بعد أن تحدث الله ﷾ عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم. وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق. تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وأن يستعينوا بمن يريدون من دون الله، لأن القرآن كلام الله، والله سبحانه هو القائل. وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن القرآن كلام الله. وأنه منزل من عند الله، فليستعينوا بمن يريدون ليأتوا بآية من مثله، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا الله ﷾.
ثم يأتي الحق ﷾ بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي. لأن الله ﷾ يعلم أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا.
إن قوله سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ معناه أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن وبعد نزول القرآن إلي يوم القيامة. لأن الله لا يخفى عن علمه شيء. فهو بكل شيء عليم. وكلمة «لم تفعلوا» عندما تأتي قد تثير الشك. فنحن نعرف أن مجيء إن الشرطية يثير الشك. . لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق بشرط. وأنت إن قلت إن ذاكرت تنجح، ففي المسألة شك. . أما إذا قلت كقول الحق ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة.
و«إن» حرف و«إذا» ظرف، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن. فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث. فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول «إن» والله ﷾ قال «فإن لم تفعلوا» ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع فقال «ولن تفعلوا» هذا أمر اختياري. فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم حكمت أنه
[ ١ / ٢٠٠ ]
لن يحدث. فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل. فلا يقال أنك قهرته على ألا يفعل. لا. علمت أنه لن يفعل. فاستعداداته لا يمكن أن تمكنه من الفعل.
وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها، فعندما يقول الله ﷾ ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ معناه أنهم مصدقون ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك. وقوله تعالى «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» معناه أن الشك مفتعل في نفوسهم؛ هم لا يريدون أن يؤمنوا ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم الإيمان. لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون، ومادام هذا هو ما قررتموه. فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ .
الحق ﷾ يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار. فهم بحثوا عن أعذار، ليبرروا بها عدم إيمانهم وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم. يقول لهم: لو كانت لكم قدرة وذاتية فعلا فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة. كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا.
وهذا وعيد من الله. لقد أعطاهم ذاتية الاختيار في الدنيا ولم يختاروا قهرًا بل اختاروا عدم الإيمان بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم. ولكن هناك وقت ليس فيه اختيار وهو الآخرة فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة. ولكن لن يكون لأحد اختيار. فالله ﷾ يقول في ذلك اليوم: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]
ويقول ﷻ: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]
[ ١ / ٢٠١ ]
فإرادتكم التي منعتكم من الإيمان. . لن تقيكم يومئذ من عذاب النار، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]
لماذا هم وما يعبدون؟ لأن العابد يرتجي نفع المعبود. فكأنهما عندما يرى كل منهما الآخر في العذاب. تكون الحسرة أشد. ولذلك فإن الحجارة والأصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار يوم القيامة. وليس هذا عقابًا للأحجار والأصنام. لأنها خلق مقهور لله مسبح له، ولكن هذه الأصنام والأحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بالله. وتقول: «عبدونا ونحن أعبد لله من المستغفرين بالأسحار» .
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الله ﷾ يخبرهم وهم في الدنيا، أن النار أعدت للكافرين. وقوله تعالى النار أعدت للكافرين تطمين غاية الاطمئنان للمؤمن. وإرهاب غاية الإرهاب للكافر. . وقوله تعالى «أعدت» معناها أنها موجودة فعلًا وإن لم نكن نراها. وأنها مخلوقة وإن كانت محجوبة عنا.
ورسول الله ﷺ َ قال:
«عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم منها بقطاف لفعلت» .
وهذا دليل على أنها موجودة فعلًا.
والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة فعلًا وأن الإيمان سيقوده إليها فإنه يحس بالسعادة ويشتاق للجنة. فإذا سمع قول الحق ﷾: ﴿أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]
ساعة تقرأ هذه الآية الكريمة تعرف أن الله ﷾ سيجعلك في الجنة
[ ١ / ٢٠٢ ]
تأخذ ما كان لغيرك. لأن الميراث يأتيك من غيرك. وقد سبق علم الله ﷾ خلق الناس جميعًا. وقبل أن يخلق أعد لكل خلقه مقعدًا في النار ومقعدًا في الجنة. الذين سيدخلون النار خالدين فيها، مقاعدهم في الجنة ستكون خالية، فيأتي الله ﷾ يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم في الجنة. والحق سبحانه عندما يقول: «أعدت» فهي موجودة فعلًا.
[ ١ / ٢٠٣ ]