قوله - ﷿ -:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ الآية: (٦١) - سورة البقرة.
الصبر الحبس على المكروه، وذلك ضربان: أحدهما: حبس الغير، فيتعدى نحو: صبرت الدابة، وصبرت يمينه أي: حلفته بالله حلفة لا خروج لها منها، والثاني: حبس النفس، ولا يتعدى في اللفظ، وهو حبس النفس عما يقتضيه الهوى أو على ما يقتضيه " الهوى " والعقل، ويختلف مواقع الصبر، وربما خولف بين أسمائها بحسب اختلاف مواقعها فإن كان في مصيبة يقال له: صبر لا غير وضده الجزع وإن كان في محاربة سمي شجاعة، وضدها الجبن وإن كان في نائبة مضجرة، سمي " رحب الصدر " وضده " ضيق الصدر " والضجر والتبرم وإن كان في إمساك [النفس فضولات العكس، سمي قناعة وعفة وضدها الحرص والشره وإن كان في امساك] كلام في الضمير سمي كتمانًا وضده الذل والإفشاء ثم الصبر ضربان: نفسي وبدني فالبدني: أكثر لأخساء الناس والنفسي: للأشراف ولذلك قال الشاعر:
والصبر بالأرواح يعرف فضله
صبر الملوك، وليس بالأجساد
والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروبًا، وفي المشروب قالك ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ورجل طاعم لمن يطعم، ويتجوز به لمن حسن حالة في المطعم، ويقال: قوس مطعمة ويعير مطعم ومطعمنا الباري لبرئته كل ذلك تصور أنها تطعم صاحبها، والواحد يقال على أوجه من حيث الجنس
[ ٢١٠ ]
فيقال: الإنسان والفرس واحد، أي من حيث الحيوانية، وواحد من حيث النوع، يقال زيد وعمرو واحد، أي من حيث الإنسانية واحد من حيث الشخص، وإن كان ذا أجزاء كثيرة، يقال: رجل واحد، وواحد من حيث الشرف، نحو قولهم: واحد دهره، وواحد من حيث العدد، وهو مبدأ العدد بمعنى أنه لو ارتفع ارتفعت الأعداد، [ولو ارتفعت الأعداد] لم يرتفع الواحد بها، فالواحد كيف ما أدرته وأجريته لم يزد فيه شيء ولم ينقص، فإنه يحفظ ذاته، ولذلك قيل: إن الواحدة في العدد أقرب الأشياء إلى معرفة وحدانية الله تعالى
فإن قيل: كيف قال: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلًا واحدًا في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها، والدعاء أعم من النداء، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيدًا أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب، وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ ذكر جواب الدعاء، ولم يذكر المطلوب في الأول لكونه معلوما كقولك: قل لفلان يعطني كذا، وتقديره: قل له أعطني يعطني، والنبت والنبات يقال لما ينبت الله ولمصدر نبت، وقد يقال ذلك لذوي الساق من الشجرة، وأنبت الغلام إذا راهق على طريق الاستعارة ولنبات عانته، والبقل مالا ينبت أصله ولا فرعه في الشتاء، وأبقل المكان: صار ذا بقل وتبقلت تناولته وبقل وجهه استعارة، والفوم: الزرع، وقيل: الحنطة خاصة، وقيل: الثوم، والثاء والفاء يبدل أحدهما من الأخرى نحوه جدث، وجدف، ومغافير، ومغاثير، وأدنى أي أوضع، ويعبر عن الوضيع بالدني، والخير يقال على ضربين: أحدهما الخير المطلق وهو الشيء النافع الحسن الملذ وضده الشر المطلق وهو الضار القبيح المؤلم، والثاني: الخير المفيد، وهو ما يحصل فيه أحد الأوصاف الثلاثة، فيصح أن يوصف بالخير مرة والشر مرة على نظرين مختلفين، نحو أن يقال المال خير والمال شر، ولأجل أن الخير المطلق هو ما جمع الأوصاف الثلاثة،
[ ٢١١ ]
وهي غاية ما يتحرى ويطلب، قيل الخير: هو الذي يطلبه الكل، والشر هو الذي يهرب منه الكل، فإن ما جمع الحسن واللذة والنفع يرغب فيه الكل، وما جمع منه أضداده الثلاثة يهرب منه الكل، والمصر: اسم لكل بلد عظيم مجموع الأقطار والحدود، وهو في الأصل اسم للمصور أي المضموم بالحدود نحو النقص والنكث للمنقوص والمنكوث، وعبر عن الحد بالمصر في قول الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به
بين النهار وبين الليل قد فصلا
من حيث إن الحد معتبر فيه، ومصرت الناقة جمعت ضرعها بإصبعين للحلب، ولما كان خروج اللبن على ذلك قيل غير مصور لقليلة اللبن، و" فلان مصور " أي بخيل يعسر إخراج الشيء منه تشبيها بذلك، فمصر ههنا قيل هو البلد المعروف، ولذلك قيل هو في قراءة أبي - رضي الله تعالى عنه - بغير تنوين، وقيل: عنى به مصرا من الأمصار، والذلة تقال على وجهين، على الهون وقريء: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمسكنة: الفقر الذي يسكن الإنسان عن التصرف، ومعنى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أي ألزمت وأوجبت - تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به، و" باؤا " أي احتملوا، وأصل ذلك من البوأ أي المساوية، فباء فلان بكذا تنبيه أنه تحمل مقدار ما يساوي وقوته، والمباءة: المنزل في المستوى، وذلك إذا لم يكن ذا عد، وبين الله تعالى في هذه الآية أنه لما اختار الله لهم ما يتبلغون به، أبوا إلا الميل إلي القاذورات وما فيه مراعاة القوة
[ ٢١٢ ]