الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ومنه قيل لما ينبئ عنه البول تفسيره، وتسمى بها قارورة الماء.
وجُعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار، فيقل: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح، وسفرت البيت إذا كنسته ..
، والتأويل من آل يؤول:
[ ١٠ ]
إذا رجع، والتفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل: في المعاني كتأويل الرؤيا، والتأويل: يُستعمل أكثره في الكتب الإلهية، والتفسير يُستعمل فيها وفي غيرها، والتفسير: أكثر يُستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل أكثره " يُستعمل " في الجمل، فالتفسير: إما أن يُستعمل في غريب الألفاظ نحو " البحيرة " والسائبة " والوصيلة "، أو في " وجيز يبُبّنٌ ويُشرح " كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وإما في كلام مُضمنٍ بقصة لا يمكن تصوره " إلا " بمعرفتها نحو قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية
وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامًا ومرة خاصًا، نحو " الكفر " المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود الباري خاصة، و" الإيمان " المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق دين الحق تارة، وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفو نحو لفظة " وجد " المستعملة في الجدة والوجد والوجود.
والتأويل نوعان: مستكره ومنقاد: فالمستكره: ما يستبشع إذا سبُرّ بالحُجَّة، ويستقبح بالتدليسات المزخرفة الكزوجة " وذلك على أربعة أضرب:
الأول: أن يكون لفظ عام فيخصص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حمله بعض الناس على علي بن أبي طالب - ﵁ - فقط.
والثاني: أن يلفق بين اثنين نحو قول من زعم أن الجيوانات كلها مكلفة محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فدل بقوله " أمم أمثالكم " أنهم مكلفون كما نحن مكلفون،
[ ١١ ]
الثالث ما استعين فيه بخبر مزور أو كالمزور كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال بعضهم: عنى به الجارحة مستدلًا بحديثٍ موضوع، والرابع: ما يستعان فيه باستعاراتٍ واشتقاقاتٍ بعسدة، كما قاله بعض الناس في البقر: إنه " إنسان " يبقرُ عن أسرار العلوم، وفي الهدهد: إنه إنسان " موصوف " بجودة البحث والتنقير.
فالأول: أكثر ما يروج على المتفقة الذين لم يقووا في معرفة الخاص والعام.
والثاني على المتكلم الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم، والثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار، والرابع: على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات والمنقاد من التأويل: ما لا يعرض فيه البشاعة المتقدمة، وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم إحدى جهات ثلاث: إما لاشتراك في اللفظ: نحو قوله تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ هل هو من بصر العين، أو من بصر القلب؟ أو لأمر راجع إلى النظم نحو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ هل هذا الاستثناء مقصور على المعطوف، أو مردود إليه وإلى المعطوف عليه معًا؟ وإما لغموض المعنى ووجازة اللفظ، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ والوجوه التي يعتبر بها تحقيق أمثالها أن ينظر: فإن كان ما ورد فيه ذلك أمرًا أو نهيًا عقليًا فزع في كشفه إلى الأدلة العقلية، فقد حث تعالى على ذلك في قوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وإن كان أمرًا شرعيًا فزع في
[ ١٢ ]
كشفه إلى آية محكمة أو سنة مبينة، وإن كان من الأخبار الاعتقادية فزع إلى الحجج العقلية.
وإن كان من الأخبار الاعتبارية فزع فيه إلى الأخبار الصحيحة المشروحة في القصص.