إما أن يكون في لغتين نحو " الصقر " للبن إذا بلغ الحموضة في لغة أكثر العرب و" الصقر " للدبس في لغة أكثر أهل المدينة، وإما أن يكون أحدهما منقولًا عن الآخر أو مستعارًا، والفرق بينهما: أن المنقول هو الذي ينقله أهل صناعة ما عن المعنى المصطلح عليه أولًا إلى معنى آخر قد تفردوا بمعرفته، فيبقى من بعد مشتركًا بين المعنيين وعلى ذلك الألفاظ الشرعية نحو الصلاة
[ ٣ ]
والزكاة، والألفاظ التي يستعملها الفقهاء والمتكلمون والنحويون، وأما المستعار: فالأسم الموضوع لمعنى فتستعيره لمعنى آخر له اسم وضعي غيره، فتستعمله فيه لمةاصلة توجد بين المعنيين كتسميتها الشجاع بالأسد، والبليد بالحمار.
والفرق بين حكم المنقول والمستعار أن المنقول شرطه أن يتبع فيه أهل تلك الصناعة والمستعار لكل أحد أن يستعير فيستعمله إذا قصد معنى صحيحًا، فيكون متضمنًا لمعنى التشبيه نحو أن تقول: ركبت " برقًا "، فتعني به فرسًا كالبرق سرعة، ورأيت بحرًا، أي سخيًا كالبحر، وأما المشتق: فشرطه أن يشارك المشتق منه في حروفه الأصلية ويوجد فيه ببعض معناه، ويخالفه إما في الحركات نحو " ضَرَبَ " و" ضُرِبَ " أو في الزوائد من الحروف نحو " ضَرَبَ " وضارب و" استضرب " أو في التقدير نحو " المختار " إذا كان فاعلًا أو مفعولًا وسائر ما تقدم.
فقد بان بهذه الجملة أنواع مفردات الألفاظ وما يقع فيه الاشتباه، وأما المركب من اللفظ: فما ركب من هذه الثلاثة، والتركيب على ضربين: تركيب يحصل به جملة مفيدة، وذلك: إما " من " اسمين أو " من " اسم وفعل، أو تقدير ذلك.
وتركيب لا يحصل به ذلك، ويكون إما من اسمين يجعلان اسمًا واحدًا، نحو خمسة عشر، وبعلبك، أو اسم مضاف إلى اسم نحو عبد الملك، أو اسم وفعل نحو: تأبط شرًا، أو اسم وحرف نحو " سيبويه "، أو فعل وحرف نحو " هلم " أو حرفين نحو " إنما " أو من جمل الكلام، وذلك لا يكون إلا بحذف بعضها نحو " بسملة "، و" حيعلة "، و" حوقلة " في قولهم: بسم الله، وحي على الصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله - وجميع ما يقع فيه الشبهة من الكلام المركب لا يخلو: إما أن يكون لشيء يرجع إلى مفردات الكلام وذلك على
[ ٤ ]
التفصيل المتقدم، وأما لشيء لا يرجع إلى ذلك، وذلك لا يخلو إما أن يكون من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، فأما ما كان من جهة المعنى: فلا سبيل إلى إزالته بتغيير العبارات وذاك أن المعاني ضربان، جلي وغامض، فالجليُّ: ما يمكن إدراكه بأدنى تأمل، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وأما الغامض: فعلى ثلاثة أضرب، الأول: أن يكون المعنى في نفسه خفيًا، نحو الكلام في صفات الباري - سبحانه - ونفى التشبيه عنه، والثاني: أن يكون الكلام أصلًا يشتمل على فروع تتشعب منه كالآيات الدالة على الأحكام، والثالث: أن يكون مثلًا وإيماء، كقولهم: " الصَّيفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ "، وذلك لأن ظاهرة ينبئ عن شيء والمقصود غيره، وذلك في القرآن كقصة موسى مع الخضر في كسر السفينة، وقتل النفي الزكية بغير نفس، وإقامة جدار من غير نفع ظاهر، وكقصة الخصمين " إذ دخلو على داود ففزع منهم "، وكقوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، واللفظ أيضًا ضربان: لفظُ جليَّ، وهو أن يقع كيفيات الله للفظ وكمياته على حسب ما يجب نحو " قوله تعالى ": ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولفظ غامض، وذلك من ثلاثة أوجةٍ، إما من جهة الكيفية، وذلك بتقديم ما يقدر تأخيره.
[ ٥ ]
أو تأخير ما يقدر تقديمه نحو قول الشاعر:
وَمَا مِثُلُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ مُمَلَّكًا
أَبُو أُمَّهِ حَيُّ أًبُوُه يُقَارِبُهْ
وعب ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وأما من جهة الكمية، وذلك إما من جهة البسط في الكلام، أو من جهة الحذف والإيجاز، فما كان من جهة البسط فكقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وما كان من جهة الإيجاز والحذف، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وأما من جهة الإضافة، وذلك بحسب اعتبار حال المخاطب نحو قولك: أفعل في الطلب والشفاعة والأمر