العبارة الموضوعة لمعنيين على سبيل الاشتراك حقيقة فيهما أو مجازًا في أحدهما؟ متى تنافي معناهما في المراد لم يصح أن يرادا معًا بعبارة واحدة، نحو أن يقال: صل صلاة واحدة على سبيل الوجوب والندب.
وإذا لم يتنافيا صح ذلك، نحو اللمس - المراد به المسيس - والمس.
وإلى ذلك ذهب الشافعي - ﵀ - وهو مقتضى مذهب سيبويه، لأنه قال في قولهم: " الويل له ": إنه دعاء عليه وإخبار عن حاله، فجعله للأمرين في حالة واحدة، إلى غير ذلك مما دل من كلامه عليه.
والدلالة على جواز ذلك قولهم: " أفعلوا كذا " - في مخاطبة الرجال والنساء - وقولهم: " الرجال والنساء فعلوا "، وهذه العبارة للمذكر حقيقة، وللمؤنث مجاز.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وعناه والمؤمنين، فهو حقيقة فيه ومجاز فيهم.
[ ٤٠ ]
وقال الشاعر:
ثِقَالُ الْجِفَانِ والُحُلُوِم رَحَاهُمْ
رَحَى الْمَاءِ يَكْتَالُونَ كَيْلًا عُذَمْذَمَا
فوصف الجفان بالثقل حقيقة، ووصف " الحُلوم " به مجاز، وقد نظمها بلفظ واحد، وقال آخر: وماءٍ آجِنِ اْلَجمَّاتِ قَفْرٍ،.
فذكر الماء " وأراده به " ومكانه، فقد يسمى مكان الماء ماء، والدلالة على أنه أرادهما أنه قد وصفه " بآجن الجمات " وذلك من صفة الماء نفسه، و" بقفر " وهو من صفة المكان، وقال ابن هرمة:
وَاْحُوتُ يَسْبَحُ في السَّمَا
ءِ كَسَبْحِهِ في ألمَاءِ
وهو بكل سبح عن معنى الحوت، والحوت السابح في السماء غير السابح في الماء.
وقالوا: القمران، للشمس والقمر، وذلك في الشمس مجازًا لا محالة،
فإن قيل: لإن ذلك لا يصح من حيث أن المتكلم به يكون مريدًا استعمال اللفظ فيما وضع له، والعدول به عن الموضوع له في حالة واحدة، وذانك أمران متنافيان في المراد، وهذه عمدة من منع من جواز ذلك، قيل: إن ذلك إنما ينافي إذا وضع لفظ فاستعمل في معنى واحد على أنه منقول إليه عن غيره، ومستعمل في موضعه.
" أما إذا استعمل في أحد معنييه " لأعلى النقل بل على الوضع له، وفي الآخر على النقل إليه صح إرادتهما معًاَ.
[ ٤١ ]
ثم ليس من شرط المتكلم أن يخطر ببياله كيفيه وضع اللفظ من حقيقة ومجازٍ، وأيضًا: فما من لفظ مستعمل في شيئين: حقيقة فيهما أو مجازًا في أحدهما إلا ويجمعهما معنى عام لهما على طريقة من يراعي مناسبة الألفاظ، نحو أن يقال: اتق الأسد والحمار، ويعني " بالأسد ": الحيوان الجرئ، و" بالحمار ": الحيوان البليد، وذلك متناول للبهيمة والإنسان معًا، فيصح أن يرادا كما لو قال: الحيوان الجرئ والحيوان البليد.
ومما يحمل من القرآن على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، وذلك عام في الإنسان وغيره، وقد علم أن الإنسان يسبح بلسانه وفعاله، والجمادات ليست تسبح كذلك وقد قرئهما بلفظ واحد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ قيل: عنى بذلك الغني بالكفاية والغني بالقناعة معًا، وأمثال ذلك في القرآن أكثر من أن تحصى ههنا.
ولمثل هذه المعاني المجتزعة فيه قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، وعلى ذلك روي في الخبر " لكل حرف " ظهر وبطن، ولكل حرف حد ومطلع تنبيهًا على كثرة معلنيه المجتمعة تحت اللفظة بعد اللفظة