اعترض " بعض " الناص فقال: كيف وصُفَ القرآن بالبيان، فقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقال ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾، وقد علُم ما فيه من الإشكال والمتشابه وما يجري مجرى الرموز، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ وقد وصفه تعالى بالمتشابه وبأنه لا يعلم تأويله إلا هو؟ فالجواب أن البيان المشترط فيه إنما هو بالإضافة إلى " أعيان " أرباب أهل الكتاب لا إلى كل من يسمعه ممن دب زدرج، فقد علمنا أن ذلك ليس ببيان لمن ليس من أهل العربية، ثم أحوال أهل العربية مختلفة في معرفته.
ولو كان البيان لا يكون بيانًا حتى يعرفه العامه لأدى إلى أن يكون البيان في الكلام السوقي العامي أو إلى أن لا يكون بيانًا بوجه، إذ كل كلام بالإضافة إلى قوم بيان، وبالإضافة إلى آخرين ليس ببيان، وقد عُلمّ أن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ
[ ٩ ]
خَلْفَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ من أشرف كلام، ولاَحَظَّ في معرفته لمن لم يتوفر نصيبه من البلاغة، وكذلك قول الشاعر:
فَاقْطَعْ لُبَانةَ مَنْ تَعرَّضَّ وَصْلُ
وقول الآخر:
وَمَا اْلَمرْءُ ماَدَامَتْ حشُاَشَةُ نَفْسه
بُمْدِركِ أَطْرَافِ الْخُطُوبِ ولاَ أَلِ
من أفصح كلام ولا يعرفه جميع الأنام، ثم إن القرآن وإن كان في الحقيقة هداية للبرية، فإنهم لن يتساووا في معرفته، وإنما يحيطون به بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم.
فالبلغاء تعرف من فصاحته، والفقهاء من أحكامه، والمتكلمون من براهينه العقلية، وأهل الآثار من قصصه ما يجهله غير المختص بفنه، وقد علم ان الإنسان بقدر ما يكتسب من قوته في العلم تتزايد معرفته بغوامض معانيه، وعلى ذلك أخبار النبي - ﷺ -، ولهذا قال ﵇:
" نَضَّرَ الله أمُرءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا كَمَا سمَعِهَا حَتَّى يُؤدِيِها إلى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ مُبَلُغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ " ..