الحقيقة مشتقة من الحق، والحق يستعمل على وجهين: أحدهما: في الموجود الذي وجوده بحسب مقتضى الحكمة بنحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، والحساب حق، والثاني: للاعتقاد المطابق لوجود الشيء نفسه، أو في القول المطابق لمعنى الشيء الذي هو عليه نحو أن يقال: إن اعتقاد فلان في البعث حق، وقوله في الثواب والعقاب حق، ويضاد " الحق "، الباطل، وإذا فهم الحق فهم الباطل، لأن العلم بالمتضادين واحد.
وأما الحقيقة: فإنها تستعمل في المعنى تارة، وفي اللفظ تارة: فأما استعمالها في المعنى: فعبارة عما ينبئ عن الحق ويدل عليه، ولذلك قال ﵊ لحارثة: لما قال: " أصبحت مؤمنًا حقًا: " قال: لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ " أي: ما الذي ينبئ عن ذلك؟ ".
ويستعمل في العمل والاعتقاد والخبر، فيقال: هذا فعل وخبرٌ وقول له حقيقة.
ويستعمل ضدها المجاز، والتسمح، والتوسع، فيقال: هذا فعل واعتقاد وخبر فيها تجُّوز وتسمُّح وتوسُّع ولا فرق " بين " أن يكون مثل هذا الخبر بلفظ مجاز أو لفظ حقيقة في أنه يقال هو حقيقة إذا كان مطابقًا لما عليه الشيء في نفسه.
وإذا استعملت في اللفظ، فالمراد به: اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة من غير نقل ولا زيادة ولا نُقصان، والمجاز على العكس من ذلك، كلاهما ضربان: أحدهما في
[ ١٥ ]
مفردات الألفاظ، والثاني في الجمل: فالمجاز في المفردات: إما أن يكون بنقل، نحو فلانٌ عظيم الحافز، ويراد به القدم، أو زيادة نحو أنظور في " انظر "، وأرأريت لو كان على أبيك دين فقضيتيه " أي قضيته " أو بنقصان نحو:
دَرَسَ المنا بُمتَالِعٍ فَأَبانٍ -، أي: المنازل.
وربما يكون اللفظ الواحد من وجه حقيقة، ومن وجه مجازًا، نحو قولهم: " فلانٌ عظيم الإقدام "، فمن حيث استعمل القدم حقيقة، ومن حيث أتى بلفظ الجمع مجاز، وأما المجاز في الجمل، فمن حيث هي جملة لا يكون إلا بحذف أو زيادة، أما الحذف: فما كان المحذوف منه شيئًا مستغني عنه لدلالة عليها، فذلك من الإيجاز نحو حذف المخبر " عنه " تارةً، والخبر تارةًَ، والمضاف تارة، والمضاف إليه تارة، والمفعول تارة، والفاعل تارة، وأمثلتها مشهورة يُستَغْنَى عن ذكرها.
وأما الزيادة: فلا شبهة أن كل زيادة تقتضي زيادة معنى، أو بسط مختصر، أو شرح مبهم، فإنها مستحسنة متى حصل فيها شرائط البلاغة، نحو ذكر " جبريل " و" ميكائيل " بعد ذكر " الملائكة "، وذكر " النخل " و" الرمان " بعد ذكر " الفاكهة "، وكذلك ما كان من نحو زيادة اللازم في " شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَه "، وأما المستنكر المستكره عند أكثر المحصلين - فكل زيادة ادُّعى فيها أن وجودها وعدمها سواء كما زعم بعضهم أن ذلك " كالكاف " في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ و" الوجه " في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: الله وقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، أي بالله، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، وكل ذلك يجيئ الكلام عليه في مواضعه في أنها ليست بزائدة، وأن
[ ١٦ ]
لها معاني صحيحة، وبعض الناس تَحَرَّوْا في آيات ذكرها الله تعالى على سبيل المثل تَطَّلب الحقائق، ورأوا أن ذلك المعنى إذا لم يكن له وجود " على سبيل " الحقيقة كان كذبًا، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، وقول إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ حتى إن بعضًا حمل قول النبي ﵇: " إِنَّ إِبْرَاهيِمّ لمْ يَكْذِبْ إلاَّ ثَلاَثَ كذباتٍ كلها يُمَاحِكُ بِهَا عَن دِيِنِه ".
قال: " إني سقيمٌ، وهذه أختي ويل فعله كبيرهم " على الحقيقة، وخفي عليه أن المذكور على وجه المثل إذا تُحرَّى به معنى صحيحُ لم يكن كذبًا، نحو قولنا لمن نحثه على عمل: " أِطَّري فِإنِك فِاعلَه " كما يقال لمن
[ ١٧ ]
تعاتبه في تضييع أمر وقع فيه " الصيف ضيعت اللبن " وأنكر بعضهم قول المفسرين: إن هذاكذا مضمر، وقال: الإضمار إنما يُسْتَعْمَلُ فيمن له قلب وخاطر والله تعالى منزةٌ عن ذلك، وليس يراد بالإضمار هذا المعنى، وإنما يعني أن بنية الكلام تؤدي معنى ذلك عن غير نطق به، نحو قولهم " أحشفًا وسوء كيلة " فإن هذا الكلام يقتضي أتجمع علىَّ، وبه مضمون الكلمة، وذلك معلوم للسامع ..
[ ١٨ ]