المعجزات التي أتى بها الأنبياء - ﵈ - ضربان: حسي وعقلي: فالحسي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، وكوفان نوح، ونار إبراهيم وعصى موسى - ﵈ - والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضًا وتصريحًا، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم، فأما الحسي: فيشترك في إدراكه العامة والخاصة، وهو أوقع عند طبقات العامة، وأخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلا أنه لا يكاد يفرق - بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرًا، أو سببًا اتفاقيًا، أو مواطأة، أو احتيالًا هندسيًا، أو تمويهًا وافتعالًا - إلا
[ ٤٢ ]
ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء، وأما العقلي: فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة، والإفهام الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم إدراك الحق.
وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيًا لبلادتهم، وقلة بصيرتهم.
وأكثر معجزات هذه الأمة عقليًا لذكائهم وكمال افهمامهم التي صاروا بها كالأنبياء، ولذلك قال ﵊: " كَاَدتْ أُمَّتِي أن تَكُونَ أَنْبِيَاءَ ".
ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرضة للنسخ، وكانت العقليات باقية غير مبتذلة، جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية.
وما أتى به النبي - ﷺ - من معجزاته الحسية، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجئ الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحابه، وأما العقليات: فمن تفكر فيما أورده - ﷺ - من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة، اطلع على أشياء عجيبة، ومما خصه الله تعالى به من المعجزات القرآن: وهو آية حسية عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، ودعاهم ليلًا ونهارًا مع كونهم أولى بسطه في البيان إلى معارضته بنحو قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ادعوا من استطعتم﴾ وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
فجعل عجزهم علمًا للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، وبذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾، وتارة يقولون: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وترة يصفونه بأنه ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وتارة يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
[ ٤٣ ]
جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، وترة يقولون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ كل ذلك عجزًا عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنه عورض فلم ينقل، " فالنفوس " مهتزة لنقل مادق زجل، وقد رأينا كتبًا كثيرًا صنفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت.
وهذه الجملة المذكورة، وإن كانت دالة على كون القرآن معجزًا، فليس بمقنع إلا بتبيين فصلين: أحدهما: أن يبين ما الذي هو معجز: أهو اللفظ، أم المعنى، أم النظم؟ أم ثلاثتها؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة.
والثاني: أن المعجز: هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام.
فأما ما كان نوعه مقدورًا، فمحله محل الأفضل، " وما كان من باب الأفضل " في النوع، فإنه لا يحسم نسبة ما دونه إليه.
وإن تباعدت النسبة حتى صارت جزءًا من ألف، فإن النجار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزًا.
إذا استطاع غيره جنس فعله، فنقول وبالله التوفيق: إن الإعجاز " قد ذكر " في القرآن " على وجهين: أحدهما: إعجاز متعلق بفصاحة، والثاني: بصرف الناس عن معارضته: فأما الإعجاز المتعلق بالفصاحة: فليس يتعلق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، وذلك أن الفاظه ألفاظهم، ولذلك قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ تنبيهًا على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام.
ولا يتعلق أيضًا بمعانيه، فإن كثيرًاَ منها موجود في " الكتب المتقدمة " ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وقال ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وما هو معجز فيه من جهة المعنى، كالإخبار بالغيب فإعجازه ليس برجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبرًا بالغيب، وذلك سواء كونه النظم أو بغيره.
وسواء كان موردًا بالفارسية أو بالعربية أو بلغة أخرى أو بإشارة أو بعبارة.
فإذا بالنظم المخصوص صار القرآن قرآنا.
كما أنه بالنظم المخصوص صار الشعر شعرًا، أو الخطبة خطبة.
[ ٤٤ ]
فالنظم صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره، كالخاتم والقرط والخلخال تختلف أحكامها وأسماؤها باختلاف صورها لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضة، فإذا ثبت [هذا ثبت] أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بالنظم المخصوص.
وبيان كونه معجزًاَ هو أن نبين نظم الكلام، ثم نبين أن هذا النظم مخالف لنظم سائره، فنقول: لتأليف الكلام خمس مراتب: الأولى: ضم حروف التهجي بعضها إلى بعض، حتى يتركب منها الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف.
والثانية: أن يؤلف بعض ذلك مع بعض حتى يتركب منها لجمل المفيدة، وهي النوع الذي يتداوله الناس جميعًا في مخاطباتهم، وقضاء حوائجهم، ويقال له: المنثور من الكلام، والثالثة: أن يضم بعض ذلك إلى بعض ضمًا له مبادئ ومقاطع، ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم، والرابعة: أن يجعل له في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له: المسجع.
الخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن مخصوص، ويقال له الشعر.
وقد انتهى.
وبالحق صار كذلك: فإن الكلام إما منثور فقط، أو مع النثر نظم، أو مع النظم سجع، أو مع السجع وزن، والمنظوم: إما محاورة، ويقال لها: الخطابة، وإما مكاتبة، ويقال لها: الرسالة، وأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة.
ولكن من ذلك نظم مخصوص.
والقرآن حاو لمحاسن جميعه بنظم ليس هو نظم شيء منها بدلالة أنه لا يصح أن يقال: القرآن رسالة، أو خطابة، أو شعر، كما يصح أن يقال: هو كلام، ومن قرع سمعه فصل بينه وبين سائر النظم.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ تنبيهًا على أن تأليفه ليس [على] هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر،
فإن قيل: ولمَ لمْ يتبع نظم القرآن الوزن الذي هو الشعر، وقد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون، إذ كل موزون منظوم وليس كل منظوم موزونًا؟ قيل: إنما جنب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصية في
[ ٤٥ ]
الشعر منافية للحكمة الإلاهية، فإن القرآن هو مَقَرُّ الصدق، ومَعْدِنُ الحق.
وقصوى الشاعر تصوير الباطل في صورة الحق، وتجاوز الحد في المدح والذم دون استعمال الحق في تحري الصادق، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرى الحق إلا بالعرض.
ولهذا يقال: من كانت قوته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر، ومن كانت قوته العاقلة فيه أكثر فيه كان في قرضه أقصر.
ولأجل كون الشعر مقر الكذب، نزه الله نبيه - ﵊ - عنه لما كان مرشحًا لصدق المقال، وواسطة بين الله وبين العباد، فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، فنفى ابتغاءه له.
وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ أي: ليس بقول كاذب.
ولم يعن أن ذلك ليس بشعر، فإن وزن الشعر أهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه.
ولأجل شهرة الشعر بالكذب، سمي أصحاب البراهين الأقسية المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعري، وما وقع في القرآن من الألفاظ متزنة، فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالانفاق، وقد تكلم الناس فيه.
وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته، فظاهر أيضًا إذا اعتبر، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعله من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة، إلا وبينها وبين قوم مناسبات خفية، واتفاقات الإهية بدلالة أن الواحد فالواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب، ويتعاطاها بانشراح صدر.
وقد تضمن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقول النبي - ﷺ -: " أعْملُوا فَكُلَّ مَّيَسًّر لما خلُقِ لَهُ "، فلما رؤي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم، وقد دعا الله جماعتهم إلى معارضة القرآن وأعجزهم عن الإتيان بمثله، وليس تهتز غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا إلهيًا يصرفهم عن ذلك وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مُخيرةً في الظاهر أن يعارضوه، ومُجْبَرةً في الباطن عن ذلك.
وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام:
فَإِنْ نَكُ أَهّمَلْنَا فَأَضْعِفْ بِسَعْينَا
وإَن نَكُ أُجْبِرنْاَ فَفيِم نُتَعْتِعُ
والله ولي التوفيق [والعصمة]
[ ٤٦ ]