وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)
فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنْ فِي الْإِنْسِ مَنْ آمَنَ وَفِيهِمْ مَنْ كَفَرَ، بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ الْجِنَّ فِيهِمْ مَنْ آمَنَ وَفِيهِمْ مَنْ كَفَرَ، وَأَنَّ مُؤْمِنَهُمْ مُعَرَّضٌ لِلثَّوَابِ، وَكَافِرَهُمْ مُعَرَّضٌ لِلْعِقَابِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ:
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتِ الْجِنُّ تَسْتَمِعُ فَلَمَّا رُجِمُوا قَالُوا: هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاءِ إِنَّمَا حَدَثَ لِشَيْءٍ فِي الْأَرْضِ فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ السَّبَبَ، وَكَانَ قَدِ اتُّفِقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَيِسَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُجِيبُوهُ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ بِبَطْنِ نَخْلٍ قَامَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرَ، فَمَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنْ أَشْرَافِ جِنِّ نَصِيبِينَ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ بَعَثَهُمْ لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ الَّذِي أَوْجَبَ حِرَاسَةَ السَّمَاءِ بِالرَّجْمِ، فَسَمِعُوا الْقُرْآنَ وَعَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يُنْذِرَ الْجِنَّ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْرَأَ
[ ٢٨ / ٢٧ ]
عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَصَرَفَ اللَّهُ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ لِيَسْتَمِعُوا مِنْهُ الْقُرْآنَ وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ: نُقِلَ عَنِ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِهِ الْجِنَّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودًا، لِأَنَّ فِي الْجِنِّ مِلَلًا كَمَا فِي الْإِنْسِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، وَأَطْبَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ، سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ لِلْجِنِّ ثَوَابٌ؟ فَقَالَ نَعَمْ لَهُمْ ثَوَابٌ وَعَلَيْهِمْ عِقَابٌ، يَلْتَقُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَزْدَحِمُونَ عَلَى أَبْوَابِهَا الْفَرْعُ الثَّانِي: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ»: النَّفَرُ دُونَ الْعَشْرَةِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَنْفَارٍ، ثُمَّ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُولَئِكَ الْجِنَّ كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إِلَى قومهم، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة، وَعَنْ قَتَادَةَ ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ صُرِفُوا إِلَيْهِ مِنْ سَاوَةَ الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ وَالرِّوَايَاتُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ وَمَشْهُورَةٌ الْفَرْعُ الرَّابِعُ:
رَوَى الْقَاضِي فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِبَالِ مَكَّةَ إِذْ أَقْبَلُ شَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عُكَّازَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِشْيَةُ جِنِّيٍّ وَنَغْمَتُهُ، فَقَالَ أَجَلْ، فَقَالَ مَنْ أَيِّ الْجِنِّ أَنْتَ؟ فَقَالَ أَنَا هَامَةُ بن هيم بن لا قيس بْنِ إِبْلِيسَ، فَقَالَ لَا أَرَى بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ إِلَّا أَبَوَيْنِ فَكَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ فَقَالَ أَكَلْتُ عُمْرَ الدُّنْيَا إِلَّا أَقَلَّهَا، وَكُنْتُ وَقْتَ قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ أَمْشِي بَيْنَ الْآكَامِ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِمَّا مَرَّ بِهِ، وَذَكَرَ فِي جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ: قَالَ لِي عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأَقْرِئُهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقَدْ بَلَّغْتُ سَلَامَهُ وَآمَنْتُ بِكَ، فَقَالَ ﵇، وَعَلَى عِيسَى السَّلَامُ، وَعَلَيْكَ يَا هَامَةُ مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ إِنْ مُوسَى ﵇ عَلَّمَنِي التَّوْرَاةَ، وَعِيسَى عَلَّمَنِي الْإِنْجِيلَ، فَعَلِّمْنِي الْقُرْآنَ، فَعَلَّمَهُ عَشْرَ سُوَرٍ، وَقُبِضَ ﷺ ولم ينعه»
قل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَا أَرَاهُ إِلَّا حَيًّا وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْجِنِّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا لَمْ يَقْصِدُ الرَّسُولُ ﷺ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلًا وَدَاعِيَةً إِلَى اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ:
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ قالُوا أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنْصِتُوا أَيْ اسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، يُقَالُ أَنْصَتَ لِكَذَا وَاسْتَنْصَتَ لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يُنْذِرُونَهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَدْعُونَ غَيْرَهُمْ إِلَى اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ إِلَّا وَقَدْ آمنوا، فعنده قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى وَوَصَفُوهُ بِوَصْفَيْنِ الْأَوَّلُ: كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُتُبَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَالْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ الْأَخْلَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْكِتَابُ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّانِي: قَوْلُهُ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ الْأَوَّلَ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ يُمَاثِلُ سَائِرَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالْوَصْفُ الثَّانِي يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حَقَّةٍ صِدْقٍ فِي أَنْفُسِهَا، يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ بِصَرِيحِ عَقْلِهِ كَوْنَهَا كَذَلِكَ، سَوَاءٌ وَرَدَتِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِهَا أَوْ لَمْ تَرِدْ، فَإِنْ قَالُوا كَيْفَ قَالُوا مِنْ بَعْدِ مُوسى؟ قُلْنَا قَدْ نَقَلْنَا عَنِ الْحَسَنِ أنَّهُ قَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجِنَّ مَا سَمِعَتْ أَمْرَ عِيسَى فَلِذَلِكَ قَالُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى، ثُمَّ إِنَّ الْجِنَّ لَمَّا وَصَفُوا الْقُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ قَالُوا يا
[ ٢٨ / ٢٨ ]
قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلِ الْمُرَادُ بِدَاعِي اللَّهِ الرَّسُولُ أَوِ الْوَاسِطَةُ الَّتِي تُبَلِّغُ عَنْهُ؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ هُوَ الرَّسُولُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْجِنِّ كَمَا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْإِنْسِ قَالَ مُقَاتِلٌ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَبْلَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أَمْرٌ بِإِجَابَتِهِ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ إِلَّا أَنَّهُ أَعَادَ ذِكْرَ الْإِيمَانِ عَلَى التَّعْيِينِ، لِأَجْلِ أَنَّهُ أَهَمُّ الْأَقْسَامِ وَأَشْرَفُهَا، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ يَذْكُرُ اللَّفْظَ الْعَامَّ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ أَشْرَفَ أَنْوَاعِهِ كَقَوْلِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [الْبَقَرَةِ: ٩٨] وَقَوْلِهِ وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الْأَحْزَابِ: ٧] وَلَمَّا أَمَرَ بِالْإِيمَانِ بِهِ ذَكَرَ فَائِدَةَ ذَلِكَ الْإِيمَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قال بعضهم كلمة مِنْ هاهنا زَائِدَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: يَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَقِيلَ بَلِ الفائدة فيه أن كلمة مِنْ هاهنا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ ابْتِدَاءُ الْغُفْرَانِ بِالذُّنُوبِ، ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى غُفْرَانِ مَا صَدَرَ عَنْكُمْ مِنْ تَرْكِ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجِنَّ هَلْ لَهُمْ ثَوَابٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ لَا ثَوَابَ لَهُمْ إِلَّا النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ كُونُوا تُرَابًا مِثْلَ الْبَهَائِمِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ بَنِي آدَمَ فَيَسْتَحِقُّونَ الثَّوَابَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِقَابَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ مُنَاظَرَةٌ، قَالَ الضَّحَّاكُ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هذا القول أن كل دليل عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوَابَ عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ فِي حَقِّ الْجِنِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْجَنِّيَّ لَمَّا أَمَرَ قَوْمَهُ بِإِجَابَةِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ به حذرهم من تلك تِلْكَ الْإِجَابَةِ فَقَالَ: وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أَيْ لَا يُنْجِي مِنْهُ مَهْرَبٌ وَلَا يَسْبِقُ قَضَاءَهُ سَابِقٌ، وَنَظِيُرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا [الْجِنِّ: ١٢] وَلَا نَجِدُ لَهُ أَيْضًا وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَلَا دَافِعًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ثُمَّ بيّن أنهم في ضلال مبين.