أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله، وذلك أن الصناعات الحقيقة إنما تشرف بأحد ثلاثة أشياء: " إما بشرف موضوعاتها، وهي المعمول فيها، نحو أن يقال: الصياغة أشرف من الدباغة لأن موضوعها - وهو الذهب والفضة - أشرف من جلد الميتة - الذي هو موضوع الدباغة وإما بشرف صورها: نحو أن يقال: طبع السيوف اشرف من طبع القيود ..
وإما بشرف أغراضها وكمالها، كصناعة الطب - التي غرضها إفادة الصحة - فإنها أشرف من الكناسة - التي غرضها تنظيف المستراح، فإذا ثبت ذلك، فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث، وهو أن موضوع المفسر كلام الله تعالى: الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضله.
وصورة فعله: إظهار خفيات ما أودعه مُنْزِلُهُ من أسراره ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وغرضه: التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لافناء لها.
ولهذا عظمَ الله محله بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
" قيل: هو تفسير القرآن ".
[ ٣٦ ]