعَلْتَ عُنْوَانَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَعَامِلْنِي بِعُنْوَانِ كِتَابِكَ.
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: قِيلَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَفِيهِ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الزَّبَانِيَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَدْفَعُ بَأْسَهُمْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، الثَّانِيَةُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ سَاعَةً، ثُمَّ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي خَمْسِ سَاعَاتٍ فَهَذِهِ الْحُرُوفُ التِّسْعَةَ عَشَرَ تَقَعُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي تَقَعُ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ.
الرَّابِعَةَ وَالْعِشْرُونَ: لَمَّا كَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ لَمْ يُكْتَبْ فِي أَوَّلِهَا/ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَيْضًا السُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ «بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» وَلَا يُقَالُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» لِأَنَّ وَقْتَ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ لَا يَلِيقُ بِهِ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا وَفَّقَكَ لِذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَا خَلَقَكَ لِلْقَتْلِ وَالْعَذَابِ، وَإِنَّمَا خَلَقَكَ لِلرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، والله تعالى الهادي إلى الصواب.