لما كان المعنى الواحد يقرب من الأفهام بعبارات مختلفة لأغراض متفاوتة، وجب أن يبين الوجوه التي منها " تختلف " العبارات عن المعنى الواحد، فالمعنى الواحد قد يدل عليه بأشياء كثيرة: إما باسمه نحو " إنسان "، أو بنسبه نحو " آدمي " و" ولد حواء "، أو بإحدي خصائصه اللازمة له: نحو " المنتصب القامة " أو " الماشي برجليه " أو " العريض الأظفار "، وإما بفصله اللازم كقوله " الناطق "، " المائت "، وكما يبين الشيء بأوصاف كثيرة، كذلك قد يتبين باسماء كثيرة متضمنة لأوصاف مختلفة، كقولك في الجرم العلوي: " السماء " لما اعتبر ارتفاعها بالإضافة إلى الأرض، و" الجرباء ": لما " اعتبروا نجومها "، وأنها كجرب في الجلد و" الخلقاء " و" الملساء " لما اعتبر بحالها عند فقدان نجومها بالنهار، و" الرقيع " تشبيهًا بالثوب المرقوع لظهور نجومها ظهور الرقاع في المرقع " والخضراء " لما اعتبر لونها، وعلى ذلك قولهم " في المرأة ": " الزوج " لما اعتبرت بازدواجها بالرجل، و" الظعينة " لما اعتبر ظعنها معه، و" القعيدة " لما اعتبرت بقعودها في البيت أو بكونها مطية له
[ ١٣ ]
كالقعود من الجمال، والقعدة من الأفراس، ألا ترى أنها سميت " مَطِيَّة " في قول الشاعر:
مَطِيَّاتَّ السُّرورٍ فُوَيْقَ عَشْرٍ
إلى عِشْرِينَ ثُمَّ قِفٍ المطَاَيَا
و" حليلة " إذا أعتبر حلولها معه، أو حل الأزار له، وذلك يُفعل لأحد أمرين: إما لأن الشيء " في نفسه " لا يمكن إبرازه إلا بالعبارات الدالة على أوصافه كمعرفة الله - ﷿ - لما صعبت لم يكن لنا سبيل " إليها " إلا بصفاته، وكأن الله تعالى جعل لنا أن نصفه بهذه الأوصاف لتكون لنا ذريعة إلى معرفته، إذ لا سبيل لنا إليها إلا استدلالًا بأوصافه وأفعاله، ولذلك قال " موسى " - ﵇ - لما سأله فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ قال: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، ولما قال له: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾؟ قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فلم يجبه عن الماهية، لما كان الباري تعالى منزهًا عنها، وأحاله عن صفاته الكثيرة، وإما لأن الشيء له تركيبات " وأحوال "، فيجعل له بحسب كل واحد منها اسم كما تقدم في أسماء السماء، وبحسب ذلك قال النبي ﵇: " سُمَّيتُ محمدًا، وأحمد، وخاتمًا، وحاشرًا، وعاقبًا وماحيًا " لأنه محمود، وحامد، وخاتم الأنبياء، وحاشر، لأنه بعث مع الساعة نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديد، وعاقب: لأنه عقب الأنبياء، وماحي: لأنه محى به سيئات من اتبعه.
[ ١٤ ]