بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)
يَعْنِي لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُكُمْ لِمَا ذَكَرْتُمْ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ وَأَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أي ظننتم أنهم لا ينقلبون ولا يرجعون، وقوله وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني ظَنَنْتُمْ أَوَّلًا، فَزَيَّنَ الشَّيْطَانُ ظَنَّكُمْ عِنْدَكُمْ حَتَّى قَطَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ، وَيَضُمُّ إِلَيْهَا مُخَايَلَةً يَقْطَعُ بِهَا الْغَافِلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَشُكُّ فِيهَا الْعَاقِلُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أن يكون هذا العطف عطفا يفيد
_________________
(١) سبق أن عبر المفسر عنه بقوله (الفرق الفارق) فلعلها مصحفة هنا للفائق، وهذا معنى مناسب أيضا.
[ ٢٨ / ٧٤ ]
الْمُغَايَرَةَ، فَقَوْلُهُ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ غَيْرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ بَلْ ظَنَنْتُمْ وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ الثَّانِي مَعْنَاهُ: وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ، أَوْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الرَّسُولَ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ظَنِّ أَنْ لَا يَنْقَلِبُوا، وَيَكُونُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَلِمْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَعَلِمْتُ كَذَا، أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا غَيْرُهَا، وَذَلِكَ كَأَنَّهُ قَالَ: بَلْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ. وَظَنُّكُمْ ذَلِكَ فَاسِدٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا التَّحْقِيقَ فِي ظَنِّ السُّوءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: وَصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ بَائِرِينَ هَالِكِينَ وثانيها: أَنْتُمْ فِي الْأَصْلِ بَائِرُونَ وَظَنَنْتُمْ ذَلِكَ الظَّنَّ الفاسد. ثم قال تعالى: