أن يبين أن إنزال الرجز كان لظلمهم لا للإبدال فقط، فإن الإبدال بعد الظلم، ثم بين بقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أن ذلك الظلم الذي تعاطوه كان فسقًا منهم، " والله الموفق "
قوله - ﷿ -:
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
الآية (٦٠) - سورة البقرة.
الاستسقاء طلب السقي أو الإسقاء، فالسقي أن يجعل له ماء يشربه، والإسقاء التعريض للماء، وجعله له ليتناوله منتى أراد، فهو أخص معنى من السقي، والسقي اسم مفعول نحو النقض والنكث، فيقال للماء سقي، وللأرض التي يجعل فيها الماء سقيًا، والعصا اصله من الواو، بدلالة قولهم عصوته نحو هروته إذا ضربته بهما، وقيل عصيته بالسيف، وعصى فلان أصله أن يتناول العصا فيضرب بها، ثم كثر فعبر به عن الخارج من الطاعة، فصار العصا اسمًا للطاعة حتى قيل: شق فلان العصا، ولما كانت عادة المسافر ملازمة العصا قيل: ألقى فلان عصاه إذا ترك السفر
والانفجار والانبجاس، والانصداع والانشقاق يتقارب، لكن الانشقاق عام، والانصداع أكثر ما يقال في الأشياء الصلبة.
والانفجار في الأشياء اللينة، ومنه " فجرة الوادي " للمكان الذي ينبعث منه الماء، واستعير للخروج عن خطر الشريعة لتصور الفاجر بصورة الماء المنفجر من الحوض، واستعير الانفجار والانصداع والانشقاق لظهور الفجر، وقولهم: فَجَرَ أي كَذَبَ، هو استعمال لفظ عام في موضع خاص، فإن الكذب بعض الفجور، إذ قد يكون الفجور قولًا وفعلًا، والانبجاس يقارب الانفجار، إلا أن الانبجاس لا يكون إلا واسعًا، والانفجار يستعمل في الضيق والواسع، فكلُّ انبجاسٍ: انفجار، وليس
[ ٢٠٦ ]
كل انفجار انبجاسًا، فإذا صح أن قيل ههنا: " انفجرت "، وفي غيرها: " انبجست " لأن العالم يستعمل أبدًا مكان الخاص، والمشرب مكان الشرب، وسمي الشعر على الشفة العليا والعروق التي في باطن الخلق شارب لتصورهما بصورة الشاربين، واستعير الشرب والشبع لما يولج في المصبوغ، فقيل: ثوب مشرب ومشبع صبغًا، و" أشربت فلانًا كذا " مكنته في نفسه، وعلى ذلك ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ والعبث والعثي يتقاربان نحو " جذب " و" جبذ "، يقال: عثى عثا، وعثى يعثوا عثوا، وعاث يعيث عيثًا، إلا أن العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حسًاَ، والعثو فيما يدرك حكمًا،
فإن قيل: فما فائدة قوله ﴿مُفْسِدِينَ﴾، والعثو ضرب من الإفساد، وقيل: قد قال بعض النحويين إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظًا مما يشبهه، وقال بعض المحققين، " إن العثو وإن اقتضى الفساد فليس بموضوع له، بل هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد وهو مقابلة المعتدي بفعله، نحو: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو بالإضافة إلى ما قوبل به عدل، فلولا كونه جزاءًَ لكان إفسادًا، فبين تعالى أن العثو المنهي عنه هو المقصود به الإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقد يكون في صورة العثو، والتعدي ما هو صلاح وعدل على ما تقدم، وهذا ظاهر، والمروي في الخبر أنه كان مع موسى - ﵇ حجرٌ إذا نزلوا منزلًا وضعه فضربه بالعصاة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا لكل سبط عين، وأنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله في
[ ٢٠٧ ]
تغيير الطبائع والاستحالات الخارجة عن العادات، فقد ترك النظر على طريقتهم، إذ قد تقرر عندهم أن حجر المعناطيس يجر الحديد، وأن الحجر المنقر للخل ينفره، والحجر الطلاق يحلق الشعر، وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة، وإذا لم يكن مثل ذلك منكرًا عندهم، ممتنع أن يخلق الله حجرًا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، وقال بعض الناس: " إن في الآية مع هذا المعنى الظاهر إشارة إلى معنى آخر دقيق، وهو أنه أريد بالعصا السياسة، وذلك يكثر في استعمالهم نحو قوله - ﵇: " لا ترفع عصاك عن أهلك " و" شق فلان العصا " إذا خرج عن السياسة المشروعة، وأريد بالحجر إسرائيل الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وكان موسى - ﵇ طلب لهم مداواة تعم جميعهم العالم والجاهل منهم " وعموم المطر للبقاع العامرة والغامرة، فأمره الله تعالى أن يسوسهم سياسة ظاهرة بالعلوم والأعمال التي هي حمل الإسلام والإيمان وهو اثنتا عشرة خصلة التي بينها النبي - ﷺ - في حديث جبرائيل [﵇] ستة منها الإسلام، وهي: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والصلاة والزكاة، والصيام والحج، وستة منها وهي: " الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره "، وذلك أن هذه الأركان الاثنى عشر يتشارك في أصولها المكلفون وإن
[ ٢٠٨ ]
اختلفت فروضهم في أحكامها وفروعها، وقيل أن " استسقاء موسى - ﵇ - لقومه هو طلب علوم لهم تعمهم وتقلهم من حيث لا يحتاج فيه أحد إلى الاستعانة بالآخر، بل يجري مجرى المطر " العام للغني والفقير، فبين الله تعالى أن ذلك ليس من الحكمة، إذ قد جعل الدنيا على تفاوت بين بينها، ولذلك قال:
﴿قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وأمره أن شرع لهم بالسنة الأسباط الأثنى عشر أنهارًا من العلوم يتناول كل فرقة على قدر منزلته واستحقاقه من مشربه، وقيل: إن موسى - ﵇ - طلب لهم العلوم الموهبية وهي الحكمة الحقيقية التي نبه عليها الخضر حيث قال له موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فبين الله تعالى له أن منزلة (بني إسرائيل) تقصر عن إدراك ذلك، وأمره أن يأخذهم بالعلوم والأعمال الظاهرة، وذلك هو الاعتقادات والعبادات والمعاملات والمزاجر التي قد بنيت عليها الشرائع كلها ولكل واحد من ذلك ثلاثة منازل منزلة الظالم والمقتصد والسابق، وهو العامة والجامة والخاصة، فالعامة تؤخذ منها بالقهر السلطاني، والجامة بالقهر العلمي والخاصة بالقهر اليقيني، فهذه اثنتا عشر خصلة من استكملها بلغ منزلة من وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ووصف به أصحاب الكهف في قوله تعال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، الآية، وهذه الأقوال محققة في أنفسها وإن لم تكن مقصودة في الآية والله أعلم.
[ ٢٠٩ ]